تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الثاني عشر في مملكة إفريقيّة

الصفحة ٢ من ٢

وذكر في ترجمة ولده أبي زكريا بن عبد الواحد أنّه يلبس الثياب الصوف الرفيعة ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختّم الممتزج من الحرير والصوف، وكمّاه طويلان من غير كثرة طول، ضيّقان من غير أن [يكونا مزنّرين]، وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب، فإنّه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان من صوف في غاية اللّطافة كأنّه شرب يتردى به، ولا يضعه على رأسه، وله عمامة كبيرة من صوف أو كتان، وفيها طراز من حرير، ولا يعمم أحد من أهل دولته على قدرها في الكبر، قد اختصت <به> وبأقاربه، وليس له أخفاف في الحاضرة ولكنّه يلبسها في السّفر، وله عذبة خلف أذنه اليسرى، وهذه العذبة مخصوصة به وبأقاربه، وجنده مختلفو الأجناس، فمنه الموحّدون الذين أسّسوا له دولة يعني من أصحاب مهديّهم ابن تومرت، قال:

ومن قبائل زناتة المنضافين إليهم أصناف مشهورون بالفروسية وجموع من الغزّ.

القدماء الذين هاجروا إلى المغرب في مدة بني عبد المؤمن، ونحو ألف فارس من المماليك الترك ابتيعوا له من مصر، وجميع الجموع من الأندلس والغرب.

وقاعدته في مدينة مملكته يعني تونس أنه يخرج با <كر> كلّ يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادما صغيرا يستدعي وزير الجند من موضعه المعين له فيدخل عليه رافعا صوته ب "سلام عليكم" من بعد من غير أن يومئ برأسه، ولا يقوم له السلطان، ويجلس بين يديه، ويسأله السلطان عما يتعلق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريد من أشياخ الجند أو العرب، أو من له تعلق بوزير الجند، ثم يأمر باستدعاء وزير المال وهو المعروف بصاحب الأشغال فيأتي معه ويسلمان جميعا من بعد على السلطان، وإن كان قد تقدم سلام وزير الجند ولكنّه عادة الدخول إليه، فيتقدم وزير المال إلى بين [يديّ] السلطان، ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال، ويستدعي من يتعلق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص، ويستدعي وزير الفضل يعني كاتب السرّ، ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد وعما تحتاج إليه خزانة الكتب، وعما تجدّد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة، ويأمره باستدعاء من يخصّه من الكتاب ويملي عليهم وزير الفضل ما أمر بكتابته ويعلّم عليه وزير الفضل بخطّه، والعلامة هي أن يكتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على نبيّه محمد وآله اسم السلطان. وفي ذلك المجلس يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة، وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتب في معنى استجدّ أمر السلطان بقراءتها عليه إن لم يأمر بحضور الشاعر، وينشدها قائما أو قاعدا على ما يؤهل له، ويتكلم السلطان مع وزير الفضل ومن يحضر في ذلك، ويوقع على كلّ قصيدة بما يراه.

قال ابن سعيد:

وقواعد الشعراء أن ينشدوا بين يديه في الأعياد والخروج إلى الأسفار أو القدوم منها.

قلت: ومواضع مما ذكره ابن سعيد قد تقدم شيء منه، وإنما ذكرناه هنا لاتصاله شيئا بشيء، وليؤكد بعضه بعضا، وليعلم في بعض ما بينهما مقدار التّفاوت مما تغيّر مع قرب الزمان واقتفاء الولد لآثار الوالد، وكيف يكون مقدار التفاوت فيما يغيّر بدخول دول الأعداء بعد الأعداء وبعد الزمان.

قلت: وهؤلاء ملوك الموحدين لم يزالوا منذ ملكوا ممد <و> حين تصغي إلى المديح مسامعهم، وتهتزّ به أنديتهم ومجامعهم، ومنهم من له النظم الفائق والنثر الفائت، ولأهل إفريقيّة لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة وسائر بلاد المغرب، وما ذاك إلا بمجاورتهم لمصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم لهم ولمن سكنها من أهل إشبيلية، وهم من هم خفة روح وحلاوة نادرة، وهم على كلّ حال أهل انطباع وكرم طباع، وسأذكر لهم عنوان قولهم.

وأما اتصال الأخبار بين السلطان ونوابه، فإنّه إذا كتب الكتاب يجهّز مع من يقع الاختيار على تجهيزه من نوع النقباء أو الوصفان، وهم عبيد السلطان، ويركب ذلك المجهّز على بغل إما أن يكون ملكا له، أو يستعيره من أصحابه، ويسافر عليه إلى الجهة المجهّز إليها، فإذا أعيا بغله في مكان تركه عند الوالي بذلك المكان، وأخذ منه بغلا عوضه يعيره الوالي له، أو يسخره من الرعايا لركوبه إلى أن يبلغ جهة قصده إلى أن يعود، ووالي المدينة هو المسمى عندهم بالحافظ والمحتسب بها، فإذا تجدّد عندهم أمر أعلموا به وزير الجند.

ومن عجائب إفريقيّة ما حدّثني به القاضي أبو الروح عيسى الزواويّ وأبو عبد الله السّلالجيّ [قالا]:

إن بين توزر قاعدة بلاد الجريد وبين بشترى من بلاد نفزاوة سبخة عظيمة آخذة في الجنوب إلى الصحراء المجهولة المسالك، <و> في وسط هذه السّبخة مع طرفها الشّمالي طريق سالكة للمارة يسلكها من يطلب السرعة لقريب مداها مع المخاطرة في سلوكها، لأنها طريق قليلة العرض، ضربها الله طريقا يبسا في وسط تلك السّبخة، من خرجت رجله عنها ولو قيد شبر واحد نزلت به قدمه، وهوى في تلك السّبخة وغاص فيها إلى أن يذهب، فلا يبين له أثر، ولا يعرف له خبر، ورفيقه إلى جانبه يراه وهو نازل ولا يقدر <أن> ينفعه بشيء، ولا <أن> يمدّ يده إليه خوفا أن يغوص معه، وهي مهلك عظيم، سباخ من ملح لا ماء [فيها] كم خرج فيها عن تلك الجادة إنسان وفرس وجمل فهلك. قالا:

وعلى جنبتي هذه الطريق أعلام منصوبة من الخشب يمنة ويسرة، والطريق بينهما، ولولاها لهلكت المارة من الجهال بها.

قال السّلالجيّ:

وسمعت أنّ هذه الأعلام نصبها هناك أبو إبراهيم إسحاق بن غانية الميورقيّ الثائر على

الموحّدين بإفريقيّة.

وقال لي الزواويّ:

وفي هذه الطريق ضرر آخر على السفّار، وهو أنّه أيّ من وضع إناء ماء حلو على الأرض صار مرا زعاقا لوقته وساعته، و [إذا] احتاج المسافر في ذلك الطريق أن يضع إناءه يعمل تحته شيئا يحول بينه وبين الأرض، قال: وطول هذه المسافة أكثر من نصف نهار، مقداره من الطريق الأخرى السالكة في العمران يوم وليلة، قال الزواويّ:

وفي وسط هذه الطريق الآخذه في السّبخة فرجة يستريح فيها بالقعود السفّار، قال: وأنا سلكتها، ورأيت هذا كلّه بالمشاهدة والعيان.

قال السّلالجيّ:

نحن جئنا إلى أطراف هذه السّبخة، ولم ندخلها خوفا منها.

قال الزواويّ:

والمشهور بين أهل تلك البلاد كلّها أنّ الصحراء التي في جنوب هذه السّبخة ما سلكت ولا تسلك، ولا يقدر أحد على سلوكها.

وحكى لي السّلالجيّ أنّ أهل الجريد يتحدثون فيما بينهم أن رفقة كبيرة وقع أهلها في هذه السّبخة فلم يطلع أحد منهم، ولا عاد منهم ولا عنهم مخبر.

قال أبو عبد الله السلالجيّ:

ووقفت في تونس على شرح القصيدة الشّقراطسية الشهيرة البديعة وتخميسها،

وشارحها القاضي الإمام أبو عبد الله محمد بن عليّ التوزريّ المصريّ، ورأيته قد تكلم في أوائلها عند ذكر ناظم هذه القصيدة، وتعرضه لموطنه ومسقط رأسه وهي شقراطس، وهي - غالب ظني على ما ذكر - من إقليم الجريد، ثم آخر كلامه إلى ذكر توزر، ومدحها وأثنى عليها، وذكر هذه السّبخة والصحراء التي تليها، وقال: إنّ مدينة النحاس بها مما يلي هذه السّبخة.

قال السلالجيّ: وقفت على أول مجلدة من هذا الشرح، وهو يكون في أربع مجلدات كبار بمدينة تونس استعرته من بعض فضلاء أهل توزر لمطالعته، وشارح هذه القصيدة ناقل الحكاية أيضا، وهو مشهور ثقة مأمون معروف من أهل العلم المشاركين في كلّ علم، وله تصانيف كثيرة في الفقه والأدب.

قلت: وهذه القصيدة الشّقراطسيّة في المديح الشريف النبويّ زاده الله شرفا، وأولها:

<البسيط>

الحمد لله منا باعث الرسلهدى بأحمد منا أحمد السّبل
للشاعر عبد الله الشقراطسي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.