من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الباب الثالث عشر في مملكة برّ العدوة
الصفحة ٢ من ٢
تكون قدر ثلث مصر والقاهرة وحواضر هما لكن [عالمها] أقلّ، وبالغ في وصف دياراتها وأوطانها، وما اشتملت عليه بساتينها المنوعة الثمار المطردة الأنهار، وما بها من الرّخاء الدائم والأمن والدعة، فسألته عن معاملاتها وأسعارها، فقال:
المثقال الذهب بمائة وعشرين درهما من الدراهم الصغار، وهي ستون درهما من الكبار، لأنّ كلّ درهم من الكبار بدرهمين من الصغار، وكلّ درهم من هذه الدراهم الكبار يكون نظير درهم أسود في مصطلح أهل مصر، والدرهم الأسود بمصر هو ثلث درهم نقرة من معاملة مصر والشام، قال السّلالجيّ:
وكلّ ثلاثة كبار بدرهم واحد نقرة من معاملة مصر والشام، هذا على جهة التقريب لا التحقيق.
وأما الدراهم الصغار فكلّ درهم منها نصف درهم كبير، وهو نصف درهم أسود يكون سدس درهم نقرة من معاملة مصر والشام، وحيث يقال درهم ويسكت، لا يراد به إلا الدرهم الصغير، وهو سدس درهم إلا بمرّاكش وما جاورها وقاربها <فإنه> حيث قيل درهم لا يراد به إلا الدرهم الكبير بيض على الصغير، هذا في مرّاكش وعملها وما قاربها خاصة دون بقية برّ العدوة على الإطلاق.
والرّطل هو نظير رطل إفريقيّة سواء على ما تقدم ذكره، وأما الكيل فأكبره الوسق، ويسمى الصّحفة، وهو ستون صاعا من الصّاع النبويّ محررا، قال:
وأما الأسعار، فإن أواسط الأسعار كلّ وسق قمح بأربعين درهما من الصغار، والشعير دون
ذلك، وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الصغار، وكلّ طائر من الدجاج بثلاثة دراهم من الصغار، هذا كلّه من المتوسط بالسعر المتوسط في غالب الأوقات.
وبرّ العدوة به من أرزاق الحبوب القمح، والشعير، والفول، والحمص، والعدس، والدّخن، والسلت وغير ذلك إلا الأرزّ فإنّه قليل، وإن ازدرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، ولكنّه يجلب إليهم من بلاد الفرنج، وما لهم نهمة في أكله ولا عناية به، ويزرع به السّمسم، ولكنه ليس بكثير لا يعتصر منه بالغرب شيرج، ولا يأكل الشّيرج منهم إلا من وصفه له الطبيب، وإنما أكلهم عوضه الزيت ومزورات الضعفاء، وهم يعملون الحلوى بالعسل والزّيت.
وبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المتعددة الأنواع والأجناس من النخل والعنب، والتين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتفاح على أصناف، والكمّثرى كذلك، ويسمى ببرّ العدوة الإنجاص كما يسمى بدمشق، والمشمش، والعين والبرقوق، والقراسيا، والخوخ غالب ذلك على عدة أنواع، وأما التوت فقليل، وبها الجوز، واللّوز، ولا يوجد بها الفستق والبندق إلاّ إن جاء مجلوبا.
وبها الأترجّ، والليمون، والليم، والنّارنج، والزنبوع، وهو المسمى بمصر والشام الكبّاد، والبطيخ الأصفر، وأما الأخضر فهو يسمى عندهم بالدلاع، وهو قليل والموجود منه لا يستطاب.
وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبياء، والكرنب، والشّمار، والصّعتر، وسائر البقول، وأما القلقاس فلا يزرع عندهم إلا للفرجة على ورقه، لا لأن يؤكل، ولا يوجد بها الموز إلا في بعض المواضع نادرا مما يهدى ويباع.
وأما قصب السكر فهو بجزائر بني مزغنّا وبالسوس وبنواحي مرّاكش وبسلا كثير، ولولا عدم استقامة أهل السوس وتلك الأطراف وكثرة التوائهم لكان كثيرا جدا، والموجود منه يعمل منه قند، ويسبك منه السكر، ولكنّه متوسط المقدار.
وقد سألت ابن جرار عما يعمل بمرّاكش من السكر، فقال:
يعمل منه أنواع ويخلص منه مكرر يجيء في نهاية البياض والصلابة ولطافة الذّوق، ويقارب مكرر مصر إن لم يكن مثله، لكنّ نوع السكر المعمول به بالغرب غير كثير، قال:
ولو أنهم أكثروا من نصب الأقصاب لكثر.
قال العقيليّ:
إن بمرّاكش أربعين معصرة للسكر أو أزيد، وزادت على سوس، ومزارعه في أرض مرّاكش [بواد] يعرف بوادي نفيس، وإنّ حمل حمار من القصب يباع بثلاثة دراهم يكون بدرهم واحد كامليّ، فسألته عن السبب المانع لهم من الاستكثار منه، فقال: لكثرة وجود عسل النحل واعتياد المغاربة لأكله، ووصف العسل عندهم ولذاذة طعمه وكثرة ألوانه.
ولقد سألت كثيرا من المغاربة حتى ممّن أقام بمصر وتمصّر عن السكر فوجدتهم مائلين بالطباع إلى تفضيل العسل في الأكل عليه، واستطابتهم له أكثر من السكر واستعمالهم للعسل بدلا منه في أطعمتهم وحلوائهم، وزعموا أنّ ما يعمل من العسل ألذّ مما يعمل من السكّر، وهذا مما لا نسلمه إليهم ولا يدّعي هذه الدعوى ذو ذوق سليم ولا نظر مستقيم.
ولقد قال لي كثير منهم إنّه ما يستعمل السكر عندهم في الغالب إلا المرضى والغرباء أو
الكبار من الناس [في] المواسم والضيافات.
قالوا: وكذلك الأرزّ لا يؤكل عندهم إلا في يوم حفل أو دعوة أو مريض أو غريب اعتاد أكل الرزّ في بلاده، وقد طال ما جرّه الحديث في هذا، ونعود إلى تكملة ما يوجد في برّ العدوة.
قال السّلالجيّ:
بها من الرّياحين الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك.
وبها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم، ولا يعدم عندهم إلا الجاموس فإنّه لا يوجد عندهم.
وبها أنواع من الطير من الأوزّ والحمام، والدجاج، وغير ذلك، والكركيّ كثير عندهم على بعد الديار وغربة الأوطان وتسمى عندهم الغرانيق، وهي عندهم صيد الملوك كما هو بمصر والشام، وفي صحاريها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها، وغير ذلك.
وأما مرّاكش فهي متوسطة بين المحيط إلى الصحراء إلى البحر أربعين ميلا وإلى الصحراء وهي كما قدّمنا ثانية قواعد الملك.
حكى لي غير واحد عن سعة دورها وضخامة عمائرها وما فيها من قصور بني عبد المؤمن وأولادهم وأجنادهم، حتى يقال إنّه إذا كان الرجل في صدر الدار ونادى رفيقه وهو في صدرها الآخر بأعلى صوته لا يكاد يسمعه لاتساعها.
قال ابن سعيد:
ودورها سبعة أميال، وهي بسيطة يمتدّ فيها البصر بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وأول ما بني بها القصر المعروف بقصر الحجر ثم بنى الناس حوله، ثم إنّ يوسف العشريّ، - وهو أبو يعقوب بن عبد المؤمن - كبّرها وفخّمها ومصّرها وضخّمها، وجلب إليها المياه والغراس، ومنارة جامعها المعروف بالكتبيّين طولها مئة وعشرة أذرع من الحجر وعلى باب جامعها ساعات ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا، ينزل عند انقضاء كلّ ساعة صنجة وزنها مئة درهم، يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعيد،
وتسمى عندهم المنجانة، وهي الآن بطّالة لا تدور.
قال ابن سعيد:
وحضرة [مرّاكش] مما سكنتها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أنّ كلّ قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والإسطبلات والمياه وغير ذلك حتى يغلق الرئيس منهم بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج [إليه]، ولا تخرج له امرأة إلى خارج داره. ولا يشتري شيئا من السوق لمأكل ولا يقرئ أولاده في مكتب خارج، ويخرج هو من بيته راكبا لا تقع عليه العين راجلا، [قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة، فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية.
وبظاهرها مدينة اختطّها المنصور يعقوب بن <يوسف> بن عبد المؤمن له ولخواصه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه] وبه ديار عظيمة منها دار البلّور، ودار الرّيحان، ودار المال، وكلّ دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مرّاكش.
ولها ثلاثة أبواب مختصة بها: باب البستان وكان لا يراه إلا خواص بني عبد المؤمن يفضي إلى بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، فيها العمائر الجليلة والمصانع العظيمة والبركة التي لم يعمل مثلها.
قال العقيليّ:
وطولها ثلاث مئة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربع مئة شجرة من النّارنج، وبين كلّ اثنتين إما ليمونة وإما ريحانة.
والباب الثاني: باب القراقين وهو في داخل المدينة مرّاكش، يتصرف منه إلى ما يحتاج إليه بالمدينة.
والباب الثالث: باب الرياض أمامه رحبة عظيمة تحمل طراد الخيل، وكان بها أنواع من الوحوش في زمان بني عبد المؤمن، وبها قبّة الخلافة إلى جانب الباب، كان يخرج إليها خليفتهم بكرة كلّ نهار، وتكون بها الخدمة، وفي رحبة القصر دار الكرامة والأضياف، وفيها يقول أبو بكر بن مجير المرسيّ - ﵀: <الخفيف>
ذاك داعي الهوى بمثوى الإمامهموجب للأنام دار الكرامه
قد دعا دعوة العموم إليهامعلنا كالنّداء أو كالإقامه
فتباروا إلى نعيم عميمفتحوا بابه وفضّوا ختامه
خير قوم دعوا إلى خير دارهي للملك نضرة وكمامه
عالم السّبعة الأقاليم فيهاوهمو في فنائها كالقلامه
ما توسّمت قبل جمع أتاهاأنّ ذا الحشر قبل يوم القيامه
تسام الريح حين تطوي مداهاوتحول العيون دون بشامه
وفي هذه الرحبة المدينة، وهي مكان جليل به خزائن الكتب، وفيه كان خلفاء بني عبد المؤمن يجالسون العلماء، وفيها دار مخصوصة للوزارة المحلاّة بوزير الجند، وتفضي هذه الرحبة إلى باب السّادة وهو يفضي إلى خارج مرّاكش كان مخصوصا ببني عبد المؤمن، إليه ينتهون على خيلهم وعليه سلسلة منها ينزلون، وهناك مقابر أكابرهم وجنائز الأعيان في نهاية حسن المباني والغراس.
وفي الرحبة باب السقائف، وهو باب كبير يخرج منه إلى سقائف أهل الجماعة، وهم ذرية العشرة أصحاب مهديّهم ابن تومرت، وسقائف أهل الخمسين، وسقائف الطلبة، وهم أهل العلم والقراءة، وسقائف الحفاظ، وهم المقدّمون على الأعمال لحفظها، وسقائف أهل الدار، وهم غلمان الخلافة.
ثم يخرج من هذه الرّحبة إلى سقائف القبائل وأعيان الغزّ والجموع، ثم يفضي إلى رحبة عظيمة فيها سقائف جنفيسة وجدميوة، والقبائل هسكورة وصنهاجة، وهؤلاء هم قبائل الموحّدين، وبها موضع صاحب الشّرطة، وبإزائها الجامع المبنيّ في تامرّاكشت على صحنه شبك من الصفر الأندلسيّ وهو في غاية الزّخرفة والإتقان، ولا يبرح المنبر مستورا في بيت المقصورة، وهو والمقصورة مستوران إلى يوم الجمعة قريب الصلاة ترفع ستورها، والنهر الذي جلبه المنصور إليها يخترق قصوره ثم يمرّ على السقائف والرّحاب المقدمة الذكر، ثم يحدق بالجامع، ثم يمرّ بالجامع وبين الأسواق قدر ميل إلى أن يخرج على باب الصالحية من أبواب مرّاكش في هذه الرحبة المقدمة الذكر.
باب الكحل: كان منه دخول الموحدين، وأمامه فضاء عظيم يسع وقوف الخلائق و [صرفها].
وباب الربّ لا يدخل هذا النوع إلا منه لاحتمال أن يدخل المدينة خمر.
وبها الصّهريج الكبير، والصّهريج في [لغة أهل] المغرب: البركة، وهي بركة عظيمة عليها سور وباب يصب فيها النهر الثاني الداخل إلى مرّاكش، وفيها يوزّع بقياس معلوم على قصور الناس، ثم ينحدر بقية الماء في نهر يشقّ المدينة من جهة أخرى في وسط الأسواق وما يمرّ، وفيها برك تصبّ فيها المياه، وفي هذه الرّحبة باب الشريعة أمام مصلّى العيدين و [بينهما] فسيح عظيم به سوق الخيل، وللسلطان به قصر مطلّ عليه.
ويليه باب نفيس يخرج منه إلى بلد نفيس المفضلة بالمياه والأعناب، وقدامه بركة اقنا يتعلم فيها الصبيان العوم.
ويليه باب مخزن السلطان، كان به وإلى جانبه قصر سعيد، وقصر أمة العزيز، وقصر ابن جامع، لا يعلم كم غرّم على كلّ واحد منها حتى قال ابن سعيد في "المغرب" عن قصر ابن جامع وهو أحد وزراء بني عبد المؤمن: وإنّه كان في داره ساحة يلعب فيها خمس مئة جارية على خيل الخشب وتتطاعنّ.
ويلي ذلك باب مسوفة يفضي إلى المقابر.
وباب دكّالة، وهو مفض إلى المتنزّهات.
ويليه باب الرخاء.
ويليه باب ناغورت.
ويليه باب فاس، وهو مفض إلى فضاء يفضي إلى نهر كبير لا يخاض إلا في زمان الصّيف، وعليه بساتين جليلة ومتنزّهات.
ويليه باب الدبّاغين.
ويليه باب سان.
ويليه باب إيلان.
ويليه باب أغمات، وأمامه منازل المخدومين لا يمازجون الحضرة.
ويليه باب الصالحية، وخارجه مقابر وبساتين.
ولمرّاكش بواد فسيحة وما اختار ابن تاشفين بقعتها إلا لمراعي إبله حولها وبها [كثير من] أرباب العمائر.
وأما تلمسان وهي قاعدة الملك الذي فتحه هذا السلطان بسيفه، واستضافه إلى
ملكه، قال الشّريف في كتاب [رجّار "] وهي في سفح جبل وبها آثار الأول، وماؤها مجلوب من عيون على ستة أميال، ولها أسواق ضخمة، ومساجد جامعة، وأنهار وأشجار، وشجر الجوز كثير بها، وفيها المشمش المقارب في حسنه لمشمش دمشق وعلى نهرها الأرحاء، ويصبّ نهرها في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه خرير على مسافة ثم يصبّ في نهر آخر بعد ما يمرّ على البساتين، ويستدير بقبليّها وشرقيّها، وتدخل فيه السفن اللطاف حيث يصبّ في البحر.
وهي دار علم متوسطة في قبائل البربر، ومقصد تجار الآفاق، زكية الأرض من الزرع والضرع، وبها حصون كثيرة، وفرض عديدة أشهرها فرضة هنين وهي قبالة المريّة [من الأندلس] ووهران [في شرقيّ تلمسان بشمال قليل على مسيرة يوم من تلمسان، ومستغانم تقابل دانية من الأندلس].
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع