تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الثالث عشر في مملكة برّ العدوة

الصفحة ١ من ٢

<في مملكة برّ العدوة > هو الآن مجموع لسلطان واحد، وفيه ثلاث ممالك: فاس وهي أعظمها، ومملكة تلمسان، ومملكة سبتة مع ما أضيف إليه من بلاد الأندلس على ما يأتي ذكره.

وبلاد برّ العدوة بلاد خصيبة ذات زرع وضرع وفواكه.

قال ابن سعيد:

وبرّ العدوة في الثالث والرابع، ثم قال: والإقليم الثالث صاحب سفك الدماء والحسد والحقد والغل وما يتبع ذلك، ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثر فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر ولا سيما في جهة سوس

وجبال درن فما قتل الإنسان عندهم إلا كعصفور، وكم قتل قتيل على كلمة، وبالقتل يفتخرون، ثم قال ابن سعيد:

وأنا أقول: إنّ الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التقاضي، والتهور، والمفاتنة، وليس البخل إلاّ في أراذلهم، وفي كثير من أغنيائهم سماحة مفرطة ومفاخرة بإطعام الطعام، والاعتناء بالمؤمّل والقاصد، ولكنّ الأوقاف عندهم على عظمة سلطنة بني عبد المؤمن والمرابطين قبلهم قليلة: لا يقولون بها، ولا يرون الصّدقة على صحيح سويّ ولا بنيان المدارس، وقد بنى المتأخرون بها ما قلّ.

قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ: إن بمدينة فاس أربع مدارس وخانقاه واحدة.

قلت: وكان الأليق بهمة أهل تلك الممالك مع أصالتهم في الدين وتمسكهم بسببه

المتين لو عمروا المدارس لينتشر العلم، ويتوفر الطالب على النفقة ولا تنقسم أفكاره، وتتشعب في طلب المعاش والاكتساب فيقلّ تحصيلهم. وأقول: فالأمر على ما ذكره ابن سعيد الآن في قلة الأوقاف والمدارس عندهم، وفي جمهورهم البخل وسوء الخلق، إلا الرؤساء، فإنّ الرئيس في كل أفق مطبوع على الرئاسة أو منطبع بها، له أتباع يحتاج <أن> يبسط لهم خلقه ويده، وأن لا يتجنبه من لا يعرفه، وينفر عنه من يعرفه.

وقال ابن سعيد:

والمغرب قليل الصواعق والزلازل.

قلت: ومكان السلطان من برّ العدوة هو بفاس الجديدة المسماة بالبيضاء في دار لا يختصّ فيها بزيادة رفعة على نشز ولا ربوة، وتسمى القصر، وهو عالي البناء ذو قباب علية ضخمة لائقة بالملوك، وغرف مرتفعة ورفارف علوية، ومجالس سلطانيّة، وبداخلة القبة المعروفة بقبة الرّضا، وهي قبة عظيمة الارتفاع خارقة الاتّساع، وقدّامها بركة ممتدة بها مركب لاتساعها وكبرها، وخلفها بركة أخرى مثلها، بها مركب آخر لاتساعها وكبرها، ومساحة البركتين واحدة، والقبة العظمى بينهما، وفي نهاية كلّ بركة قبة لطيفة المقدار، وفي جميع جدر القباب شبابيك مطلة، والبستان حافّ [بالجميع]، وهو بستان جليل منوّع بصفوف الأشجار والغراس على اختلافها، ويجري الماء إلى قصر السلطان

من مكان يعرف بأساليس على بعد نصف نهار أو أقلّ مرفوعا في قناة على قناطر مبنية إليها، وإصطبلاته إلى جوانب قصره لا يسكن معه في قصوره إلا حريمه وفتيانه وهم الخدم الخصيان، ويبيت حوله في ظاهر قصره طائفة من الفرنج، وأناس يعرفون بالعدويين بمنزلة النّقباء، ووصفان السلطان و [البوابون] ولا ينازله في قصره أحد من الأشياخ ولا الجند ولا الغرباء، ومرجع ملوك بني مرين سلاطين برّ العدوة في زناتة، وكذلك مرجع بني عبد الواد سلاطين تلمسان.

فأما بنو مرين فملوكهم في بني عبد الحقّ، ومن قبائلهم: بنو عسكر وبنو وطّاس، وبنو اتكاسن، وبنو بايان، وبنو اتنالفت وبنو بزنت، وبنو برلبان، وأما أتباعهم فهم الحسم وبنو فودود مع ما ينضاف إلى هؤلاء من الأفراد والأنجاد ممن له فروسية وشجاعة وهم كثير جدا فيدخلون في سلك وصفان السلطان أو وصفان أشياخ هذه القبائل المذكورة، وهم بنو مرين غير هؤلاء الأفراد.

والذين كانوا مع بني عبد الواد مغراوة وهم أفخاذ كثيرة، وبنو راشد، وبنو توجين، وبنو مليكس، وبنو سدويكش، ومن بني توجين بنو عبد القويّ، ومن بني عبد القويّ من كان قد تغلب وملك حتى قهرهم بنو عبد الواد وملكوا عليهم، واتخذوهم أعوانا، وقد صار الكلّ لهذا السلطان جندا مع من كان معه من قبائله، ومن جملة عساكره

قبائل من العرب كثيرة، منهم بنو حسان، والعاصم، وبنو جابر، والحلوط، ورياح، وسويد، والشّبانات، وبنو عامر، وبنو سالم، وغيرهم، وله في عسكره من الغزّ مقدار ألف وخمس مئة فارس، ومن الفرنج مقدار أربعة آلاف فارس أو أزيد، وهم يركبون خاصة خلف ظهره، وله علوج مماليكه مسلمون مقدار خمس مئة فارس فرسان رماة، ومن الجند رماة وهم الأندلسيون يرمون بقوس الرّجل أزيد من ألفي فارس، وطائفة كبيرة يقال لهم الوصفان خاصّون بالسلطان، يسكنون حواليه، وينزلون في السفر إلى جوانب محلته دائرين في جملة نواحيه يقال لهم أهل الدوّار، وكلّ جيوشه فرسان أبطال نقاوة لا يطاق هياج أسدهم ومصالتة سيوفهم.

قال لي أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواويّ: إن بعض أبطال الغرب قال: إنه إذا كان منّا مئة ولاقاهم زناتي واحد هربوا قدّامه ولم يتجاسروا على إقدامه ولا ملاقاته.

وقال لي: إذا جاء الزناتيّ مغيرا فلا يعتقد أنّ أحدا يهجم عليه، وأما إذا طمع وأخذ الأخيذة وولى فربما ينال منه غرض.

وقال شيخنا حجّة الأدب ولسان العرب أثير الدين أبو حيّان: إنّ بني مرين يعدّ

منهم كلّ فارس شجاع مثل عنترة وأمثاله.

قال لي السّلالجيّ:

مثل أولاد إدريس عامر وحسين ومحمد ومثل ريان بن أبي يعلى وعامر بن عبد الله وعبد الحقّ بن كندوز وعبد الحقّ بن عثمان وأبي رزين ثابت ابن أخيه [وهما] اللذان قتلا مع أبي تاشفين عبد الرحمن العبد الوادي حين دخلت عليه تلمسان، ومثل عثمان بن أبي العلاء وأولاده وبني عمّه أولاد سوط النساء، وسيف المغراوي الباقي في قيد الحياة الآن وغيرهم من المشاهير، قال: ويقال إنّ كلّ واحد من هؤلاء يعدّ بخمس مئة فارس، وقد صوّرهم الفرنج عندهم في كنائسهم لعظم ما لاقوا بهم.

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيليّ:

إنّ أبا يعقوب أراد إنهاد ألف فارس لجهة من جهة أعدائه فعيّنت خمس مئة فارس فقيل له: وأين تكملة الألف، فقال: يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحقّ يقوم مقام الخمس مئة الأخرى، فكان كذلك، قال، ولقد خالف هذا يوسف بن محمد على أبي ثابت بمراكش، وخرج في نحو أحد عشر فارسا، ثم حمل بمفرده على سبع مئة فارس من العساكر ففرقها، قال:

ومن هؤلاء يعيش بن يعقوب بن عبد الحقّ تعرض له مرة نحو خمس مئة فارس، وهو مرتحل بأهله وعياله من بلاد [هسكورة] إلى مراكش، فلما رأى عياله حداق الفرسان دهشوا فقال لهم: ما عليكم سيروا أنتم، ثم إنّه دفع فيهم ففرق جمعهم، ونجا بجميع أهله

وما معه، وقد كانوا أول خروجهم جهلة لا تختطم أنوفهم، قال رجل منهم اسمه أبو عامر عبد الله المعروف بالعجب: ما أسفي إلا كوني لم أكن في زمان عليّ بن أبي طالب حتى ألقاه. وعلى هذا، فقس ما كان في رجال هؤلاء القوم من الشجاعة والجهل.

قال السّلالجيّ:

وهم على شجاعتهم وأزيد، وأما جهلهم فزال من أكثرهم لسكناهم بالحاضرة ومداخلتهم الناس، قال: ولا تعدّ للكثرة فرسانهم، ولا تحصى في الأبطال وقائعهم، قال: وهذا عثمان بن أبي العلاء، وسيف المغراويّ وعبد الرحمن بن يعقوب وأخوه [الوطاسيان] لم يزالوا في الأندلس تشدّ على الفرنج حملاتهم، وتعدّ على قلتهم في كثرتهم فتكاتهم، قال: ولقد أنشأ هذا السلطان من فرسان هذا الزمان ورجالات الدهر من أخمل كلّ مذكور، وغلب على كلّ مشهور، مع ما هم عليه من العلم والتّقى لا يقدر أحد منهم لمهابته على ارتضاع كأس ولا إهمال صلاة، يناقشهم على هذا، ويؤاخذهم به حتى إذا كانوا في السفر وأذّن المؤذنون نزل ونزلوا حتى تقام الصلاة و [يصلوا] جماعة.

وحدّثني أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ أن هذه المملكة طولهايوما

أو أزيد، وعرضها ثلاثون يوما بالسّير المعتاد، وطولها من جزائر بني مزغنّانة، وهي بلد <ة> حسنة على ساحل البحر الشاميّ واقعة قبالة جزيرة ميورقة بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام إلى البحر المحيط، وعرضها من ساحل الزّقاق من سبتة إلى نهاية بلاد البربر المتصلة بالصحراء الكبيرة الفاصلة بين برّ العدوة وبين بلاد السّودان لم يخرج عن مملكة هذا السلطان من برّ العدوة الأندلس وأعمالها، خرج سلطان برّ العدوة الآن عنها للموحدين أصحاب إفريقيّة، وهبها إحسانا منه لكونها كانت قديما لهم، وانتزعها بنو عبد الواد أصحاب تلمسان منهم، وحدّ هذه المملكة من الجنوب الصحراء الكبيرة الآخذة طولا من بلاد البربر إلى جنوب إفريقيّة، ومن الشرق جزائر بني مزغنّانة وما هو آخذ على حدّها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشمال البحر الشاميّ، ومن الغرب المحيط.

وقاعدة الملك بها مدينة فاس، ثم مرّاكش وهي التي كانت قديما في زمان بني عبد المؤمن قاعدة الملك العظمى، فلما انتقل الملك إلى بني مرين، وتحلّى جيده بعقدهم الثّمين أبو إلاّ <أن> يتّخذوا لهم مدينة فاس دار ملك، فاستوطنوها وبنوا معها ثلاث مدن موازية لها على ضفة الوادي المعروف بوادي الجوهر غربا بقبلة.

فأولها المدينة البيضاء، وتعرف بالبلد الجديد بناها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحقّ وهو أول من استقلّ بالملك بعد الموحدين لأنّ أخاه [أبا يحيى] أبا بكر ثار عليهم ومات وما

استقلّ له سلطان، ولا استقرّ له من عزّ الملك أوطان.

ثم مدينة حمص ويعرف موضعها بالملاح، بناها ولده أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف والد سلطانها القائم الآن، بناها إلى جانب البيضاء.

وربض النصارى المتّخذ لسكنى الطّائفة الفرنجية المختصة بخدمة السلطان، ويطلق على هذه الثّلاث المتّخذات اسم فاس الجديدة.

وهذه المتّخذات كلّها على ضفة الوادي الغربية على ترتيب ما نذكره.

فربض النصارى يقع قبالة فاس القديمة على بعد من ضفة الوادي من غير مسامتة ولا بر، والبيضاء وهي المسماة بفاس الجديدة آخذ <ة> من شمالي ربض النصارى إلى ضفة النهر، ويقع أول عمارة فاس الجديدة قبالة آخر عمالة فاس العتيقة.

وحمص راكبة على النهر بشمال على جانب فاس الجديدة، آخذة إلى ربض النصارى <وقد> عقد على الوادي قناطر، وبنيت حمص على ضفّتيه، وهي فوق الجميع لأنّ الوادي منها ينحدر على ما بيّنته، وهو أنّ هذا النهر ينصب من الجنوب إلى الشّمال، ثم ينعطف على زاوية آخذا من الغرب إلى الشرق [حتى يصير] كأنّه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك، ثم يمرّ آخذا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة، ثم ينعطف عليها زاوية إلى الجنوب، ثم ينعطف إلى الشرق جائزا بها.

وهناك فاس العتيقة على الضفّة الشمالية، والقصبة بها في غربيّها مرجلة على الأرض لا

تتميز على المدينة برفعة ولا ببناء عال، وتلك المتّخذات كلّها على الضفة الغربية، ويبقى النهر مستديرا بفاس الجديدة من جانبي الشّمال على المجرى المركبة عليه حمص، ومن الشرق حيث انعطف النهر [عند] فاس العتيقة، وهذا الوادي هو متوسط المقدار يكون عرضه في المكان المتسع قريب أربعين ذراعا وفي المضايق دون هذا، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعا وأقلّ من ذلك، وعمقه في الغالب يقارب قامة رجل، وعليه النّاعورة المشهورة برفع الماء إلى بستان السلطان المعروف بالمصارة، وهو بستان جليل، له فيه قصر جليل جميل، وهذا البستان خارج المدينة الجديدة، وهذه الناعورة مشهورة الذكر يضرب بها المثل، ويتحدث بها الرّفاق.

وفاس العتيقة ذات عيون جارية، فيقال إنّ فيها أربع مئة عين سارحة.

قال الإمام أبو عبد الله العقيليّ:

إنّها ثلاث مئة وستون عينا معدودة، والماء مسلّط على ديارتها ومساكنها، وأما المتّخذات فإنها على علو لا عيون بها، ولا يحكم الوادي عليها، وجميع أرض فاس العتيقة مجبلة غير مستوية، وأما المتّخذات فمستوية، وعلى كلّ من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصنة ذوات بروج وبدنات، وجميع أبنيتها من الحجر والآجرّ والكلس، موثقة البناء، مشيدة الأركان، وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة، والجديدة بسورين من الطين المفرغ بالقالب من التراب والرمل والكلس المضروب، وهو أشدّ من الحجر، ولا تعمل فيه المجانيق ولا تؤثر فيه.

ويلي القصبة القديمة مخازن الغلال داخلها المطامير، وهي مجموعة في مكان واحد، يستدير بها سور منيع، عليه باب وغلق، ويسمى هذا الموضع بالمرسى القديم.

وأبنية فاس ومتّخذاتها جميعها جليلة مفخمة وإن كانت لا تلحق بمرّاكش فيما كانت عليه من عظمة مبانيها وفخامة مغانيها، وهو باق منه كليل على ما كان، وسيأتي ذكرها في موضعه.

وبفاس العتيقة داخل سورها جنائن ورياض ذوات أشجار ورياحين في دار الكبراء وبيوت الأعيان، وبها أرحاء كثيرة دائرة على الماء، قال السّلالجيّ:

تقارب أربع مئة رحا، وبكلّ من فاس القديمة وفاس المجدّدة المسماة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمواذن والحمامات والأسواق، فأما المدارس والخوانق والرّبط فما خلت صحائف حسنات أهل المغرب من أجورها إلا النزر اليسير جدا.

وبفاس العتيقة مارستان، وعمائر العتيقة كما قدمنا القول فيه بالآجرّ، فأما المتّخذات فغالبها بالقالب من نسبة أسوارها، وسقوفها بالأخشاب، وربما قرنصت بعض السقوف بالقصدير والأصباغ الملونة، وتفرش بالرّخام دياراتهم وبالزّيلخ وهو نوع من الآجرّ [مدهون بدهان ملون] كالقاشاني بأنواع الألوان البيض والسود والأرزق والأصفر والأخضر وما يتركب [من] هذه الألوان وغالبه بالأزرق الكحلي، ومنهم من يتخذ منه وزرات لحيطان الدور، وأما دور هؤلاء فتفرش بآجر يسمى المزهري.

ولأهل فاس ولع ببناء القباب فلا تخلو دار كبير <ة> في الغالب من قبتين أو أزيد، وصورة تفسير أبنية دورهم مجالس متقابلة على عمد من حجر وآجرّ، ورفارف مطلة على صحن الدار، وقدّامها طفافير يجري إليها الماء، ثم يخرج إلى بركة في وسط الصّحن، وتسمى البركة عندهم صهريجا، وغالب أعيانهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم أنفة من الدخول مع عامة الناس، لأنّ حماماتهم صحن واحد لا خلوة فيها تستر بعض الناس من بعض، ولهم تأنق في البناء، و [همم لا تقصر] بهم عن الغاية فيه.

قلت: وثمّ فائدة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها، ذكرها ابن سعيد في "المغرب"، وهي أن فاسا القديمة هي أيضا مدينتان، أقدمهما المعروفة بمدينة الأندلسيين بنيت في زمان إدريس ابن عبد الله الحسنيّ أحد خلفاء المغرب، ثم المعروفة بمدينة القرويين بنيت بعدها.

قلت: وهاتان المدينتا <ن> هما المعبّر عنهما الآن بفاس العتيقة، فجملة فاس الآن ما يذكر: مدينة الأندلسيين ومدينة القرويين، ومدينة البيضاء، ومدينة حمص، وربض

النصارى، والقصبة والذي يطلق على الجميع فاس القديمة، ولجميع الأندلسيين والقرويين وفاس الجديدة ولجميع البقية، وهي البيضاء، وحمص، والربض، ويطلق على الجميع اسم فاس، وقد ذكر ابن سعيد أنها إنما سمّيت [بفاس] لأنهم لما شرعوا في بناء أساسها وجدوا فأسا فسموها به.

وقد ذكر ابن سعيد فاسا، فقال:

هي متوسطة بين مدن المغرب يعني الداخلة من مرّاكش وسبتة وسجلماسة وتلمسان عشرة أيام.

قلت: ولتوسطها صلحت أن تكون قاعدة الملك ليقرب الملك من جميع نواحيه.

قال ابن سعيد:

ولها جنات كثيرة وزروع وضروع وخيرات، وعلى نهرها الأعظم الغربيّ نحو ثلاثة آلاف رحا، وعلى حافته القرى والضياع والمدن الجليلة، وهي تشبّه بدمشق وبغرناطة، والجبال تكتنفها، وهي ممتدة بنفسها، ونهرها يلاقي نهر وادي سبو، وهو أعظم أنهار المغرب يصبّ في المحيط بين سلا وقصر عبد الكريم، وفوهته هناك متسعة، وأمواجه مضطربة، وهي أكثر مياها من دمشق ومن غرناطة.

قال ابن سعيد:

ولم أر قطّ حمامات في داخلها عين تنبع إلا بها، وأثنى الشريف الإدريسيّ في أخباره على مالكها ومآكلها ومطاعمها، ولأهلها اليد الطّولى في صناعة المخروطات من الخشب والنحاس، وهي تشبّه بدمشق في البساتين، وأهلها يشبّهون بأهل إسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالنّاموس، وفي عامتها الزعارة والمفاخرة بالقتل، وبها بستان ابن خيدن يشقّه نهر فاس، قال ابن سعيد:

وما [رأى] أحد ما أنفق فيه من الأموال بين بنيان ونجارة وزخرفة وغرس، ثم قال:

وفي فاس وظاهر من الإيوان ما يفوق به غيرها من البلدان، وقد قال ابن منقذ رسول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور بن عبد المؤمن رحمهما الله في رسالته

المغربية: ولقد أخرجوني إلى بستان بفاس يقال له البحيرة، أتفرج فيه، ضمانه خمسة وأربعون ألف دينار، [وفيه بركة ذرع كلّ جانب منها مئتان] وستة عشر ذراعا بالمرفق، ويكون دور البركة ثماني مئة ذراع وأربعة وستين ذراعا، وعندهم ما هو أكبر من ذلك.

والذي حكى لي السّلالجيّ أن أكثر عمائر المتنزهات في البساتين بها خفيفة الآن [لا] مبالغة لها ولا كلفة فيها، وقال: أما قول ابن سعيد، [إنّ على ضفة النهر ثلاثة آلاف رحا لا حقيقة له]، ولا [بعضه] إلا ما تقدم ذكره.

وفاس وخيمة البقعة، ثقيلة الماء، يعلو وجوه سكانها صفرة، ويحدث لأجسادهم [كسل] وفترة.

وقواعد الملك بهذه المملكة ثلاث، وهي: فاس وهي قاعدة الملك الثالثة، فأما سبتة، فإنا وإن كنا ذكرناها مملكة، وصدّرنا بها هذا الفصل بالممالك فإنّها ليست لملوك بني مرين بقاعدة، ولا ينظر إليها عندهم بعين الاحتفال، وأما كوننا ذكرنا هنا مرّاكش ولم نذكر <ها> في صدر هذا الفصل في الممالك فلأنها و [فاسا] ذات مملكة واحدة، وإنما التقدمة اليوم لفاس، فلم يبق لذكرها معنى، وأما ذكرها هنا فلأنها ملحوظة عند ملوكها، يعدّونها بعد فاس.

وأما تلمسان: فمملكة تمادى الأمر عليها، وهي مستقلة بنفسها، وقد استضافها هذا

السلطان إليه فصارت له قاعدة ثالثة.

وأما المدن الكبار بهذه المملكة فهي اثنتان وأربعون مدينة، القائم فيها هذا السلطان عن آبائه ست وعشرون مدينة وهي: فاس، ومرّاكش، وأغمات، وآسفي، وآنفا، وآزمّور، وتيط، وسلا، وأزيلا، والعرائش، وطنجة، والقصر الصغير،

وسبتة، وبادس، وتيجيساس، وعصاصة وهي المسماة باللدية البيضاء، و [قصر عبد الكريم]، وتازا، وصا، وسجلماسة، و [تطاوين]، ومليلة، والمزمّة، وتازوطة، ومكناسة، والمستجدّ لهذا السلطان عند فتحه بسيفه لمدينة تلمسان وقتل

ملكها أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو عبد الوادي فهو تسع عشرة مدينة، وهي: تلمسان، ووجدة، ومديونة، و [ندرومة]، وهنين، ووهران، وتيمزغران، وبرشك، وشرشال، وتونت، ومستغانم، وتنس، والجزائر، والقصبات، ومازونة، وتاحجحمت، ومليانة، والمدية، وأما صفروي

وهي مما ورثه عن أبيه فهي قرية كبيرة لا مدينة، [وكذا] الطحا وتيمزّوعت مما فتحه، فمن عدّها في المدن جعل العدة خمسا وأربعين مدينة، وإلا فالصحيح ما بيناه، هذا ما تملّكه هذا السلطان مما على جنوب البحر الشاميّ من أول مخرج بحر الزّقاق المحيط إلى آخر عمالة جزائر بني مزغنّانة مع طول البحر وما يليه في الجنوب إلى الصحراء الكبيرة.

وله بالأندلس الجزيرة الخضراء، ورندة، ومربلّة، وما فتحه بجيوشه المجهزة بها فهو بلد طريف، وجبل الفتح فتكون جملة المدن الكبار المنتظمة في مملكته ثمانيا وأربعين مدينة بما لها من المعاملات والرّساتيق والقرى والضياع والقلاع والحصون والبوادي، كلّ هذا بيد سلطانها القائم الآن يتصرف تصرف الاستقلال فيه، وبقية الأندلس لولا جيوشه مع الله تعالى لما بقيت، وقد كان على ملكها للفرنج في كلّ سنة أربعون ألف دينار، فمذ أجال بالأندلس خيله قطع تلك القطيعة، وأنعش بها رمق الإسلام.

فأما إفريقيّة فقد نبهنا فيها على أنّه لولا إنجاد هذا السلطان لصاحبها على بني عبد الواد وعلى ذعّار العرب وثوار أهل بيته لما ثبتت له قدم، وقد ذكرنا أنّه أعاد عليهم مدينة تدلّس وبلادها، وكان قد أخذها بنو عبد الواد منهم.

وحدّثني غير واحد من أهل إفريقيّة أنّ صاحبها ما بعث بنته إلى السلطان أبي الحسن المريني صاحب برّ العدوة إلا ليبقي عليه ملكه، وقد كان بعث بمفاتيح بجاية، وأشهد على نفسه أنه خرج عنها للسلطان المرينيّ، ومن وفائه أنه ردّها عليهم وصرفها

إليهم، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم، بل أعاد لطارفهم وتلادهم مع المساعدة بالإنجاد حتى استولى على عدوّهم بالقتل، وتملك جميع بلاده كما قدمنا.

ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقيّة بذاتها مفردة بسلطان، فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقيّة فيها كالنائب له، وإنما صاحب برّ العدوة ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين، وهم أهل بيت ملك، ولهم أصالة السلطنة، وصاحب إفريقيّة إنما اشتدّ بمصاهرته له، وبهذا تمّ له في إفريقيّة سلطانه، وانكفّت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقيّة بالسلاطين، وهان عليه أمر الأمراء، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتسمن السلطنة وتهزل. فأما السبب الباعث لصاحب إفريقيّة على إرسال بنته إلى هذا السلطان أبي الحسن المرينيّ فهو أنّ سلطان بني عبد الواد صاحب تلمسان كان قد حاصر بجاية، ونزل عليها، ونازلها وضايقها، ولم يطق صاحب إفريقيّة دفعه فأراد تأكيد معاضدة المرينيّ له، فزوجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان، وبعث إليه في البحر يستنجده، فخرج لإنجاده ثم مات، وأوصى ابنه [أبا] الحسن بإتمام النجدة لهم، فلم يزل على محاصرة تلمسان، حتى كان من فتوحه لها ما كان.

وحدّثني من له إطلاع على ما حدّثني به، قال:

وكان صاحب إفريقيّة مع انقياده إلى المرينيّ وعداوته لسلطان بني عبد الواد وقيام المرينيّ على عدوّه في هواه لا يؤثر في الباطن أنّ المرينيّ يظفر بصاحب تلمسان عدوّه، ليكون له به شغل عن قصده وانتزاع إفريقيّة منه لعلمه أنّ تلمسان حجاب بينهما، وأنّه لا طاقة له بالمرينيّ ولا قبل له به، ويحقّ له الخوف فإنّه في قبضته متى أراد.

قلت: ومع ترامي صاحب إفريقيّة للمرينيّ وادعاءاته له لا يخطب له على منابره، ولا تضرب السّكّة باسمه، ومع اقتدار المرينيّ عليه وكونه لا يعدّ إلا كأحد نوابه ما طلب هذا منه، ولقد قال أبو الحسن المرينيّ في كتابه الوارد إلى حضرة السلطان بمصر مخبرا بفتوح تلمسان إنّ مملكته اتصلت من البحر المحيط إلى برقة، وهذا يؤكد ما قلناه من أن إفريقيّة كجزء من بلاده وأن صاحبها كالنائب له لأنّه قال إن مملكته إلى برقة، وإفريقيّة هي داخلة في هذا الحد، وهذه المملكة المجتمعة لهذا السلطان أبي الحسن فإنها هي الغرب بمجموعه، منها ما هو بيده، ومنها ما هو بيد ملوك في طاعته، وحيث يقال اليوم صاحب الغرب، فهو المراد، ولقد كان الناس زمان أبيه في جور حتى ولي فبسط بساط العدل، وحمل على محجة الإنصاف، وأبطل المظالم و<ضرب> على يد كلّ ظالم، وأسقط المكوس، ولم يدع إلا الخراج والزكاة والعشر، وما يوجبه موجب طلب الشرع، وحلّ عقد <ة> الضمان، وكانت سببا للظلم والطلب المجحف، وكان يقال إنه بعد أن حلّ البلاد من الضّمان تنقص الأموال فزادت، وأدلّ الله بالعدل من البركات أضعاف ما كان.

قال أبو عبد الله السّلالجيّ:

أما ما ازداد وتثمّر فلا أعلم كم هو، وأما ما كان في عقدة الضمان في زمان السلطان أبي سعيد والد هذا السلطان خارجا عما كان يؤخذ من أصحاب الماشية من الإبل والبقر والغنم فهو تفصيله:

فاس: مئة وخمسون ألف مثقال.

مرّاكش: مئة وخمسون ألف مثقال.

سبتة: خمسون ألف مثقال.

آسفي: خمسة وعشرون ألف مثقال.

أغمات: خمسة وعشرون ألف مثقال.

آنفا: أربعون ألف مثقال.

آزمّور: عشرون ألف مثقال.

طنجة: ثلاثون ألف مثقال.

بادس: عشرة آلاف مثقال.

مكناسة: ستون ألف مثقال.

صفروي: ستة آلاف مثقال.

سجلماسة ودرعة: مئة وخمسون ألف مثقال.

[تازا]: ثلاثون ألف مثقال.

عصاصة ومليلة والمزمّة: ثلاثون ألف مثقال.

تيط: خمسة آلاف مثقال.

تيجيساس: خمسة آلاف مثقال.

% قال السّلالجيّ:

وهذا الضمان كان جاريا على جميع المجابي ما كان يستأدى من وجوه الخراج والزكاة والموجبات والمكوس خارجا عن عداد المواشي وغلات المجاسر والحصون والقلاع والمجاسر وهي القرى، قال:

وأما تطاوين، والقصر الصغير، وصا، فإنّها كانت بكفلها لا يتحصل شيء منها، قال:

هذا المبلغ هو الذي كان يجري عليه الضمان، وقد كان يزيد وينقص باختلاف الأحوال والأوقات، وإنما هذا هو الغالب، ولا كثير تفاوت فيما يزيد وينقص منه، قال:

والذي استفتحه الآن لا يقصر عن نظر الثلاثين فإنما يقصر شيئا يسيرا، لأن تلمسان مملكة جليلة وسيعة المدى كثيرة الخيرات ذات حاضرة وبادية وبرّ وبحر.

وسألت السّلالجيّ عن عدّة العسكر لاختلاف الأقوال فيهم، فمن مكثر إلى غاية، ومن متقارب، وكان ابن جرار قد قال إلي: إنهم مئة ألف وأربعون ألفا، قال السّلالجيّ:

الذي نعرفه قبل فتح تلمسان فما كانت تزيد جريدة جيشه المثبتين في الديوان على أربعين ألف فارس لا غير، غير حفظة المدن والسواحل، وكان يمكنه إذا استجاش لحرب أن يخرج في جموع كثيرة جدا لا تنحصر بعدد ما، ويكون الآن قد زاد على ما أعرفه مثله لاستجداد تلمسان له، وهي مملكة كبيرة، وسلطنة جليلة تكون قريب الثلاثين مما كان بيده، ولطاعة أمم من أهل الجبال والأطراف، وقد كانوا يعصب رؤوسهم التيه، ويجنح بهم العصيان، وقد تثعلبت له اليوم آسادهم، وأصحرت له وعولهم.

قال العقيليّ:

أما جيشه الآن فيكون مئة وأربعين ألفا غير من يستجيش به.

وسألت السّلالجيّ عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها، فقال:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع