من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل الأول: وهو الخطابي
الصفحة ١ من ٢
اعلم أن هذا مغلق لم يكن في عزمي أن أفتح بابه، ولا أتعرض إليه لأمرين:
أحدهما لأني أخشى توغر صدر عليّ. والثاني لأن فضل الشرق ظاهر كوضوح الشمس منه، فلا يحتاج إلى قول.
ثم إنني رأيت من أهل المغرب من يطاول ممتد الشرق بباعه القصير، ويكاثر بحره الزاخر بوشله القليل، على أننا لا نجحد أن لكل منهما فضلا، وأن في كل منهما للمدح والذم أهلا، ولكنّ الأغلب يغلّب. وقد ذكر الله تعالى المشارق والمغارب في غير موضع من القرآن، فبدأ بالمشارق، وإن لم تكن الواو تقتضي الترتيب، ولكن/ (ص) مداومة تقديم المشارق لا يخفى ما فيها من معنى، ومحاسن كل شيء غالبا في الشرق أكثر، ودست ما فيها كل سلطنة بها أعظم، ولا يخالف في هذا من لم ينازع الحقّ أهله، ولقد همّ ابن
سعيد في كتاب المغرب بالتعصب لبلاده، ثم منعه الإنصاف، وإن كان في بعض الكلام قد أشار وما صرّح، مثل قوله وقد ذكر بعض الأقوال في مساحة الأرض من البحر المحيط بالصين، إلى البحر المحيط بالأندلس، وبرّ العدوة
وأن نصفها للمشرق، من البحر المحيط بالصين، إلى آخر الشام على البحر
السبتي، والنصف الآخر للمغرب، من أول الديار المصرية، وبلاد الحبشة، وما في غرب خليج القسطنطينية، وما في خطّيه عرضا، مارّا في الطول إلى البحر المحيط بالأندلس وبرّ العدوة. قال: وقد ذكر البيهقي: أن من أصحاب المساحة من قال: إن المشرق أطول وأعرض من المغرب، ثم قال ابن سعيد: وقيل: إن الذي نقّص من طول المغرب دخول البحر المحيط فيه، من جزائر الخالدات، التي هي منتهى العمارة إلى برّ طنجة. وإن قسم المشرق من أول المشرق إلى
الجزائر، التي في البحر المحيط بالصين المعروفة بصين الصين، هي أقرب في ذلك إلى المشرق من الجزائر الخالدات إلى أكثره في المغرب. ثم قال: وقد ذكر الإقليم الرابع الذي هو معظم المغرب والاعتدال أنه ليس بالمغرب فيه إلا بعض الأندلس وبعض ساحل برّ العدوة، وجمهوره غلب عليه البحر، وقد ذكر البحر الرّومي يعني الشامي، الذي سماه هنا السبتي. قال: وفيه جزائر ليست مما تقارب جزائر الهند في الكثرة. ثم قال: والإقليم الرابع في المشرق بضد ذلك، يعني ضد ما هو عليه في المغرب، لأنه ليس فيه بحر يعطّله عن اتصال (ص) العمارة، وكثرة المدن المتوالية من الشام إلى الجزيرة، إلى عراق العجم، إلى خراسان، إلى ما وراء النهر، متصلا في بلاد الأتراك، إلى يأجوج ومأجوج، فلهذا كان الشرق أعظم عمارة من المغرب، وأكثر مدنا.
ومعنى كلامه أن البحر الرّومي جاء في الجانب الغربي في موضع الإقليم
الرابع إلا قليلا منه فلم يبق به مدن، بخلاف الشرق، فإنه خال من تعطيل البحر لأرضه، فقد جاء كله مدنا، آهلة، وقرى عامرة، ورساتيق متصلة.
قال ابن سعيد: فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية.
ولما ذكر ابن سعيد: أن بعض الحكماء شبّه الأرض بجسد آدمي، وعدد أعضاءه، وجعل الصين والهند رأسه، والغرب رجله كما تقدم ذكره في هذا الكتاب قال: وبهذا التشبيه للمشرق غاية الفخر أن سلّمه إليهم المغاربة.
قلت: وفي قول ابن سعيد (أن سلمه إليهم المغاربة) في هذا الموضع، وقوله فيما تقدم: (فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية) - من الشمس بمضاهاة الشرق ما فيه، ولو اكتفينا بهذه المزية لكان فيها كفاية، لأنه أي مماثلة لجهة، أكثر ما فيها بحار ملح غامرة، بجهة كلها أقاليم ممتدة، عامرة بالمدن والقرى، والثمار والزروع، والأناسي والدواب، يسافرها المسافر كيف شاء، ويضطرب فيها حيث أراد!!!؟ وكيف تسوى بلاد جنوبها الهند، وهم من أهل العلم والحكمة، مع صفاء الألوان، وحسن الصور، وكمال التخطيط، يعمّ الأرض طيبه، وينفحها أرجه، ويداوي مرضاها عقاقيره، ويصلح أغذيتها أفاويهه، ويزيّن أسرّة ملوكها جوهره - ببلاد جنوبها حثالة السودان المحترقة ألوانهم، المشوّهة صورهم،
المختلفة/ (ص) تخاطيطهم، غاية الجهالة، والنفوس البهيمية، لا عقول لهم ولا أفهام، هم أقرب شبها من بني آدم بالأنعام. بل هم أضل سبيلا، وأذلّ قبيلا، وأقل للمعارف تأويلا.
ولو أنصف ابن سعيد حق الانصاف، وأذعن لواجب الاعتراف، لما قال فوجب التسليم من المغاربة للمشارقة، لأنه يجب للمشارقة على المغاربة التسليم في كل شيء، شاؤوا أو أبوا، اللهم إلا في القليل النادر الذي لا حكم له. أو ليس مطاهر الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا بالمشرق، إلا يوسف وموسى وهارون عليهم الصلاة والسلام، فإنهم كانوا بمصر وهي واقعة في القسم الغربي على قول ابن سعيد، إن سلم أهل مصر أنها من المغرب، أو سلم هذا من يدّعيه فيها، وعلى تقدير أن يسلم أن مصر من المغرب، فهذه السادة الأنبياء من الشرق، وكان من الشام منبعهم، وإليه عاد مرجعهم، فجموع الأنبياء صلوات الله عليهم
من الشرق، فيه موالدهم،
وإليه مباعث الرسل منهم، وبه قبورهم، ومهابط الوحي والتنزيل عليهم. وأما دخول يعقوب والأسباط ويوشع والمسيح عليهم الصلاة والسلام إلى مصر، فإنه ليس بدخول استمرار، ولا كانت بدار قرار، فهم لا يعدّون في أنبيائها، ولا يذكر خبرهم في أنبائها.
وبالشرق معارج الملائكة صلوات الله عليهم، وبه أنزلت كتب الله المنزلة، ومدّت ينابيع الشرائع، وعلت سرادقات الدين، ونشرت ملاءات الملل، وتفرعت العلوم، وانبثت التصانيف شرقا وغربا، وبه جزيرة العرب، والسلطان سلطانها، واللسان لسانها.
فأما الشعر فمنهم طالت نبعته، وعنهم طارت سمعته، والشعر هو نبعه البيان، وحلته الفضل، ولله در العماد الكاتب حيث تعصب لمشرقيته، والحق قال إذ ذكر المغرب،
قال في كتاب كتبه: وأما المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار حيلها، ومن مساربها معار سبلها، ومن حررها شرقها. وفي موج بحرها غرقها، وعندها سور النور، وفيضه في غياضها تغور، وحسبها أن الغزالة الراتعة في رياض الفلك، الكارعة من حياض الملك، إذا وصلت إلى وردها، توردت بالشفق، واصفرت للفراق من الفرق، وأصابت عينها عين العين الحامية،
وعانقتها عنقاء المغرب المعادية، ووقعت في قبضة طفل الطفل كالعصفور، وقرب منالك معادها، غداة غد يوم النشور.
إن الله يأتي بالشمس من المشرق حجة بالغة، ومحجة واضحة للحق المحقق، والمنصف المصدّق، فإن تعلق المغربيون بأذيال السماء، ولووا الأنوار أجزاء.
فالمشرقيون احتابوا حللها القشب أولا، وإن تعلقوا على أسوار أسأرها، فالعراقيون فتحوها معقلا، ثم ها أنا لي فيه كلمة قلتها:
والصبح قد وافى البشير بقربه والليل ذائب
وسرى النسيم كأنهشكوى الحبائب للحبائب
قد جاء مبتل الرداء تقول قد لمس السحائب
وأتى كغرة أدهمفجر تبدّى في الغياهب
أو ما ترى ضوء النهار وقد بدا من كل جانب
وسرت سراياه وقدغصت من الليل الكواكب
وبدا لنا وقت الصباح كأنه سمراء كاعب
ورأيت ثعلب فجرهأكل الثريا وهو لاعب
وكأنما زهر النجوم دراهم في كف هارب
وانظر إلى قوس الهلال كأنه للصبح حاجب
هذي المجرة نهرهاما فيه من شيء لشارب
لكنما الشرق المنيرأتى يدق قفا المغارب
ثم ها أنا أرجع إلى الجداد فأقول: وهل وقعت في غير الشرق الجهات/ (ص) الشريفة المعظمة، كالحرمين الشريفين، مكة، والمدينة وبيت المقدس، التي لا يشدّ الرحال إلا إليها، وكذلك جبل الطور، وهو بين القدس والحجاز. فأما الجانب الغربي في قوله تعالى: "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر". فالغربي بالنسبة إلى المكان المخصوص، لا إلى مطلق الغرب. وكان موسى حينئذ بالشام، ثم إلى جهة الشام فرّ من فرعون وملئه.
ومن أي القطرين جماعة الحواريين؟ ثم الصحابة ﵃، وقد سمعنا
فيهم بفارسي ورومي، ولم نسمع بمغربي، وهل كانت عباديد الرجال؟ وصناديد الأبطال إلا في جزيرة العرب وما والاها من الجانب الشرقي!؟
وهل جماهير الكرماء ومشاهير العظماء إلا منهم؟ فمن كرمائهم حاتم طيء، وكعب بن مامه، ثم عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن العباس،
ومصعب بن الزبير. وغير هؤلاء ممن لا يحصر. وأما من عظمائهم فما لا يعدّ كثرة، كالأكاسرة والقياصرة، والتبابعة، وملوك الترك وفرسان العرب، وبهالوين العجم.
وهل في الغرب مثل عنترة وذي الخمار سبيع بن الحارث، وعمر بن ود
العامري، ودريد بن الصمة، ومهلهل وبسطام بن قيس، وزيد الخيل، المسمى بزيد الخير، وعمرو بن معدي كرب، والزبير بن
العوام، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة، وقيس بن
سعد والأشتر النخعي، أو مثل رستم بن دستان المسمى أبوه زال واسفنديار
بن كشتاسب، وبهرام جوبين، وبهرام الأرميني مقاتل سعد بن أبي وقاص.
وهل شموس الأمة، وأقمار الأئمة إلا من المشرق!؟ مثل أبي حنيفة ومالك،
والشافعي وأحمد، وبقية الأئمة الذين انقطعت الآن مذاهبهم (ص) وبقيت في أسماء التصانيف كواكبهم. مثل الحسن البصري،
وسفيان الثوري، وطاوس. ومن عاصرهم، أو تقدم أو تأخر عنهم، أو انسحب على آثارهم من ذوي العلوم المفنّنة، والأقوال المرجحة. وكذلك أئمة المحدّثين، وأعلام الحفاظ، وحسبك أصحاب الكتب الصحاح، الشرق دارهم، ومنه امتدت أنهارهم. وانظر إلى تفاوت درجات الرواة بين أهل القطرين، تعرف ما بين الأوج الحضيض، وتعلم أنهما الصحيح والمهيض. وكفى المشارقة فخرا اتصال نسبهم القريب بالنبي ﷺ في الرواية.
وهل أطلع الغرب مثل ما أطلع الشرق من السادات الأولياء، أقطاب الأرض
من مشايخ الطريق وأئمة التحقيق. مثل عبد الله بن المبارك، وعتبة الغلام، وأبي القاسم الجنيد وأبي يزيد البسطامي وأبي الحسن النوري،
ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وسري السّقطي، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سعيد بن الجلاّء، ومن كان قبلهم، أو معهم أو جاء بعدهم من أهل هذا النمط. وتأمل رسالة القشيري، وحلية الأولياء لأبي نعيم، وتاريخ
السّلمي، والمعارف للسّهروردي، وما في معناها. هل تجد للغرب مثل ما سبق الشرق بإدراك فضله، وتحلى به من أهلّة أهله!؟ على أن لكل أرض أقطابا عليهم مدارها، ولكنهم بالشرق أشهر، ومع مكاثرة أنوار النّبوّة بها أظهر.
وأي القطرين أقدم إسلاما؟ وأقوم أعلاما، وأكثر أولادا كراما، وآثر مآثر باقية وأياما. وأيهما بادر إلى تلقي راية الفصاحة، وتلقّن آية السماحة؟ وهل وصل
إلى الغرب من السؤدد إلا ما فضل عن الشرق؟ أو لبس إلا ما أعاره من الخليع المبتذل، لما دخل عبد الرحمن الداخل، من بني مروان إلى جزيرة الأندلس، واجتمع إليه من شذاذ (ص) القوم من نفضتهم مزاود المشارق، ولفظتهم أسرّة الملك، فحينئذ صار الناس بالغرب ناسا، وإلا فقد كانوا كالبهم السائمة، فمن ذلك الوقت تكلموا باللغة العربية، وامتازوا بالنطق على الحيوان، وكان ما أخلقه الشرق لهم جديدا.
هذا بالأندلس، و (بقيت) بقية الغرب على ما هم عليه، ما تحلى لهم عاطل، ولا عرف منهم إنسان إلى المائة الرابعة، فدبّ فيهم ماء الإنسانية. وراقت فيهم بشاشة الأدب، وأضحت تعدّ مع المدن قراها، وتكلّم مع الناس أهلها إلى أيام المرابطين، ثم الموحدين، ثم ملوكها الآن من بني مرين، فإنهم مصّروا مدنها. ومدّنوا قراها، وأجلّوا جليلها، وكثروا قليلها، فصارت لا تقصّر في مضمار، ولا تردّ عن غاية.
وهل في الغرب من الفلاسفة والحكماء مثل الشرق؟ فأما قبل الإسلام فالمرجع إلى حكماء اليونان والهند. ومن اليونان مثل فيثاغورس،
وأرسطيغوس، وديوجانس، وفورون
وأفلاطون، وأرسطاطاليس، وسقراط، ومن الهند مثل
كنكه الهندي، وطمطم الهندي وصاحب كتاب السند هند في الفلك، وصاحب كتاب باقر في الموسيقا، وصاحب كتاب العدد، وصاحب كتاب كليلة ودمنة وهل مثل هذا الكتاب في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس؟ وأما من كان في الإسلام فمثل عبد الله بن
المقفع، ومحمد بن إبراهيم الفزاري، والحسن بن الأدمي، وأبي جعفر محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور المنجم، وخالد بن عبد
الله المروزي، والعباس بن سعيد الجوهري، وأحمد بن مروان السّرخسي، ومحمد بن زكريا الرازي، طبيب المسلمين غير مدافع، وأبي نصر محمد بن نصر الفارابي فيلسوف المسلمين، غير مدافع، ويعقوب بن
طارق، صاحب كتاب المثالات، وما شاء الله الهندي وأبي محمد بن (ص) ذي الدمينة الهمداني، وعمر بن فرحان الطبري، وأبي سهل بن نوبخت، وأبي جعفر بن محمد البلخي منجم المسلمين غير مدافع، وطراز
الدهر الرئيس أبي علي بن سينا، والإمام الحجة فخر الدين محمد بن عمر بن خطيب الري الرازي.
هل ولد الغرب أمثالهم، أم حدا في الأنموذج مثالهم؟ إن الدّهر بمثلهم لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو منهج الحقّ القويم، ومبهج الصدق المستقيم.
فإن قلت أيها القائل لم خلطت بهؤلاء اليونان، ومدينتهم واقعة في الغرب بلا خلاف؟ قلنا: قد نسلّم إليك أن في الغرب مدينتهم، ومن أرضه طينتهم، ولكن من الشرق أصل مددهم، وحاصل ذات يدهم، فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم، وغامض معقولهم، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم. قال لي شيخنا الحجة فريد الدّهر، وارث العلم والحكمة، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني - أطال الله بقاءه -: إن أرسطو استأثر بكتب الهند، لما غلب الإسكندر على أرضهم، واستعاد ما فيها، ثم أمر بها فحرقت، حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه، ولا تعرف إلا به. فاعرف من أين الأصل، ولأيّ الأفقين الحكم الفصل. هذا إذا لم يرد عليك من يأتي بنيانك من القواعد، ويقول صحيح إن مدينة اليونان في الغرب، ولكن قد تدبّر الجانب الشرقيّ منهم أناس، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق، وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم، والمنتصر لبلادكم أن الخليج القسطنطيني فاصل بين
الشرق والغرب.
فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيه من بذّ الأوائل واستدرك ما فاتهم من الفضائل. وأما حكماء الهند، وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون، فما سمع أن أحدا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثل (ص) ما رضوا به بدلا من أوطانه. وهذا فخر لا يدفع، ودليل لا يرفع، وعلى تقدير أن يسلم أن مدينة اليونان مفضلة بهم، وإن برحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر، اتبعوا أم ابتدعوا، فمدينتهم لتوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالمغرب، وذلك مؤيد فيما ذكرناه لكل مقال، قاطع لكل جدال، فهي شمالية لا مغربية، لا شرقية ولا غربية.
فأما أصحاب الموسيقا وإجادة الغناء، فلمن تقدّم من هؤلاء الحكماء في الموسيقا ما يؤخذ عنهم علمه اليقين، وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصبهاني، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى
الشرق أم إلى الغرب يميل سمعك، وبأيهما يهتز عطفك؟
وما قصبات
السبق إلا لمعبدها، مثل ابن مسجح،
وابن محرز، وابن سريج، والهذلي، والغريض، ومالك بن أبي
السمح، ومعبد، وحنين الحيري، وحكم الوادي، وإبراهيم الموصلي،
وإسحاق، وابن جامع، ويحيى المكي، ومخارق، وعزة
الميلاء، وبصيص، وسلامة، وحبابة، والزرقا جارية ابن
زامين، وعنان جارية الناطفي، وبدل الكبيرة، وعريب، وغير هؤلاء ممن تصغي الصمّ لسماعه، وتغني الطير على إيقاعه، يتمنى كل ذي أذن لو كان له مستمعا، ويودّ كل عضو لو تحوّل لأجله مسمعا، تملى نغماته على الأوتار، وتحلى أوقاته بالمسار، يطرّف السمع بطرائف الأناشيد،
ويطرب الجميع بلطائف الأغاريد، يسكر سامعه وما شرب بنت حان، ويهتز وما حركه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غصن رطيب، من كل مطرب ومطربة فاقا، وقاتا في صناعتهما حذّاقا، كما قال الحريري في جارية، قال: إن قرأت (ص) شفت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنت ظلّ معبد لها عبدا، وقيل سحقا لاسحاق وبعدا، وإن زمرت أضحى زنام عندها زنيما، بعد أن كان لحيله زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرءوس، وأنشتك رقص الحبيب في الكؤوس؛
وهذا أديب الأندلس بل الغرب أبو الحسن علي بن بسام قد قال في خطبة كتاب الذخيرة، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب
فقال:
لعبوا بأطراف الكلام المشققلعب الدجى بجفون المؤرّق،
وجدّوا بعيون السحر المنمقجدّ الأعشى ببنات المحلق،
فصبوا على قوالب النجوم غرائب المنثور والمنظوم، وباهوا غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، (نثر) لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاّه حكمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون (إلى) أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنّ بأقصى الشام
والعراق ذباب، لحنوا على هذا ضما، وتلوا ذلك كتابا محكما، ثم قال:
فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هناك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبعت محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلّة، وتصبح بحوره ثمادا مضمحلة.
ثم قال: وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، أو خص أهل الشرق بالإحسان؟
قلت: وكفى المشرق قضاء هذا الأديب الفريد على أهل الأندلس، وهم صفوة أهل المغرب بولوعهم بما لأهل المشرق، حتى لو نعق غراب، أو طنّ ذباب، مع تصديقه لأبي علي البغدادي في قوله، وقد قصد الأندلس: لما وصلت القيروان، وأنا أعتبر من مرّي من أهل الأمصار، فوجدتهم درجات في
الغباوة وقلة الفهم، بحسب تفاوتهم في المواضع منها، بالقرب والبعد حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاماة ومقايسة. قال: فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم، بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان بهذه الأوطان، ثم قال ابن بسام عنه وبلغني أنه كان يصله كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمقايسة، ويقول لهم: إن علمي لعلم رواية وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلت، فلم آل لكم أن صححت. قلت: فهذه شهادة لا ترد من أبي عليّ على أهل المغرب إلا الأندلس، وإقرار ابن بسام له على قوله شهادة عنه، وهذا أيضا على كثير المغرب أهل المشرق، فأما أهل جزيرة الأندلس يلغى بها ما قاله ابن بسام عن فضلاء أهلها آنفا: أنه لو نعق بالمشرق غراب أو طن ذباب لحنوا عليه ضما وتلوه كتابا محكما، وأما ما زعم من أنّ أبا علي البغدادي كان يتغطى عنهم عند المباحثة والمناقشة، ويقول إن علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية. فهذا إن صحّ وسلم إليه، عنه جوابان:
الأول: أن أبا علي كما قال صاحب علم رواية، ليس عنده إلا ذلك، وقد يكون بلي برجل جدل، أو رجال كذلك فقصرت حجته عندهم بحق وبمعاناة، فقال ذلك، ولا يخلو قطر من ذي جدل فيه. فأما لو رموا بمثل ابن سينا وأضرابه، والفارابي وأشياعه لذابت حضارتهم فهامت خفافيشهم.
والجواب الثاني: أنهم قد ألجؤوه في وقت إلى تأويل باطل لم يمنعهم منه إلا التسليم إليهم، فمن لم يستجز ذلك فقطعهم بذلك القول عن الحيلة إلى الباطل.
ويعجبني ما حكي عن الصاحب ابن عباد. قيل إنه سمع بكتاب العقد، فحرص حتى حصل عنده، فلما تأمله قال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننا أن هذا الكتاب يشمل على شيء من أخبار بلادهم، فإذا هو لا يشمل إلا على أخبار بلادنا لا حاجة لنا فيه) فرده.
وليس في الغرب أحد في هذا الباب يذكر، ولا سمع له ما يذم ولا ما يشكر، اللهم إلا ما تكلفت له على ما يأتي، ثم نأخذ الآن في:
أصحاب الصنايع العملية، وأشرفها رسم الكتابة، وما أظن أن المغاربة تتطاول إلى مفاخرة أهل الشرق فيها، ولا تنازع أهلها في القطر الشرقي، مثل أبي الحسن علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب. والولي علي التبريزي، والشيخ الكاتب عماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن هبة الله بن الشيرازي. وجمال الدين ياقوت المستعصمي. وشرف الدين محمد بن
الوحيد الزرعي، وغير هؤلاء من الكتاب ومن يطرب وضع خطهم الألباب.
وأما سائر أصحاب الصنائع والمهن وأجل الصنائع الفلاحة، ولا يقال إلا الفلاحة النبطية أو الفلاحة الرومية. وهي قوام المعايش، ومادة الرزق، وسبب العمارة، وحفظ بقاء النوع. وسمعنا يقال سيف هندي، ورمح يزني، وقوس عربية، وسردة داوودية، وبيضة عادية، وديباج خسرواني، وأطلس رومي، وصوف أذري، وقطن
سابوري، وكتان روئي وتوصف ملاءات الهند، وحبرات اليمن، وأبراد صنعاء، ووشي العراق، وغضار الصين، وفخار قاشان، وزجاج الشام. ولا أسمع للمغرب هاتفة، ولا أحس به نابسة، إلا ما كان يقال من قباطي مصر، ثم في آخر العهد من قماش نيس، ثم الإسكندرية الآن، هذا إن سلم أن مصر من الغرب، وإلا فدون التسليم (ص) ألسنة وحجج قاطعة.
فأما الملك فما أظنّ مغربيا تسمو همته إلى المجاذبة في هذا بأطراف النزاع ولا
تتعرض لأطراق الشجاع.
وبالشرق رست قواعد الخلافة مستقر الخلفاء الراشدين، وبني أمية، والدولة العباسية وما لمغربي أن يقول: كيف تلبّس الشرق حلل الخلافة، ويعرّي معاطف الغرب، وبها دولة الخلفاء من بني أمية، وبني حمّود وبني عبد المؤمن، فجوابه أننا لم نذكر إلا الخلافة المجمع عليها، ولم نذكر الناجمين بالشرق، كالعلويين بآمل كرسي ما زندران المسماة بطبرستان، وبني الأخيضر العلويين باليمامة، وأئمة الزيدين باليمن، إذ كل خلافة سوى المجمع عليها شذوذ، ولو أننا - أيها المدعي للغرب على الشرق - نظرنا من بويع بالجهتين، ونظرنا بين الفئتين لمحت سطوركم، ومحقت بدوركم، وتوهدت رباكم، وتوهنت صباكم، بما نحن نردكم إذعانا وسف طائركم خضعانا، وانقطعتم دون الغاية، واجتمعتم وما رفعت لكم راية، والتحق بالعدم وجودكم، والتحف جناح الخمول مجيدكم، ولات حين مناص، وهيهات من يد المؤاخذة خلاص.
وأما السلطنة والملك، فقد قال ابن سعيد عن السلطنة والملك: إن الاصطلاح أن لا تطلق هذه السمة إلاّ على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك، فيملك مثل الشام أو مثل مصر أو مثل إفريقية أو مثل الأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها، فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش
كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة، ومثل خراسان
وعراق العجم وفارس، ومثل أفريقيا والغرب الأوسط والأندلس كانت سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية - وقال وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب كان الفضل للمشرق. قلت: وهذا القول وإن أنصف فيه ابن سعيد، فإنه ما وفى الشرق حقه، ولا أوصل اليه مستحقه، لأنه لا نسبة لأوضاع السلطنة في المغرب بالنسبة إلى السلطنة في (ص) المشرق فأين وأين وبعد بين الأرض والسماء، والدر والحصباء، وان كنا لا نغمط الغرب حقه، ولا نجحد له فضله، وها قد نقلت عن الثقات من أهل كل قطر ما هو عليه، والمنصف لا يلجّ في الباطل ولا يجنح إلى النزاع.
وأما الخلافة فأي خلافة طاولت بني العباس، وقد عمت غالب الأرض دعوتهم، والسلطنة الشرقية عجمية الأوضاع، والسلطنة الغربية عربية الاتضاع، وفي التواريخ والسير النبأ الصادق، وهل أحد من سلاطين الغرب يماثل السلطان محمود بن سبكتكين في عظمة سلطانه واتساع بلاده، ومهابة أوضاعه؟
ومن شك فليسأل أبا نصر العتبي في تاريخه اليميني الموضوع باسم هذا السلطان، مما تقشعر الأرض وترجف به الآفاق،
ولقد حكى الصابي عن بعض الرسل قال: دعينا إلى باب مسعود يعنى ابن محمود سبكتكين بغزنة، فشاهدنا بالباب أصناف العساكر، وملوك جرجان وطبرستان وخراسان والهند والسند والترك، وقد أقيمت الفيلة عليها الأسرة، والعمّارات الملبسة
بالذهب مرصعة بأنواع الجواهر، وإذا بأربعة آلاف غلام مرد وقوف على سماطين، وفي أوساطهم مناطق الذهب، وفي أيديهم أعمدة الذهب، ومسعود جالس على سرير من الذهب، لم يوضع على الأرض مثله، وعليه الفرش الفاخرة، وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت وقد أحاط به الغلمان الخواص، بأكمل زينة، ثم قام مسعود إلى سماط من فضة عليه خمسون خوانا من الذهب، على كل خوان خمسة أطباق من ذهب، فيها أنواع من الأشربة، فسقاهم الغلمان، ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار، فيه ألف دست من الذهب، وأطباق (ص) كبار خسروانيّة، فيها الكيزان، وعلى كل طبق زرافة ذهب وأطباق ذهب، فيها المسك والعنبر والكافور، وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر واليواقيت، وشموع من ذهب في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر تلمع لمعان النار، وأشجار العود قائمة بين ذلك، وفي آخر المجلس رحى من ذهب تطحن المسك والكافور والعنبر، وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر والعنبر والفصوص واللؤلؤ شيء يقصر الوصف عنها، وذكر أشياء أخر تحير الأسماء والأسماع. ثم قال: فما بقين ولا بقوا.
أو هل أحد مثل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، وما ضمّ سلطانه من
الأقطار وحواه، مما تشتمل عليه برده الليل والنهار، فلقد ملك من الصين إلى آخر الشام، وهو مسيرة نصف يوم كالشمس أو أزيد، وخطب له على منابر هذه الممالك، من خان بالق الى غزة، وفتح له الحجاز واليمن، ولا يعلم بموته، لبعد الديار، وتنائي البلاد.
وحدثني شيخنا العلامة فريد الدهر نخبة الآفاق، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصبهاني، أطال الله مدته، وقد ذكر حسن تدبير الوزير، وزير هذا السلطان، أن السلطان ملكشاه كان في بعض صيوده بخان بالق في الصين، وأنعم على بازيارييه، وهم البزادرة بمال، فأحالهم نظام الملك الوزير على انطاكية من الشام، فشكوا إلى السلطان، فلام نظام الملك على البعد العظيم عنهم، فقال له: يا سلطان العالم أنا قصدت هذا حتى يقال إنك بالصين
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع