من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الباب الثالث عشر في مملكة برّ العدوة (٢)
وتلمسان على ما بلغ حدّ التواتر في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة لكنها محصّنة البناء، ولقد أقام أبو يعقوب يوسف عمّ هذا السلطان أبي الحسن نحو عشر
سنين وبنى عليها مدينة سماها تلمسان الجديدة ثم مات، وسمى أهل تلمسان تلك السنة سنة الفرج حتى كتبوا في سكّتهم ونقشوا: ما أقرب فرج الله، وشرع حينئذ أبو حمّو بعد إتمام سنة من الفرج من رحيل بني مرين عنها، وهو والد سلطانها أبي تاشفين المأخوذة منه <في> تحصيل قوتها، وتحصين أسوارها، ولم يدع ما يحتاج إليه المحاصر لعدة سنين كثيرة حتى حصله من الأقوات والآلات حتى سليت الشّحوم، وتملّيت بها الصّهاريج وملئت أبراج المدينة بالملح والفحم والحطب واختزن [أرضا] داخل المدينة كلّها زرع، ومات أبو حمّو وولي بعده أبو تاشفين فزادها تحصيلا من الأقوات، وتحصينا من الأسوار والآلات، وبنى بها البناءات العجيبة الشكل، والقباب الغريبة المثل، والبرك المتسعة، والقصور المنيفة، وغرس فيها بساتين، غرس بها من سائر أنواع الثمار إلى أن حاصر بجاية ونازلها وبنى عليها، فاستنجد الموحّدون المرينيّ، فأرسل إليه العلماء والصلحاء والأعيان، وندبوه إلى الصلح بينهم فأبى إلا عتوا وفسادا، فنهض إليه أبو الحسن وحاصره أشدّ حصار، وبنى عليه مدينة سماها المنصورة، وبقي أربع سنين محاصرا لها، مضيفا
عليها آخذا بخناقها، ونصب عليها المجانيق، وأخذ عليها المسالك من كلّ جهة، ولم يدع طريقا لداخل إليها ولا لخارج منها، وسلطانها أبو تاشفين وجميع أهلها في ضيق الخناق معهم، ولا يفكّ لهم وثاق، ولا يحلّ لهم خناق، ولا تبرق لديهم بارقة خلاص، وكانوا مع هذا التشديد الشديد في غاية الامتناع، لحصانة بلدهم وكثرة ما بها من الماء والأقوات، وكان في المدينة عين ماء لا يقوم بكفايتها، وكان يجري إليها الماء من عين خارجة عن البلد لم يعرف لها [أحد] منبعا أخفيت بكثرة البناء المحكم، ولم يظهر لها على علم إلى أن خرج أحد من يعرفها من البنّائين المختصين بسلطانها الكاشف عنها حين بنائها، فأظهرها للسلطان أبي الحسن وكشف عنها فقطعها عنهم، وأبعدها منهم، وصرفها إلى جهة أخرى فقنعوا بالعين التي في داخل بلدهم، واكتفوا بالبلالة، ولم يظهر منهم وهن ولا خور لانقطاع الميرة لما كان عندهم من المخزون حتى قدائد اللحوم ومسليات الشحوم ولم يتغير طعمها لأن بلاد الغرب مخصوصة بطول مكث المخزونات بها، فإنه ربما بقي القمح والشعير في بعض أماكنها ستين سنة لا يتغير ولا يسوّس ثم يخرج بعد خزن هذه المدة الطويلة فيزرع وينبت وخصوصا تلمسان في برّ العدوة، وطليطلة في الأندلس.
حكى ابن ظافر في كتابه المترجم ب "سياسة الملوك" أن القمح يقيم بطليطلة ثمانين سنة مخزونا في صهاريج، ثم يخرج ويزرع، قال: ولا يزيدها مدة الحزن إلا صفاء، ولا طول المكث إلا جدّة.
ونعود إلى ذكر تلمسان، فنقول: إنها منحرفة إلى الجنوب الشرقيّ <من> فاس، ولها ثلاثة أسوار ومن جهة القصبة ستة أسوار بعضها داخل بعض، ولم يهجس بخاطر أنها تؤخذ ولكن يسر الله لهذا السلطان أبي الحسن المرينيّ صعبها وذللّ له إباءها حتى ملك ناصيتها، وبلغ دانيتها وقاصيتها، وإذ قد ذكرنا قواعد الملك الثلاث فلنذكر ما لا بأس بذكره من هذه البلاد.
وأول ما نبدأ بذكره سبتة لصيتها الطائر في الآفاق لمكان بحر الزّقاق منها، وهي على ضفة بحر الزّقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض شديد الضيق من جهة الغرب، والبحر المحيط محيط بها شرقا وغربا وقبلة، ولو شاء أهلها أن يصلوها به من جهة الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة، ولها فاكهة كثيرة وبها قصب سكر ليس بالكثير، وعليها أبراج كثيرة، وأسوارها عظيمة من صخر محيط بها، وكذلك يحيط بجبل مينائها الذي بشرقيّها وبربضها أسوار، وبها حمامات يجلب إليها الماء على الظهر من البحر في الشواني وطول المدينة من السور الغربيّ المحيط على ربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال،
ولم تزل دار علم وفقه، وقد ذكر الحجاريّ أول مصنفي كتاب "المغرب" أنها أول ما بني في برّ العدوة، وهي من فرض البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كلّ جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها، وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق، وإذا كان الصّحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها من الأندلس، وشرب أهلها من الماء مجلوب إليهم من البحر من بليونش وغيرها من متنزّهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر، والأغنام تجلب إليها، والقمح لا يزكو نباته في أرضها، وإنما يجلب إليها جلبا كثيرا، وبها الصخرة التي يقال إنّ موسى ﵇ آوى إليها ولا يصحّ، وبها سمك كثير منه نوع يسمى سمك موسى نسبة إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربا، ولحمه نافع من الحصا، مقوّ للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل [موسى بن نصير]، وبه رمال ينبط منها الماء العذب، وينبعث من
أجواف على ضفة البحر، ولقرب سبتة من الزّقاق الذي منه البحر الشاميّ يقال للبحر الشاميّ البحر السّبتيّ، وكانت سبتة دار ملك للعزفيين حتى أخذها بنو مرين، تقرب بها صاحبها [إبراهيم] إلى السلطان أبي سعيد، وتغلب له عليه صاحبها محمد بن القائد عليّ العزفيّ وأخذها بالملاطفة بالسيف وسلّمها إليه وعوضهم عنها بما أرضاهم من الإحسان والضّياع والمرتبات العظيمة، وأقاموا معه بفاس ملحوظين بالإكرام والتّقديم.
ثم نذكر طنجة لأنها لا يخلو مصنف في هذا الشأن من ذكرها، لأنّها كانت دار ملك قديم وذكر شائع، وهي مدينة مسوّرة متقنة على ساحل بحر الزّقاق، وهو محطّ السفن اللطاف، وكانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام وحين الكتب القديمة المصنفة في هذا الشأن ذكرها، وهي كثيرة الفواكه، وخصوصا العنب والكمّثرى، وأهلها مخصوصون ومشهورون بقلة العقل وسخف الرأي على أن أبا الحسن بن بيّاع الصّنهاجيّ الطّنجيّ منها، وقد أثنى عليه الفتح صاحب "قلائد العقيان" فقال: طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار، ووصفه بالعلم والبلاغة والطبّ، وأنشد له أشعارا منها يصف روضة ممطورة: <الكامل>
وقفت عليها السحب وقفة راحمفبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكتببكائها وتباشرت بقطوبها
وقوله: <الوافر>
لقد جثمت بقلبك متلفاتبكلّ ثنيّة منها صريع
وقد تحمي الدروع من العواليولا تحمي من الحدق الدروع
ومن أهل طنجة أيضا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحضرميّ الطّنجيّ القائل:
<الطويل>
فؤادي وإن راموا الحمول حمولودمعي وإن بثّوا الوصول وصول
ولم يرواش كالغرام بدمعةفإنّا سكتنا والدموع نقول
وقالوا: رحيل كان قلنا: فإنّهحياة لها عنا نوى ورحيل
وضنّوا بتوديع وجادوا بتركهوربّ دواء مات منه عليل
وقد ذكرنا فيما ذكره صاحب "القلائد"، وأخرجنا للتقليب هذه الفوائد، لنعرف به أنّ من طنجة على ما نسب إلى أهلها من الحمق من هذا عنوان عقله وتبيان فضله.
ثم نذكر سجلماسة لأنها من أجلّ مدن برّ العدوة، وهي باب الصحراء إلى أرض السودان وبلاد مغزارة الذهب ولموقع عجيب في زرعها سنذكرها بمشيئة الله تعالى، فأول ما
نقول:
إنّ سجلماسة مدينة جليلة في جنوبيّ برّ العدوة متصلة بالصحراء الكبيرة، من أكبر مدن الغرب وأشهرها ذكرا في الآفاق، وعليها نهر كبير، ذات قصور مشيدة، وأبنية عليّة وأبواب رفيعة، صحيحة الهواء لمجاورة البيداء، وأرضها سهلة سبخية، ولها أرباض كثيرة، مخصوصة بأن لا يجذم أحد من أهلها، لكن تلحقهم رطوبة في أجفانهم، وبها نخيل كثير، ثمره على أصناف يحمل منه إلى عامة الغرب، ويفضل ثمرها ما سواه حتى يضاهى به تمر العراق وبتمرها يضرب في الغرب المثل، ولها بساتين خضرة نضرة، على قشف مكانها وجفاء سكانها.
قال ابن حوقل: ونهرها يزيد في الصيف كزيادة النيل، ويزرع بمائه مثل زرع مصر، وربما زرعوا الزرع ثم حصدوه، ويبقى جذره في الأرض إلى السنة الآتية، ثم يسقى فيطلع ويحصد، هكذا سبع سنين يستغلّ سبع مغلاّت ببذار واحد.
قال ابن سعيد: قال الجدّ لي: مغلّ أول سنة هو القمح، ثم المغلاّت الباقية السّلت وهو [حبّ] ما بين الحنطة والشعير، قال ابن سعيد: وأهلها مياسير ولهم متاجر إلى بلاد السودان، قال: ولقد رأيت صكا فيه حقّ على رجل من سجلماسة لآخر من أهلها باثنين
وأربعين ألف دينار.
ومدينة سجلماسة آخر العمران ليس قبليّها عمران بل منها يدخل التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والودع، ويعودون بالذهب، وليس بعدها إلا [تافلالت] في البرية إلى أولاتن وبينهما المفازة العظمى وهي أربعة عشر يوما لا يوجد بها ماء ولا يدخلها إلا الإبل المصبرة على الظمأ، وهي أرض موحشة الأقطار، مجهولة المسالك، لا يحمل سالكها على ركوب خطرها إلا الفائدة العظيمة على السودان، فإنهم يتوجهون بما لا قيمة له ويعودون بالذهب الصّامت وقر ركائبهم.
وأما زيّ هذا السلطان وزيّ الأشياخ وعامة الجند فهي عمائم طو <ا> ل رقاق قليلة العرض من كتّان ويعمل فوقها إحرامات يلفونها على أكتافهم من الجباب، ويتقلدون بالسيوف تقليدا بداويا، والأخفاف في أرجلهم وتسمى الأنمقة و [يشدّون] المهاميز ولهم [فوقها] المضمّات وهي المناطق ولكنهم لا يشدونها إلا في يوم الحرب، أو يوم التمييز وهو يوم عرض سلطانهم لهم، وتعمل من فضة، ومنهم من يعملها ذهبا، ومنها ما يبلغ [ألفي] مثقال، ويختصّ سلطانهم بلبس البرنس الأبيض الرفيع لا يلبسه ذو سيف سواه.
فأما العلماء وأهل الصلاح واسمهم عندهم المرابطون، فإنهم لا حرج عليهم في لبسه هذا ما في البرانس البيض، فأما سائر الألوان فلا حرج عليهم في لبسها كائنا من كان، ولا يدقّ طبل لأحد في سفر إلاّ للسلطان خاصة لا غير.
حكى لي السّلالجيّ أنّ بعض أرباب الحلق من مصر دخل إلى فاس وعمل بها حلقة وبقي يدقّ بطبلة له على عادته وعادة أرباب الحلق فحصل عليه الانكار وأمر بإبطاله، وضرب الطبول محفوظ لأهل بيت خاص بهم من أهل مرّاكش، هذا لبس ذوي السيوف. فأما القضاة والعلماء والكتاب وعامة الناس فقريب من هذا الزيّ إلا أنّ عمائمهم خضر ولا يلبس أحد منهم الأنمقة وهي الأخفاف في الحضر، فأما في السفر فلا جناح منهم على من لبسها، وليس لهؤلاء سيوف، ومن عادة هذا السلطان أن يعرض جنده في رأس كلّ ثلاثة أشهر ليعرف منهم الحاضر والغائب والقادر والعاجز فيخرج إلى مكان معدّ لهذا بظاهر قصوره، ويجلس على علو في ذلك المكان، ويجلس تحته الكتاب ويستدعي عسكرة بالأسماء اسما اسما، ويقابل على أسمائهم وحلاهم ثم يصرف على كلّ واحد منهم راتبه، هذا للجند الأندلسيين الذين يرمون بقوس الرّجل والفرنج، وأما سائر العسكر فلهم إقطاعات وبلاد وإحسان من رأس السنة إلى رأس السنة، والراتب يسمى بإفريقيّة البركة ويسمى بمصر والشام النقد أو الإقطاع، ولكنه لا يقاس إفريقيّة بها في هذا ولا يعرف في هذه المملكة ما هم الأمراء اسما ولا معنى كما هو بمصر وإيران بل الأشياخ الكبار والصغار كما تقدم القول فيه في إفريقيّة، فإنّه ليس في الغرب من يطلق عليه هذا الاسم كما يعرف في مصر والشام أن هذا الاسم يصدق على حقيقة رجل له عدّة من الجند.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ:
والذي للأشياخ الكبار على السلطان [الإقطاعات الجارية عليهم]: يكون لكلّ واحد منهم في كلّ سنة عشرون ألف مثقال من الذهب يأخذها من قبائل وقرى وضياع وقلاع، ويتحصل له من القمح والشعير والحبوب في تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق، و [لكلّ واحد مع الإقطاع الإحسان] في [رأس] كلّ سنة [وهو] حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محلّيان وسبنيّة، وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب إسكندري ويسمى عندهم الزّردخانة، وثوبان بياض من الكتّان عمل إفريقيّة، وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعا، وقصبتان من ملفّ يعني من الجوخ من أيّ لون كان وربما يزيد الأكابر [على ذلك]، وربما ينقص من لم يلحق بهذه الرتبة من أصاغر الأشياخ.
وأما الأشياخ الصغار فيكون لهم من الراتب والمجاسر نصف ما للأشياخ الكبار، والحصان المسرج الملجم والسيف والرمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق بهذه الرتبة فيكون أنقص.
وأما ما للجند فأعلى طبقات الجند [المقربون] إلى السلطان فيكون للرجل منهم ستون مثقالا من الذهب في كلّ شهر وقليل ما هم، وأما المعظم فأعلى طبقتهم من يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا ثم ما دونها إلى أن تتناهى إلى أقلّ الطبقات وهي ستة مثاقيل في كلّ شهر، هذا المستقرّ لهم وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع، قال: وجميع أرزاقهم ناصبة
إليهم ميسرة عليهم، قال:
ومن عادة هذا السلطان أن يجلس في بكرة كلّ يوم، ويدخل عليه الأشياخ الكبار، وهم في دولته بمنزلة أمراء التوّامين بإيران ومقدمي الألوف بمصر، ليسلموا عليه ثم يمدّ لهم سماط ثرائد في جفان، وحولها طوافير وهي المخافي فيها أطعمة ملونة منوعة، ومعها الحلواء منها ما هو [بالسكّر] ومعظمها بالعسل، ومنها النوعان موجودان إلا أنّ السكّر قليل وجمهور ما يعمل من العسل من الحلواء بالزّيت، فإذا أكلوا الطعام تفرقوا إلى أماكنهم، وربما ركب السلطان بعد هذا [والعسكر معه وقد لا يركب] فأما أخريات كلّ نهار فقلّ أن لا يركب إلى نهر هناك بعد العصر، ويخرج في مكان فسيح من الصحراء فيقف به على نشز، ويركب العسكر حوله ويتطارد قدامه الخيل فتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صفوفها المرصوصة بين يديه كأنّه حقيقة يوم الحرب واللقاء على سبيل التّمرين، ثم يعود في موكبه إلى قصره وتتفرق العساكر إلى أماكنهم، ويحضر العلماء والفضلاء والأعيان إلى مسامرته ويمدّ لهم سماط بين يديه [فيأكلون]، ويؤاكلهم في ذلك الوقت <و> لكاتب سرّه معه خصوصية اجتماع للأخذ في المهم وعرض القصص والرّقاع ويبيتون عنده أكثر الليالي إلا كاتب السرّ فإنه في بعض الليالي قد يأمره بالمبيت فيبيت بخاصته.
وأما هيئة جلوسه للمظالم، فإنه يجلس على فرش مرفوعة في قبة معلومة للجلوس له بحضرته الأشياخ [مقلّدون] بسيوفهم، فأما من لا له هذه الرتبة ولا له وضع من ذوي السيوف، فإنهم إذا دخلوا إلى مجلس السلطان وقفوا بعيدا منه مصطفين متكئين على سيوفهم، وإذا أراد صاحب الشكوى إبلاغ شكواه وهذا إنما يكون حين ركوبه وظهوره صاح من بعد: لا إله إلا الله انصرني نصرك الله، فيعلم أنه شاك فتؤخذ قصته وتعطى لكاتب سرّه فإذا رجع إلى مقرّه اجتمع مع كاتب سرّه، وقرأ عليه تلك القصة وغيرها فينظر في ذلك بما رآه، وإذا سافر السلطان وخرج من قصره، ونزل بظاهر بلده وارتحل من هناك ضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر فيتأهب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل، فإذا صلّيت صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم وطبقاتهم ومنازلهم المعلومة، ووقفوا في طريق سلطانهم صفا بجانب صفّ ولكلّ قبيل وجند علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعداه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ودارت عليه ما له من العبيد والوصفان و [العدويين] الذين هم كالنقباء ويجلس حوله ناس يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه يقرءون حزبا من القرآن الكريم، ويذكرون شيئا من الحديث الشّريف النبويّ على قائله أفضل الصلاة والسّلام، فإذا أسفر الصبح ركب وتقدم أمامه العلم الأبيض الذي هو سعد الدولة، ويقال له: المنصور، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة ببراقع الوشي، والبراقع من ثياب السّروج، وعندما يضع السلطان رجله في الرّكاب يضرب في طبل
كبير ثلاث ضربات يقال له تريال إشعارا بركوبه، ثم يسير السلطان بين صفيّ الخيل ويسلم كلّ صفّ عليه بأعلا صوته: سلام عليكم، ويكتنفانه يمينا ويسارا، وحينئذ تضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملونة خلف الوزير على بعد من السلطان، وربما ركب إلى جانبه، ولا يتقدم راكب إلا عن بعد كبير أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواص علوجه، وربما يأمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل، فإذا قرب السلطان من المنزل وضربت الطبول تتقدم الزّمّالة إلى المنزل، وهؤلاء هم الفرّاشون، وتضرب شقة من الكتّان في قلبها جلود تقوم بها عصيّ وحبال من القنّب في أوتاد، وتستدير على كثير من أخبية وبيوت الشّعر الخاصة به وبعياله وأولاده الصغار، وتكون هذه الشقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كلّ جهة باب، ويحفّ به عبيده وعلوجه ووصفانه.
قال السّلالجيّ:
وهؤلاء [بنو] مرين أكثر ميلهم إلى بيوت الشّعر على عادتهم الأولى في البداوة مع أنهم اليوم <من> أشياخهم من ضرب أخبية كثيرة مع البيوت ولهم في ذلك تنافس، قال:
ويضرب للسلطان أمام ذلك قبة كبيرة مرتفعة من كتّان تسمى قبة الساقة لجلوسه للناس فيها وحضورهم [عنده] بها، وإذا ركب هذا السلطان لا يسايره إلا بعض الأشياخ الكبار من بني مرين أو بعض عظماء العرب، وكثيرا ما إذا استدعى أحدا لا يجيء إليه إلاّ ماشيا فربما حدّثه وهو ماش معه، وربما أكرمه فأمره أن يركب، وإذا عاد السلطان إلى
حضرة ملكه ضربت البشائر له سبعة أيام، وأطعم الناس طعاما شاملا في موضع يسع الجماهير.
وشعار هذه المملكة هو اللواء الأبيض المقدم الذكر، وهو المسمى عندهم "العلم المنصور" كما وصف، وهو أبيض مكتوب بالذهب نسيجا من الحرير آي من القرآن بدائر طرّته وحوله أعلام مختلفة الألوان.
ومن شعاره إذا ركب في سفره من مدينة أو يوم دخوله أو في يوم عيد أن يركب الأشياخ حوله، وقدامه محمول سيف ورمح وترس وهي الدارقة عندهم يحملها ثلاثة من خاصّته من الوصفان، وهم من خدمة السلطان أو أبناء خدم أسلافه، وحوله من أهل الأندلس رجّالة بأيديهم [الطّبرزينات]، وهي كالأطبار، وقواد النصارى الكبار بأيديهم ذلك وهم خلفه، وقدامه خمسون نفرا مشاة، وأوساطهم مشدودة <و> بأيديهم رماح طوال ورماح قصار بيد كلّ واحد منهم اثنان طويل وقصير، [وكلّ منهم مقلّد] مع ذلك بسيف، وأمامه الجنائب وتسمى عندهم المقادات يجرّها أناس مشاة وهي مسرجة ملجمة وعلى السروج براقع حرير منسوج بالذهب وهي ثياب السروج، والسروج مخروزة بالذهب خرزا شبيها بالزّركش، وركابها ذهب مسبوك زنة ركابي السرج ألف مثقال ذهبا، فأما تحلية
السّروج بالأطواق وما يجري مجراها، فإنه لا يعرف عندهم. ومن عادته في العيدين أن لا تضرب الطبول خلفه إلا بعد أن يفرغ من الصلاة والخطبة.
قال السّلالجيّ:
وفي ليلة العيدين أو ليلة ورود السلطان على حضرته ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ومعناه أن أهل كلّ سوق يخرجون ناحية، ومع كلّ واحد منهم قوس أو آلة سلاح متجملين بأحسن الثياب، ويبيت تلك الليلة الناس أهل كلّ سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كلّ سوق علم يختصّ بهم عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم، فإذا ركب السلطان بكرة اصطفوا صفوفا يمشون قدامه، وركب هو والعسكر ميمنة وميسرة، والعلوج خلفه [ملتفون] به، والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتى يصلي ثم يعود فينصرف أرباب الأسواق إلى بيوتهم، ولا يحضر طعام عيد السلطان إلا خواصّه وأشياخه، وله طعام عام يحضره الضعفاء والمساكين.
وسألت أبا عبد الله السّلالجيّ عن أرزاق القضاة والكتاب عنده، فقال:
أما قاضي القضاة فله في كلّ يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة يزرع فيها ما يجيء منه مؤونته وعليق دوابّه، وأما كاتب السرّ، وهو الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ، فله في كلّ يوم مثقالان من الذهب، وله مجسران يعني قريتين يتحصل منهما متحصّل جيد وله رسوم كغيره على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكلّ واحد
منهما في كلّ سنة بغلة بسرجها ولجامها وسبنيّة قماش برسم الكسوة نظير ما للأشياخ الكبار إلا الثوب الزّردخاناه يعني الطردوحش، قال:
وهذان هما المحبّيان والبقية لا أعرف ما لهم، ولكن لا نسبة لأحد إلى هذين الرجلين، وإنما أعلم أنه تطلق الرواتب من المحارث والأرض للفقهاء والعلماء والفقراء والجسار وهم أرباب البيوت.
وأما ما يكتب عن هذا السلطان فمن عادته أنّه إذا كتب عنه كتاب يكتب في أوله بخطّ الكاتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبيّ ﷺ من أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين [أبي الحسن عليّ ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين] أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ، فإذا انتهى الكتاب إلى آخره وختمه الكاتب بالتاريخ، كتب هذا السلطان بخطّه في آخره ما صورته: وكتب في التاريخ المؤرخ به.
قال أبو عبد الله السّلالجيّ:
ولم يكتب أحد من ملوك بيته هذا بيده، بل كان كاتب السّر هو الذي يكتب هذا إلاّ هذا السلطان أبو الحسن وأخوه أبو حفص عمر حين حياته هذا مع وثوقه العظيم بكاتب السرّ الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ واعتماده عليه ومشاركته
[له في كلّ أمره].
وأما هذا السلطان أبو الحسن في ذاته فإنه ممن أصلح الله باطنه وظاهره، وعمر بالتقوى قلبه وسائره، يساوي العلماء ويواسي الفقراء، معدود في أبطال الرجال وشجعان الفرسان، ترد علينا أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبّت مدنهم، وهي على شفا جرف هار، قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به ظعائنها وقد أذنت بسلام، وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، رادّ لأعداء الله عن منى أطماعهم، ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، قد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه، ولقد حدّثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضيّة، وآثاره الوضيّة، وكمالاته التامّة وفضائله المنقية المرضيّة، ما لحق به من سلف من السلف، وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولا سنان، حتى يستردّ باقي ضالته المفقودة، وما استولى عليه العدوّ من الأندلس من البلاد، وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه، وهو رجل فتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء، وتأدب بآدابهم وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، أو صدف المتردي من السماك لأنقذه، لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه، ولا إلى ما تركه من الدنيا أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من صنائع آبائه ومن اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل، لا يبدرهم إلى إجابة صريح، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد مسمع فرس يصيح، بهمم غطت على
من تقدّم، وأنست: عنتر والرماح كأنّها أشطان بئر في لبان الأدهم.
وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول وبالله التوفيق:
إنّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ستّ وثمانين وستّ مئة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان، كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه [أبي حفص] عمر، وكان عمر المرشح عند أبيه أولا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس ثم أخذها أبوه منه، وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر، وكان عمر في هذه المدة ضعيفا، فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسة، وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن عليّ، ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أنّ أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشآلة، وهو موضع على مقربة من سلا، وترك ولده عليا خلفا [عنه] بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال، فأراد أخذه، وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك ولا أن تبلغه <ما> هنالك، فاغتاظ عليها وجرّد سيفا كان معتقلا به فجرحها فبلغ ذلك، أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابا، وأمر بعض الأشياخ بمسيره إليه يأمره فيه بالخروج من البلد <ة> الجديدة، وسكناه بقصبة البلد العتيقة برأسه ليس إلاّ على فرسه، وأن لا يركب معه أحد من جيشه، وسلبه عن كلّ شيء.
فلما بلغه الكتاب وهو في قصره حيث جلوسه للناس قرأه وعرف ما فيه فأخذه وألقاه على رأسه وقبله بفيه، وخرج من حينه إلى الموضع الذي رسم له فيه، وبقي محجورا مدة إلى أن
دخل العلماء والصلحاء والخطباء والأعيان فشفّعهم فيه، ورضي عنه وأعاده إلى ولاية العهد.
ثم إنّ أباه توجّه على قصد تلمسان بسبب وصول الأمير أبي زكريا يحيى صاحب بجاية إليه لاستنجاده لهم على ما تقدمت إليه الإشارة على عدوّهم المحاصر لهم، فعرض له المرض، وصدّه عن الوصول إلى تلمسان ضعف أصابه في طريقه، فرجع إلى مدينة تازي وهناك وصلته ابنة الأمير أبي بكر في الأصطول الذي بعثه إليها فرجع إلى فاس واشتدّ به المرض فمات بعقبة البقر قريب فاس، وحين مات والده وقف أبو الحسن راكبا فرسه حتى بايعه الناس ثم دخل فاسا ودفن أباه، وجلس موضعه، واستقلّ بالملك، وكتب إلى أخيه عمر يعزّيه بأبيه ويقرّه على حاله، فأبى عمر، وخرج فجهز إليه أبو الحسن ولده يعقوب ثم إنّه في آخر الأمر قصده بنفسه بالجيوش والعساكر، وأراد أن يقبض عليه، ثم دخل بينهما العلماء وأهل الصّلاح فعفا عنه وأقرّه على حاله، وكتبت بينه وبينه وثيقة مشهودة بذلك، ثم بعد ذلك خرج أبو الحسن قاصدا إلى قتال [أخيه] عمر إلى ممالأة أهل تلمسان عليه، فضرب أبو الحسن وجهه عن تلمسان إلى سجلماسة قاصدا لأخيه عمر فحاصره مدة ثم إنّه دخل عليه سجلماسة، وأمسكه قبضا باليد، ووجده قد ارتكب فظائع من المحرّمات من قتل عمّه أبي البقاء يعيش، وجمع بين حرائر ذوات عقود أزيد مما أباحت الشريعة فاستفتى أبو الحسن عليه العلماء فأفتي بقتله، ففصده في يديه وتركه ينزف دمه حتى مات، واستقلّ حينئذ أبو الحسن، وثبتت قواعد أركانه وانتشرت أعلام سلطانه.
ووالده أبو سعيد ورث الملك عن أمير المسلمين أبي الربيع سليمان بن عبد الله بن أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ.
وأبو الربيع ورث الملك عن أخيه لأبيه أمير المسلمين [ أبي ثابت عامر.
وأبو ثابت عامر ورث الملك عن جدّه أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ]
وأبو يعقوب ورث الملك عن أبيه أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ، وهو أول من
استقلّ بالملك من ملوك بني مرين.
وكان أصل انتقال الملك إليهم أن دولة الموحدين بمرّاكش كان قد انحلّ عقد نظامها، وانثلّ عقد أيامها لانهماك آخرهم على اللذات وتشاغلهم بها عن الأخذ بالحزم في الأمور، وكانت قبائل بني مرين رحالة نزالة أهل بادية ذوي بأس ومنعة، فثار فيهم أبو يحيى أبو بكر بن عبد الحقّ، وجمع الجموع وتغلب على فاس فملكها وملك غيرها من البلاد، ثم مات أبو يحيى بن عبد الحقّ، فقام أخوه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحقّ فقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبوس أبو العلاء إدريس فقتل أبو دبوس وهو آخر من كان قد انتهى إليه الملك من بني عبد المؤمن بن عليّ ومن يومئذ ظهرت دولة بني مرين واستقلّ سلطانهم بالمغرب الأقصى.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع