من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل السادس عشر في مملكة أزمناك
الصفحة ٢ من ٢
في بلاد الروم، فافتتح ماجده ولقيه خيول بقطياقوس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد، فأرجل يزيد ثم سقط بقطيا، فضربه يزيد حتى أثخنه، وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكره، وسار هارون الرشيد بمن معه في مائة ألف ألف دينار وثلاثة وسبعين ألف ألف وأربعمائة وخمسين دينارا ومن الورق مائة ألف ألف وإحدى وعشرين ألف ألف وأربعة عشر ألف وثمانمائة درهم، وسار هارون الرشيد حتى قطع خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ عسطه امرأة النون وذلك أن ابنها كان صغيرا، قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينها وبين الرشيد السفراء في طلب الصلح والموادعة، وإعطاء الفدية فقبل ذلك منها هارون الرشيد، وشرط عليها الوفاء بما أعطت، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه، وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا تخوفا على المسلمين.
قال أبو جعفر الطبري [¬]: وسار هارون في خمسة وتسعين ألف وسبعمائة وثلاثة وسبعين رجلا من المرتزقة سوى المطوعة ثم ذكر مثل هذا، وقال: إنه جرت بينها وبين هارون الرسل والسفراء في طلب الصلح فشرط عليها الوفاء وأن تقيم له الأولاد والأسواق في طريقه فأجابته، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها سبعون ألف دينار تؤديها في نيسان [¬] الأول (المخطوط ص) في كل سنة، مثله في حزيران [¬]، وقيل ذلك منها، وأقامت الأسواق في منصرفه، ووجهت معه رسلا إلى المهدي بما بعثت له وربما بذلت على أن تؤدي ما يتيسر من الذهب والفضة والعرض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وكان الذي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعون رأس، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألف وقتل في الأساري صبرا ألفان وتسعون
أسيرا، وبيع البرذون بدرهم، والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم، وعشرون سيفا بدرهم.
فقال مروان بن أبي حفص يمدح الرشيد [¬].
«لطفت بقسطنطينية الروم مسندا إليها القنا حتى أكتسى الذل سورها».
«ومارمتها حتى أتتك ملوكها بجزيتها والحرب تغلى قدورها».
«وجزت إليهم مالح البحر لم تنل به ووفود الموج دان سيرها».
«وأخرجت منها من خزائن قيصر ألوف قناطير عظيم يسيرها».
«فبورك هارون الندى ابن محمد ودام على الأعداء منه منيرها».
«لقد جرد المهدي منه مهندا يعض به يوم اللقاء صدورها».
«على سمته سرا ينوه لائح من وجهه الوضاح أشرق نورها».
«لقد أصلح الرحمن أمة أحمد لمسعاهما حتى استقامت أمورها».
«أيمتد عدل حيث حلت بلادها وكل سرير للملوك سريرها».
وقد ذكر الطبري هذه الواقعة في أحداث هذه السنة بهذه المقاصد، وقد الحقت هذه الفصل بشيء مما ذكره الحافظ أبو القسم ابن عساكر [¬] في تاريخه [¬] في ترجمة أبي محمد البطال [¬].
قال عبد الله بن يحيى الأنطاكي [¬]، كان ينزل انطاكية قال: وكان ممن خرج
مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان إلى بلاد الروم، قال: لما أراد عبد الملك أنه يوجه مسلمة إلى بلاد الروم، قال: قد أمرّت (المخطوط ص) عليكم مسلمة بن عبد الملك، قال: وولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وأمره، فليعس بالليل العسكر، فإنه ثقة أمين شجاع مقدام، فخرج مسلمة، وخرج عبد الملك يشيعه إلى باب دمشق.
وذكر الحافظ [¬] بسنده عن الوليد بن مسلمة، قال: حدثني بعض شيوخنا أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطّال على عشرة آلاف من المسلمين، فجعلهم سيادة ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم، ومن يتخوفون اعتراضه في نشر المسلمين وعلاقاتهم، ويخرج المسلمون يتعلقون فيما بينهم وبين العسكر، فيصيبون ويخطئون فيأمن بهم العسكر [¬].
وقال الوليد بن مسلم: حدثني أبو مروان الأنطاكي عن البطال أنه قال: سألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمري فيهم، فقلت، خرجت في سرية ليلا، وخرجنا إلى قرية، وقلت لأصحابي: أرخوا لجم خيولكم، ولا تحركوا أحدا بقتل ولا سبى حتى تشحنوا [¬] [¬] القرية، فإنهم في نومة، قال: ففعلوا، وتفرقوا في أزقتها، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وامرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول، لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطّال ثم انتشلته من سريره، فقالت: امسك يا بطال، فأخذته.
وقال الوليد حدثني أبو مروان أنه سمعه يحدث، قال: خرجت ذات يوم متوحدا على فرسي لأصيب غفلة مسمطا مخلاة فيها عليق فرسي، ومسربل فيه خبر وشواء، فبينما أنا أسير إذ مررت ببستان فيه بقل طيب فنزلت، فعلقت على
فرسي، وأصبت من ذلك الشواء يتصل البستان، إذ أسهلني بطني، فاختلفت متواريا، فأشفقت من دوامه، وضعفي عن الركوب، فبادرت، فركبت، ولزمت طريقا، واستفرغني على سرجي كراهية أن أنزل، وضعفت عن الركوب حتى لزمت عتق فرسي، خوفا أن أسقط عنه وذهب لي لا أدري أين يذهب لي، إذ سمعت وقع حوافره على بلاط، ففتحت (المخطوط ص عيني فإذا دير فوقف بي في وسط الدير، وإذا نسوة يتطلعن من أبواب الدير.
فلما رأين حالي وضعفي عن النزول [¬]، فأتتني جارية صاحية منهن حتى وقفت عليّ، ونظرت في وجهي، ورطنت لهن، فنزعن ثيابي وغسلن ما بي، ودعت بثياب فالبستنيها، وترياق أو دواء فشربته، ثم أمرت بي، فجعلت على سرير لها ودثار، وأمرت بطعام تهئ لي فأتت به وأقمت يومي وتلك الليلة لا أدري ما أنا فيه، ومكثت يومين وليلتين حتى ذهب عني السبات، وأنا ضعيف عن الركوب.
فلما كان اليوم الثالث [¬] جاءها من يخبرها أن فلانا البطريق قد أقبل في موكبه.
فأمرت نفرسي فغيب، وأغلق عليّ باب بيتي الذي أنا فيه، ثم أنزلت البطريق وأصحابه، وكان قد جاء خاطبا لها، فبينما هو على ذلك، إذ جاءه من يخبره عن موضع فرسي، وإغلاقهم عليّ فهم أن يهجم عليّ، فأقسمت إن هو تعرضني، لأنال حاجته، فأمسك وأقام قائلة ذلك اليوم، ثم تزوج، وخرجت فدعوت بفرسي فخرجت إليّ، فقالت [¬]:
إني لا آمن أن يكمن لك، دعه يذهب، فأبيت عليها، وركبت فقفوت أثره
حتى لحقته وشددت عليه، فانفرج عنه أصحابه فقتلته وطلبت أصحابه فهربوا عني، وأخذت فرسه وسمطت رأسه، ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس، ودعوتها ومن معها من نسائها وخدمها.
فوقفت بين يدي، وأمرتها بالرحلة، ومن معها على دواب الدير وسرت بهن إلى العسكر، حتى دفعت بهن إلى العسكر حتى دفعت بهن إلى الوالي فجعل نفلي منهن، فتنفلت المرأة بعينها، وسلمت سائر الغنيمة في المقسم واتخذتها أم أبني.
قال: أبو مروان، وكان أبوها بطريقا من بطارقة الروم له شرف يهاديه ويكارمه ويكاتبه.
وقال الوليد: سمعت عبد الله بن راشد الخزاعي يخبر عمن سمعه من البطال:
يخبر أن هشاما أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد (المخطوط ص) استعمله على ثغر المصيصة وما يليها، وأنه ران عليه خبر الروم، فوجه سرية لتأتيه بالخبر، فتوجهوا واجلتهم أجلا، فاستوعبوا الأجل.
قال: فأشفقت من مصيبتهم، ولائمة الخليفة، فخرجت متوحدا حتى أوغلت في الناحية التي أمرتهم بها، فلم أجدلهم خبرا، فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل الناحية الأخرى، فتوجهوا إليها، وكرهت أن أرجع لهم، ولم استنقذهم مما هم فيه، إن كان عدوا يكاثرهم، وأعرف من خبرهم ما أسكن إليه، فلم أجد أحدا يخبرني بشيء، فمضيت حتى أقف على باب عمورية فضربت بابها، وقلت للبواب أفتح لفلان سياف الملك ورسوله، وكنت أشبه به [¬].
فأعلم ذلك صاحب عمورية، فأمره بفتح الباب ففعل وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها، وقفت وأمرت من يشتد إلى بيت يدي إلى باب بطريقها ففعل، ووافيت باب البطريق قد فتح، وجلس لي ونزلت عن فرسي، وأنا متلثم بعمامتي فأذن لي،
ومضيت حتى جلست إلى جانبه فرحب بي فقلت له: أخرج من هنا لكلام حملت إليك، فأخرجهم وغلق الباب، وعاد إلى مجلسه، فاخترطت سيفي وضربت على رأسه، ثم قلت له: قد وقعت بهذا الموضع، فأعطني عهدا حتى أكلمك بما أريد، ثم أرجع من حيث جئت، ولا يتبعني منك خلاف، ففعل.
فقلت: أنا البطال، فأصدقني عما أسألك عنه، وأنصحني وإلا أتيت عليك [¬].
فقال: سل عما بدا لك، فقلت: السرية.
فقال: نعم وافت البلاد غارة لا تدفع أهلها يد لامس، فوغلوا في هذه البلاد، وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني، إنهم بوادي كذا، فغمدت سيفي.
وقلت: أدع لي بطعام فدعا، فأصبت منه، ثم قمت فقال لمن حوله: كونوا معه حتى يخرج، ففعلوا ثم قصدت السرية حتى أتيتها وخرجت بها، وبما غنمت فهذا من أعجب ما كان مني [¬].
ثم قتل ﵀ شهيدا في غزاة غزاها، وقتل معه خلق كثير من المسلمين وفيها يقول الشاعر:
(المخطوط ص)
ألم يبلغك من أنباء جيشباقرن غودروا جثثا رماما
تقودهم حتوف لم يطيقوالها دفعا هناك ولا خصاما
معارك لم تقم فيها بشجونوائح يلتزمن به التزاما
ولم تهمل على البطّال عينهناك بعبرة تشفى الهياما
عشية باشر الأهوال صبرابخيل تخرق الجيش اللّهاما
إذا ما خيله حملت عليهمتداعوا من مخافته اهتزاما [¬]
فلا تبعد هنالك من شهيدفإنك كنت للهيجا حساما [¬]
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع