من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ذكر دمشق وبنائها
روى عن كعب الأحبار قال: (أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران [¬] ودمشق ثم بابل، وفي رواية أخرى أن نوحا لما نزل من الجبل، أشرف فرأى تل حران بين نهري جلاب وريصان فأتاه فبنى حائط حران، ثم سار فبنى حائط دمشق ثم رجع إلى بابل فبناها).
وفي رواية أخرى أن جيرون بن سعد بن عاد بن عوض نزل دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون، وهي ارم ذات العماد [¬] وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق [¬].
قال الحافظ [¬]: وجدت في بعض الكتب أن جيرون وبريد كانا أخوين، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف جيرون وباب البريد بدمشق بهما.
وفي رواية عن وهب بن منبه قال: ودمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل ﵇، وكان حبشيا (المخطوط ص) وهبه له نمرود بن كنعنان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، وكان متصرفا في جميع مال إبراهيم [¬].
وروى الحافظ [¬] إنه وجد في كتاب أبي عبيدة بن المثنى المسمى بفضائل الفرس [¬] أن بنو آراسب الملك الكبراني بنى مدينة بابل، ومدينة صور ومدينة دمشق.
قال الحافظ [¬]: وبلغني من وجه آخر أنه لما رجع ذو القرنين من الشرق، وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسائر بريد المغرب، فلما بلغ الشام، وصعد على عقبه. دمر حتى عبر هذا الموضع الذي فيه اليوم مدينة دمشق، وكان هذا الوادي الذي فيه نهر دمشق غيضه أرز، قيل أن الأرزة وجدت في سنة ثلاث عشر وثلاثمائة من بقايا تلك الغيضة، فلما نظر ذو القرنين لماء تلك الغيطة وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق مجتمعا في واد واحد فأخذ ذو القرنين يفكر كيف يبنى فيه مدينة، وكان أكثر فكره فيه وتعجبه منه أنه نظر إلى جبل يدور ذلك الموضع وبالغيضة كلها، وكان له غلام يقال له دمشقش [¬] على جميع ملكه، وما نزل ذو القرنين من عقبة ومر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة ببلدا من دمشق على ثلاثة أميال، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفيرة، ففعلوا ذلك، ثم أمر برد التراب الذي أخرج منها، فلما رد التراب لم تمتلأ [¬] الحفيرة، فقال لغلامه دمشقش ارحل فإني كنت
نويت أن أؤسس في هذا الموضع مدينة فلما إذ بان لي هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة، فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها، قال: ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنية وحوران أشرف على تلك السعة، ونظر إلى تلك التربة الحمراء، فأمر أن يناول من ذلك التراب، فلما صار في يده، أعجبه، لأنه نظر إلى تربة كأنها الزعفران، فنزل هناك، وأمر أن تحفر حفرة فحفرت، وأمر برد التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه [¬]، وفضل منه تراب كثير، فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش: ارجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز فأقطع ذلك الشجر وابن على حافة الوادي (المخطوط ص) مدينة وسمها على اسمك، فهنا يصلح أن يكون مدينة، وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميزتها [¬].
قال الحافظ [¬]: وعلامة صحة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلاتهم حتى يتكفوا من البثنية وحوران، فرجع دمشقش، وبنى المدينة، وعمل لها حصنا، وهي المدينة الداخلة وعمل لها أربعة أبواب جيرون مع باب البريد مع باب الحديد في سوق الأساكفة مع باب الفراديس الداخلة، هذه كانت المدينة إذا غلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة، وخارج هذه الأبواب كان مرعى، فبناها دمشقش، وسكنها ومات فيها، وكان قد بنى الموضع الذي هو الآن مسجدها الجامع كنيسة يعبد الله فيها إلى أن مات [¬].
وروى أن باني دمشق بناها على الكواكب السبعة، وأن المشتري كان طالع بنائها، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على كل باب أحد الكواكب السبعة،
وصور على كل باب كيسان صورة زحل، فخربت الصور التي على الأبواب كلها إلا باب كيسان فإن صورة زحل باقية إلى الآن.
وروى الحافظ عن أبي القسم تمام بن محمد قال: قرأت في كتاب عتيق باب كيسان لزحل، باب شرقي للشمس، باب توما للزهرة، باب الصغير للمشتري، باب الجابية للمريخ، باب الفراديس لعطارد، باب الفراديس الآخر المسدود للقمر [¬].
وروى الحافظ عن أبي مسهر قال: إن ملك دمشق بنى حصن دمشق الذي حول المسجد داخل المدينة على مساحة بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب مسجد بيت المقدس.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع