من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الإقليم الثالث
الصفحة ١ من ٢
وهذه صورة الإقليم الثالث، وهو الآخذ مع الإقليم الثاني على شماليه، من البحر المحيط بأقصى الغرب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق.
وأما الذي وقع في هذا الإقليم الثالث من المدن والجزائر العامرة مما وقع في البحر الشامي والبحر الفارسي، وما اتصل به من البحر المحيط في الغرب والشرق، وسنذكره.
وأول ما نبدأ به من الغرب على حكم خط الأقاليم نبدأ بالبحر المحيط كما ذكره الشريف:
فمن ذلك جزيرة ساوة: قريب البحر المظلم الغربي، يقال إن ذا القرنين نزلها قبل أن تدخلها الظلمة وبات بها، وكانوا يرمون بالحجارة، وأوذي بذلك جماعة من أصحابه.
وجزيرة السعالي: فيها خلق كخلق النساء، لهم أنياب بادية وعيون كالبرق، وسوقهم كالخشب، يتكلمون بكلام لا يفهم، ويحاربون الدواب البحرية، ولا فرق بين الرجال منهم والنساء إلا بالذكور والفروج لا غير، ورجالهم لا لحى لهم، ولباسهم ورق الشجر.
ومنها جزيرة خسران: وهي أرض واسعة وفيها جبل عال في سفحه ناس سمر قصار لهم لحى تبلغ ركبهم، ووجوههم عراض ولهم آذان كبار، وطعامهم وعيشهم مما تنبت الأرض هناك من الحشيش ومرافق النبات مثل ما تأكله
البهائم، وعندهم نهر صغير عذب يجري من تحت الجبل.
وفيه جزيرة الغور: وهي كبيرة الطول والعرض، كثيرة الأعشاب والنبات، وفيها أنهار وغدران وآجام تأوي إليها حمر وبقر لها قرون طوال جدا.
وفيه جزيرة المستكشين: يذكر أنها جزيرة عامرة فيها جبال وأنهار وأشجار وثمار وزروع، وعلى المدينة حصن عال. وفيما يحكى من أمر هذه الجزيرة أنه كان فيها فيما سلف من قبل عهد الإسكندر تنين عظيم يبتلع كل من مر به من إنسان أو ثور أو حمار أو ما أشبههم، فيقال إن الإسكندر لما دخلها استغاث به أهلها وشكوا إليه أضرار التنين بهم وأنه قد أتلف مواشيهم وأبقارهم، حتى إنهم جعلوا له ضريبة في كل يومين ثورين ينصبونهما بمقربة من موضعه، فيخرج إليهما فيبتلعهما ثم يعود إلى موضعه، وكذلك يأتي من الغد فيفعلون له ذلك. فقال لهم الإسكندر: يأتيكم هذا التنين من مكان واحد أو من أمكنة كثيرة؟ قالوا: من مكان واحد. قال لهم: أروني مكانه، فانطلقوا به إلى قرب من موضعه، ثم نصبوا له الثورين فأقبل التنين كالسحابة السوداء وعيناه تلمعان كالبرق والنار تخرج من جوفه فابتلع الثورين وعاد إلى موضعه، فأمرهم الإسكندر أن يجعلوا له في اليوم الثاني عجلين، وفي اليوم الثالث مثل ذلك، فاشتد جوعه، فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشي جلودهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا وجعلهما في ذلك المكان المعلوم فخرج التنين إليهما على حسب عادته فابتلعهما ومضى فاضطربت تلك الأشياء في جوفه، فلما أحس باشتعالها - وكان قد جعل في تلك الأخلاط كلاليب حديد - فذهب
ليتقيأ من ذلك، فشبكت الكلاليب في جوفه فخر وأقعى وفتح فمه ليستروح فأمر، عند ذلك الإسكندر فحميت قطع الحديد وحملت على ألواح حديد وقذفت في حلق التنين فاشتعلت الأخلاط في جوفه فمات، وفرج الله ﷿ عن أهل تلك الجزيرة، فشكروا الإسكندر عند ذلك وألطفوه ووهبوا له من طرائف ما عندهم، وكان فيما حملوا إليه من طرائف ما عندهم دابة في خلق الأرنب يبرق شعرها في صفرة كما يبرق الذهب يسمى بفرّاح وفي رأسه قرن واحد أسود إذا رأته الأسود وسباع الوحش والطير وكل دابة هربت عنه.
وفي هذا البحر جزيرة قلهان: فيها أمة مثل خلق الناس إلا أن رؤوسهم مثل رؤوس الدواب يغوصون في البحر ويخرجون ما قدروا عليه من دوابه فيأكلونها.
وفي هذا البحر أيضا جزيرة الأخوين الساحرين اللذين يسمى أحدهما شرهام والثاني شرام: ويقال إنهما كانا بهذه الجزيرة يقطعان على المراكب التي تمر بهما ويهلكان جميع أهلها ويأخذان أموالهم، فمسخ الله بهما لظلمهما وبقيا حجرين على ضفة البحر قائمين، ثم عمرت هذه الجزيرة بالناس، وهي تقابل مرسى آسفي، ويقال إن الصفا إذا عم البحر ظهر دخانها من البر. وكان أخبر بذلك أحمد بن عمر، المعروف برقم الإوز، وكان واليا لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين على جملة من أسطوله، فعزم على الدخول إليها بما معه من المراكب فأدركه قبل الدخول إليها الموت ولم يبلغ أمله في ذلك، ولهذه الجزيرة قصة
غريبة أخبر عنها المغرورون من أهل مدينة أشبونة بالأندلس حين أسقطوا إليها بمركبهم، وكيف سميت آسفي بهم، وهي مرسى حديثها طويل، وسيأتي في موضعه عند ذكر أشبونة إن شاء الله تعالى.
وفي هذا البحر جزيرة الغنم: وهي جزيرة كبيرة محيطة بها، وفيها من الغنم ما لا يحصى عددا، وهي صغار ولا يقدر أحد أن يأكل لحومها لمرارتها، وقد أخبر بذلك أيضا المغرورون. قلت: وهؤلاء المغرورون هم طائفة غرروا بأنفسهم في التوغل في البحر، فقيل لهم المغرورون لذلك.
ويليها جزيرة راقا: وهي جزيرة الطيور، ويقال إن فيها جنسا من الطير في خلق العقبان حمرا ذوات مخالب تصيد دواب البحر وتأكلها ولا تبرح من هذه الجزيرة، ويقال إن بها تمرا يشبه التين الكبير وأكله ينفع من جميع السموم.
وحكى صاحب «كتاب العجائب» أن ملكا من ملوك إفرنجة أخبر بذلك فوجه إليه بمركب معد ليجلب له من ذلك التمر ويصاد له من تلك الطيور لأنه كان له
علم في دمائها ومرارتها، فتلف المركب الذي أنفذه ولم يعد إليه.
ومنها جزيرة الشاصلند: طولها خمسة عشر يوما في عرض عشرة أيام، وكان بها ثلاث مدن صغار، وبها قوم يسكنونها، وكانت المراكب تجتاز بهم وتحط عليهم وتشتري منهم العنبر والحجارة الملونة، فوقعت بين أهل تلك البلاد شرور وطلب بعضهم بعضا حتى فني أكثرهم وانتقل منهم إلى عدوة البحر من الأرض الكبيرة الروم، وبها الآن من خلقها قوم كثير، وسنذكر هذه الجزيرة عند ذكرنا جزيرة افلاندة.
وفي هذا البحر جزيرة لانه: ويقال إن فيها شجر العود كثير ولكنه لا رائحة له فإذا أخرج عنها وحمل في البحر طابت رائحته، ولا يماثل الهندي ولا يدانيه، وهو في ذاته أسود رزين. وكان التجار يقصدونها ويستخرجون العود منها، وكان يباع في أرض الغرب الأقصى من ملوكه بتلك الناحية، ويذكر أيضا أنها كانت مسكونة عامرة بالناس، لكنها خربت وتغلبت الحيات على أرضها فلا يمكن الآن دخولها لهذا السبب.
وفي هذا البحر من الجزائر على ما ذكره بطليموس الأقلودي سبعة وعشرون ألف جزيرة ما بين عامرة وغامرة، وإنما ذكرنا منها قليلا من كثير مما قرب مكانها من البر ووصلت العمارات، وأما غير ذلك فلا حاجة بنا إلى ذكره هنا ولم يتصل بنا حقيقة علمه ولا تفصيل أمره.
وأيضا إن في هذا الإقليم من بلاد الصحراء: نول لمطة، وتازكغت، وأغرنوا. وفيه من بلاد السوس الأقصى: مدينة تارودنت، وتيوبوين، وتاماملت، وهي بلاد السوس. وفيه من بلاد البربر: سجلماسة ودرعة وداي، وتادلة، وقلعة مهدي بن توالة، وفاس، ومكناسة، وآسفي، وهي أول بلد في الغرب على البحر المحيط، وسلا، وسائر المراسي التي على البحر الأعظم.
ونحن نذكر من ذلك ما يليق ذكره وهو مدينة نول: وهي على نهر يأتي إليها من قبل المشرق، وفيها تصنع الدرق اللمطية التي لا شيء أحسن منها، والسروج واللجم وأقتاب الإبل والأكسية السفسارية والبرانس ذوات القنة، ولأهلها الإبل والمعز والغنم.
ومن مدنها آزقي ولمطة: وهذه تسمية بربرية وهي بالعربية (لزكي)، وبها من بلاد مسوفة وهي أول الصحراء بينها وبين سجلماسة ثلاث عشرة مرحلة، قال الشريف: وقد أخبر بعض من دخل هذه المدينة أن النساء اللواتي لا أزواج لهن بها إذا بلغت المرأة منهن أربعين سنة تصدقت بنفسها على من أرادها من الرجال ولا تدفع عن نفسها ولا تمتنع عمن يريدها، قال: ومن أراد
الدخول من بلاد الغرب إلى بلاد مالي وتكرور وغانة من بلاد السودان فلا بد له من هذه المدينة.
ومدينة سجلماسة: وهي من أجل المدن وأشهرها. وأقول: وأما مدينة سجلماسة فمدينة كبيرة، كثيرة العامر، وهي مقصد الوارد والصادر، كثيرة الخضر والجنات، رائقة البقاع والجهات، لا حصن عليها، وإنما هي قصور وديار وعمارات متصلة على نهر لها كثير الماء يأتي إليها من المشرق من الصحراء، يزيد في الصيف كزيادة النيل، ويزدرع بمائه كما تزرع بلاد مصر، ولزراعته إصابة كثيرة معلومة، وفي أكثر الأعوام الكثيرة المياه المتواترة بخروج هذا النهر ينبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر، وفي الأكثر من السنين إذا فاض النهر عندهم ثم رجع بذروا على تلك الأرضين زرعهم ثم حصدوه عند تناهيه وتركوا جذوره إلى العام القادم فينبت ذلك من غير حاجة إلى بذر زراعة، وحكى
الحوقلي أن البذر بها يكون عاما والحصاد فيه في كل سنة إلى تمام سبع سنين، ولكن تلك الحنطة التي تنبت من غير بذر تتغير عن حالها حتى تكون بين الحنطة والشعير، وتسمى هذه الحنطة: ييردن تنرواو (وهو باللغة البربرية)، وبها نخل كثير وأنواع من التمر لا يشبه بعضه بعضا، وفيها الرطب المسمى بالبرني، وهي خضراء جدا وحلاوتها تفوق كل حلاوة، ونواها صغير في غاية الصغر، ولأهل هذه المدينة غلات القطن وغلات الكمون والكراوياء والحناء، وتجهز منها إلى سائر بلاد المغرب وغيرها وبناءاتها حسنة، غير أن المخلفين في زماننا قد أتوا على أكثرها هدما وحرقا، وأهل سجلماسة يأكلون الحيوان المسمى بالحرذون ويسمونه بلسان البربر (أقرنم)، ونساؤهم يستعملنها في السمن وخصب البدن، ولذلك هن في غاية السمن وكثرة اللحم، وقلما يوجد من أهلها صحيح العينين بل أكثرهم عمش.
ودرعة: وهي مدينة لا عليها سور ولا خندق، وإنما هي قرى متصلة ومزارع كثيرة كلها على نهر سجلماسة، ويزرع بها الحناء والكمون والكراوياء والنيلج ويكبر نبات الحناء حتى تكون كالشجر فيها، يؤخذ بزره ويتجهز [به] إلى كل الجهات. قال الشريف: ولا يؤخذ بزره إلا في هذا الإقليم فقط.
وبلاد السوس: قرى متصلة ببعضها، [وبها] فواكه جليلة، ويوجد بها قصب السكر الفائق المثل، ويعمل بها السكر، وفي نسائها جمال فائق.
ومدينة أغمات وريكة: اسم المدينة أغمات، ووريكة اسم لقبائل تنزلها.
وأغمات هي المكان الذي مات به المعتمد بن عباد ﵀، وهي على جبل درن، وهي دار ماء وأشجار وفواكه حسان، وبجبلها تانمللت الحصن المنيع القليل مثله في حصون الأرض، وعليه كان اعتماد ابن تومرت مهدي المغرب، وبه قبره في قبة عالية لكنها غير مزخرفة ولا مزينة لما يقتضيه الناموس.
ومراكش: وهي قاعدة ملك جليل وإنما هي اليوم تبعا لمملكة فاس، وسيأتي ذكرها مفصلا في مملكة بر العدوة، وهي مدينة محدثة ذات واد كبير وعيون جارية يدور بها الأرحاء، وتكثر بها الثمرات.
وآسفي وسلا: وهما ذوات خصب، وبسلا فواكه كثيرة وقصب سكر
وافر. ومكناسة الزيتون: وهي مدينة حصينة جدا ذات مياه وفواكه كثيرة.
ومما وقع في هذا الإقليم من المشاهير:
مدينة باغاي: وهي مدينة كبيرة عليها سوران من حجر، ولها ربض عليها سور وبها أسواق، ولها واد يجري إليها ماؤه ويزرع عليه.
وقفصة: وهي مدينة حسنة عليها سور، وبها عين جرارة بداخلها، منها سقيها، وأسواق عامرة، وزروع ومتاجر كثيرة.
ومدينة القيروان: وكانت قاعدة ملك جليل وسلطان كبير، وهي الآن أم بلاد، ذات ماء جار وزرع وضرع وخيرات حسان.
ومدينة نفطة: وهي مدينة محضرة آهلة بأسواق وتجارات، وبها مياه جارية وفواكه كثيرة ونخل وزيتون. وتوزر، وبلاد الجريد عامة.
وقابس: وهي مدينة جليلة عامرة ذات مرسى على البحر الشامي حفت بها جنات ملتفة، وحدائق مصطفة، وفواكه عامة رخيصة وزيتون.
وقصر سجة: وهي مدينة محضّرة.
ومدينة صفاقس: وهي مدينة قديمة عليها سور، ذات أسواق كثيرة وعمارات شاملة، وشرب أهلها من مواجل، وبها تجائر مربحة، وتجلب إليها الفواكه.
ومدينة المهدية: بناها عبيد الله المهدي الفاطمي، ولها سور منيع ولها بابان من حديد لفق بعضه على بعض ولا خشب فيهما، وليس يعرف مثلهما.
والمهدية مدينتان، أحدهما المهدية، والثانية زويلة، وهي من فرض البحر الشامي، وإليها الإقلاع والحط، وبها مبان جليلة، وشرب أهلها من مواجل فيها تجائر مربحة، قال الشريف: وأهلها يدفنون موتاهم بالمنستير لأنها موصوفة عندهم بالبركة.
ومدينة تونس: وهي قاعدة ملك جليل، وسيأتي ذكرها عند ذكر مملكة إفريقية مفصلا، وقال الشريف: إنها كانت تسمى قديما ترشش.
ومدينة بنزرت، ومدينة طبرقة، ومدينة باجة، ومدينة بونة، ومدينة الأربس، وبها معدن حديد، ومدينة أبة، وبها زعفران جيد، ومدينة تادميت، وتسمى مرماجية. ومدينة مجانة.
وقد وقع في هذا الإقليم معظم بلاد العدوة وإفريقية مما يلي الصحراء، وسواحل البحر الشامي وبلاد برقه، وقطعة من الديار المصرية من الفيوم على آخر البلاد المصرية، ووقع بها من بلادها الفسطاط والقاهرة، وشهرة مصر تغني في عظمها عن الوصف، دار خلافة وقاعدة سلطنة، وسيأتي ذكرها مفصلا.
ومن مدنها الواقعة على البحر الشامي: ثغر الإسكندرية، ورشيد، وفوه، ودمياط، وقطعة كبيرة من الشام ممتدة على ساحل البحر الشامي وما والاه آخذا في الجنوب، وأوله في مغاربه من المدن: غزة، ثم عسقلان وهي الآن خراب سوى مشهد الحسين ﵇ بناه أمير الجيوش المستنصري، ثم عكا الواقعة الآن قبالتها صفد، هي عوضها لخراب عكا في وقتنا، وصور، وصيدا، وبيروت، وجبيل، وطرابلس. فأما أنطرطوس، وبليناس، وجبلة، والسويدية، فرضة أنطاكية، وأنطاكية، ففي الرابع. وسيأتي ذكر ذلك.
ووقع كما هو من غزة إلى صيدا من المدن: مثل القدس الشريف، وبلد الخليل ﵇، ونابلس، والرملة بين هذا البحر الشامي وبين بحر القلزم، وفيما يقال إن هناك مجمع البحرين، ثم ينقطع هناك بحر القلزم ويتسع عرض الشام به، وأمه دمشق، وقد كانت دار خلافة ثم قاعدة ملك، وهي الآن على ذلك، وسيأتي ذكرها عند مملكة مصر والشام مفصلا.
ومن مدنها بعلبك وحمص، وإليها انتهى ما وقع في هذا الإقليم من الشام.
وزعم كثير أن بعلبك وحمص مع ما يليهما إلى ضفة البحر الشامي من الرابع، والصحيح ما ذكرناه آنفا.
ومن هذا الإقليم في الجنوب على أطراف الحجاز إلى وادي القرى، وامتد
شرقا على بلاد البحرين وقاعدتها القطيف، ثم الأحساء قبالة أوائل بلاد القرامطة، والقطيف أكبر من الأحساء على ضفة البحر الفارسي.
ومن مدن البحرين: بيشة، والزارة، والخط، المنسوب إليها الرماح الخطية وليست بها ولكن كانت تجلب إليها وتعمل بها، وتبلغ عند العرب، وتنسب إليها. ثم تأخذ معه مشرقا على مدينة فيد وهي من مدن البادية. ومدينة القادسية: وهي مدينة صغيرة ذات ماء عذب ونخل، بها الرطبة وتتخذ قوتا يتزود الحجاج منه علوفة لإبلهم. ويأخذ قطعة من العراق ذات غلات كثيرة ونخيل لا يبارى في كثرته وطيب ثمرته.
ومن ذلك مدينة الكوفة: وهي إسلامية بناها سعد بن أبي وقاص ﵁، وهي ذات أبنية حسنة وأسواق عامرة وضياع ومزارع، وعلى ستة أميال منها مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، يقال إن به قبره الكريم في قبة بناها أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وشهرة هذا المشهد وما فيه وكثرة زواره ومن يأتيه وعظيم ما يظهر من آثار بركاته وأخبار أوقاته أشهر من
أن تذكر وأجل من أن تنكر.
ومدينتا واسط: على جانبي دجلة، وبينهما جسر من السفن تمر عليه المارة، وتسمى الغربية كسكر، بانيها الحجاج بن يوسف الثقفي، وتسمى الشرقية واسط العراق.
ومدينة البصرة: تكاد تعد قاعدة لعظمها، ويقال إن بها ألف نهر يجري، قال صاحب كتاب "أشكال الأرض ": ونخيلها متصل من عبداسي إلى عبادان نحو خمسين فرسخا. وذكر بعض المؤلفين أن أنهار البصرة عدت [أيام بلال بن أبي بردة] فكانت مائة ألف وعشرين ألف نهر يجري في أكثرها الزواريق، وبها قبر طلحة والزبير ﵄. وفي المربد بها قبر أنس بن مالك ﵁، وهي إسلامية بناها عتبة بن غروان، وكان بها زمن الرشيد أربعة آلاف نهر، مخرج على كل منها في كل يوم دينار ودرهم وقوصرة تمر. وللبصرة مدن مضافة إليها وهي عبّادان، وبلجان، والأبلة، والمشان، ومطارا، وأكثرها المشان، ومنها الحريري مؤلف المقامات. ومدينة الأبلة أحد منتزهات الدنيا. وعبادان وهو حصن صغير على مصب دجلة في البحر الفارسي.
وبلاد خوزستان وقاعدتها مدينة الأهواز وتعرف بهرمز شهر، والأهواز فسيح الأرجاء، صحيح الهواء، كثير الماء، كبير الغناء. ومدينة الأهوازية: مدينة حسنة وأهلها مياسير وفي طباعهم الشر والتنافس. وعسكر مكرم، وبه العقارب المشهورة، وجندي سابور، والسوس، ورام هرمز، والطيب، وما سامت ذلك من بلاد العراق وبلاد أرجان، وقطعة من بلاد أرجان في غاية الطيب من حساب قومس، وهي ذات زرع وخصب ونخيل وكروم وفواكه عامة وجوز وزيتون، ويعصر بها الزيت ولكنه قليل، وهي تأخذ على جنوب أرجان، [وعلى باب أرجان] مما يلي خوزستان على نهر طاب قنطرة تنسب إلى الديلمي طبيب الحجاج، وهي طاق واحدة سعة ما بين عموديها على الأرض ثمانون خطوة وارتفاعها ما يحمل ذلك.
ثم تأخذ من بلاد فارس، ومنها شيراز: وهي قاعدة ملك بنيت في أول الإسلام، وهي مدينة جليلة المقدار حسنة النواحي، طولها حوالي ثلاثة أميال في عرض مثلها، لا سور لها، بناؤها بالحجارة والجص والطين، وشرب أهلها من الآبار، وأهلها مياسير.
ومدينة إصطخر: وهي مدينة كبيرة جليلة، أقدم مدن فارس يقال إنها بناء سليمان بن داوود ﵉، وقد تقدم ذكرها، وهي ذات أسواق كبيرة ومتاجر وافرة، وعليها نهر جار، وهواؤها فاسد وخيم، وبها تفاح عجيب يكون التفاحة الواحدة نصفها حلو صادق الحلاوة ونصفها حامض صادق الحموضة.
ومدينة جور: تقارب إصطخر في مقدارها ولها سور من طين، ووراءه خندق.
ومدينة سابور: بناها سابور الملك.
ومدينة دارابجرد: ولها سور على جميعه خندق تصل إليه مياه سقيها، وتنبع به عيون، ويوجد به سمك لا شوك فيه ولا عظم ولا له فقار ولا عليه فلوس، وهو من ألذ السمك طعما، وهي طيبة الهواء كثيرة البساتين والجنات، غدقة الفواكه، نزهة من جميع جهاتها، يسير السائر بها بين قصور عالية ومنتزهات مستقرة، ومنها تجلب الموميا إلى الآفاق وهو بغار في جبل ببعض بلادها.
وجور: وهي مدينة عليها سور وخندق، وبها يستخرج ماء الورد، وإليها ينسب الورد الجوري.
ومدينة فسا: وهي واسعة الشوارع، شامخة البناء، وخشبها كثير وغالبها الصنوبر، وهي عامرة بالناس، ولأهلها يسار.
ومدينة كازرون: وهي مدينة حسنة لها سور وحصن وقلعة في داخلها، وبها أسواق ومتاجر وصناعات، ولها فواكه عامة كثيرة.
وعمل المورستان: وبها خلق كثير وفواكه كثيرة ونعم.
والراسحان، والسابحان واليوكران، والشاذوران وجهانمان العليا
والسفلى وبيردمروان، وكل هذه حصون ورساتيق إن لم تكن مدنا، (لكنها ذوات أعمال وزراع وعمال).
ومدينة سيراف: وهي على ساحل البحر الفارسي، وهي مدينة كبيرة وبها تجار مياسير، ولأهلها ولع بكسب المال واستجلابه، وهم أكثر عباد الله تغربا في الآفاق حتى إن الرجل منهم ليغترب عشرين سنة ولا يكترث بمن خلفه، وهي فرضة فارس، ومبانيها بالساج وهي طبقات مشتبكة البناء كثيرة الأهل، ولأهلها همم في العمارة الجليلة بضروب التحصين والتحسين، ومياههم وفواكههم تصل إليهم من جبل مشرف عليهم مطل على البحر، وهي شديدة الحر ولها مدن وأعمال.
ومدينة ريشهر: وهي صغيرة عامرة ذات أعمال. ويصنع بها ثياب كتان فاخرة، وكتانها هو المعروف بالسينيزي، وهو من مدينة سينيز من أعمال ريشهر. قال الشريف: والمجمع عليه بالقول العام أنه ليس بجميع أقطار الأرض كتان يعدله ولا يقاربه قوة ولينا.
وبلاد كرمان: ومن مدنها أناس، والسيرجان، ونرماشير، وجيرفت،
ويقال إن هرمز كانت معدودة من بلادها، وهي الآن خارجة عنها بالإضافة، داخلة معها في موقع الإقليم. وبلاد كرمان دار ملك جليل وأعمال، ورزقها جزيل، وتنسب إليها الوخامة، وهي من أبواب الهند.
وتتصل ببلاد فارس وكرمان من جانب المفازة العظمى التي ليس في معمور الأرض مثلها، وهي من أقل المفاوز سكانا، لأن مفاوز البادية فيها أحياء العرب والمراعي، وليس في هذه المفازة غير أعلام الطريق وما يعرض من أطراف طرقها من المنازل والرباطات الموقوفة على سابلة الطريق، وهي أكثر المفاوز لصوصا وفسادا لأنها ليست في حيز إقليم بعينه فيكون دركها على أهل ذلك الإقليم، لأنها مبعّضة، فبعضها من خراسان، وبعضها من سجستان، وبعضها من كرمان، وبعضها من فارس وأصبهان والري، وبعضها من قم وقاشان، فيقطع قاطع الطريق في عمل ثم يخله ويروح على العمل الآخر فلا يقدر عليه. وهذه المفازة لا تسلك بالخيل، وإنما تقطع بالإبل المحفة على طريق معلومة ومياه معلومة من جاوزها هلك، والقطّاع تأوي إلى جبل اسمه كركس، ليس بالكبير ولا بالطويل، [ولكنّه] منقطع عن الجبال والمفازة محيطة به، وبالجبل ماء يسمى آب ينده،
وهو جبل موحش لا يكاد يظهر من توارى فيه، وليس في هذه المفازة قرية ولا مدينة سوى سبيج، وهي من عمل كرمان في المفازة على طريق سجستان، وفي المفازة على طريق أصبهان موضع يعرف بالجرمق وهو ثلاث قرى، ويحيط بها المفازة.
الطريق المعروفة من هذه المفازة طريق أصفهان إلى الري وهو أقربها، فمن الري إلى دزة - مدينة فيها منبر ولها ماء جار في نهر صغير - مرحلة، وليس من الري إليها عمارة غير مقدار فرسخين [في وسط الطريق]، ومن دزة إلى دير الجص مرحلة، وبين دزة ودير الجص رباط من جص، وآخر يسكنه بذرقة السلطان وهو منزل ليس به زرع ولا شجر وفيه بئر مالحة الماء غير شروب، وماؤهم من المطر يدخر في مآجين خارجة من هذا الدير، والمفازة تحيط به. ومن دير الجص إلى كاج مرحلة، وكاج كانت قرية فخربت، وماؤها من الأمطار في مأجن، وآبارها مالحة. ومن كاج إلى قم مرحلة، ومن قم إلى قرية المجوس - وبها مجوس يسكنونها ولا يخالطهم غيرهم - مرحلة، ومنها إلى قاشان مرحلة في عمارة على جنب المفازة، ومن قاشان إلى حصن يعرف بدزة مرحلتان، وهو حصن لأهله به زرع، ومن دزة إلى رباط علي بن رستم مرحلة كبيرة، وبه ماء جار من قرية بالقرب منه إلى حوض في الرباط، ومن هذا الرباط إلى دانجي مرحلة، ومن دانجي وهي قرية عامرة إلى أصفهان مرحلة خفيفة.
الطريق من نائين إلى خراسان: ونائين من ناحية فارس، فمن نائين إلى مزرعة في المفازة مرحلة، ومنها إلى جرمق أربع مراحل، وفي الطريق على كل فرسخين وثلاثة مصنع أو بركة ماء، وجرمق هذه تعرف بسهده، يعني ثلاث قرى، وتعد هذه القرية من خراسان، وبها نخيل وزروع ومواش كثيرة، وفي الثلاث قرى نحو ألف رجل، وكلها قرية واحدة في رأي العين. ومنها إلى نوجاي في كل ثلاثة فراسخ أو أربعة جنبذة وبركة ماء، ومن الرباط إلى قرية تسمى اتشكهان مرحلة خفيفة، ومن اتشكهان إلى طبس مرحلة، ومن أراد من نوجاي إلى دسكران مرحلة ومن دسكران [إلى بن مرحلة كبيرة، ومن بن إلى] ترشيز مرحلتان، ومن ترشيز إلى نيسابور خمس مراحل.
وطريق من يزد [وشور] ونائين يجتمع بكرى، وهي قرية فيها نحو
ألف رجل ولها رستاق كبير. وطريق زاور وهي قرية من ناحية كرمان عامرة عليها حصنان، وبها ماء جار، فمنها إلى مكان يدعى در كوجرى - وفيه ماء عين ضعيف المسيل - مرحلة، ومنه إلى شور دوازدة مرحلة، وهناك رباط قد خرب فيه نخيل ليس به أحد، وهو مكان مخوف قلما يخلوا من الحرامية، ومنه إلى دير بردان وهناك آبار، وهو صحراء لا بناء فيه، مرحلة، ومنه إلى منزل فيه حوض يجتمع فيه ماء المطر مرحلة، ومنه إلى نابند، وهو رباط وبه ماء يجري وزرع ونخيل ورحى صغيرة على الماء، مرحلة، ويسار من نابند مرحلتان إلى مكان يسمى ترشك، وبين كل فرسخين وثلاثة قباب وحياض وليس بها أحد، ومن ترشك إلى خور، مرحلة، ومنها إلى خوسب مرحلتان، ومنها إلى كرى ثلاث مراحل.
والطريق من خبيص وهي من حدود كرمان على شفير المفازة وبها
نخيل كثيرة، وهي مدينة خصيبة رخيصة الأسعار على مر الأوقات، وماؤها جار إلى مكان يعرف بالدروازق مرحلة، وفيه أبنية ما مد البصر متهدمة وبها تلال عظام تدل على أبنية كانت شاهقة فتكافأ بعضها على بعض، ومنه إلى مكان يسمى شور روذ مرحلة، ومنه إلى بارسك - جبل صغيرة - مرحلة، ومنه إلى مكان يدعى نيمة مرحلة، ومنه إلى مكان يعرف بالحوض، وفيه حوض يجتمع فيه ماء المطر، [ومنه إلى رأس الماء مرحلتان، وفيه عين ماء يجتمع في حوض] يسقي زرعا في رأس الماء، ومن رأس الماء إلى كوكور قرية [على] رأس المفازة وهي من حد قوهستان، مرحلة، ومن كوكور إلى خوسب مرحلتان، وفي مفازة خبيص على فرسخين من رأس الماء مما يلي خراسان حجارة سود صغار نحو أربع فراسخ، ومن بارسك إلى قبر الخارجي حصى صغار بعضها في لون الكافور بياضا وبعضها أخضر في لون الزجاج. وفي مفازة شور التي بين شور وبيرة على يمين الذاهب إلى كرمان من خراسان على نحو فرسخين منها صور [أنواع] الفاكهة من اللوز والتفاح والكمثرى ونحوها من حجارة، وفيها صور تقارب صور الناس والأشجار وغير ذلك من حجارة.
وطرق هذه المفازة على الترصيف: فمن أصبهان إلى الري طريق، ثم يليه طريق أردستان إلى الطبسين، وفيه طريق قومس من أردستان يعدل نصف
طريق الطبسين إلى الدامغان، ويليه طريق نائين إلى الطبسين إلى خراسان، ويليه طريق يزد إلى خراسان، ثم يلي ذلك طريق خبيص، ثم يلي ذلك طريق سجستان إلى كرمان. وقد استوفينا ذكر هذه المفازة وطرقها لعظيم الاحتياج إلى معرفة ذلك. وهذه صورة المفازة: [انظر الصورة في الصفحة التالية].
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع