من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل الأول: وهو الخطابي
الصفحة ٢ من ٢
ومراسمك نافذة بالشام، وهذه بارقة تدل على ما بعدها، وعنوان ينطق بما في المضمون.
أو هل يوجد مثل السلطان علاء الدين خوارزم شاه أو (ص) ولده السلطان جلال الدين محمد، وكانت جريدة كل واحد منهما ستمائة ألف فارس يجري عليهم ديوانه، ويفترض لهم إحسانه، سوى من ينضم اليهم وينتظم من أجناس الأمم فيهم، وما بالعهد من قدم، ولا بآثارها خفاء، ولقد كان على الاسلام السور المنيع، والحجاب المسبل، وقد حكى لي الملك الكامل محمد بن السيد عبد الملك أن السلطان الملك العادل أبا بكر بن أيوب رحمه
الله كان يقوم بالليل فيتوضأ ويصلي، ويدعو الله ويقول في دعائه: اللهم انصر عبدك محمدا وأيده، وظفّره بأعدائه، ومكّن سيوفه من أعناقهم ومقاتلهم، وما هذا معناه،
فلما تكرر هذا منه قالت له أم ولده الصالح إسماعيل:
مسكين إسماعيل عن ابنها. فقال لها: كيف؟ حتى قالت: لأنك ما تدعو إلا لولدك الكبير - تعتقد أنه يدعو للملك الكامل أبي المعالي محمد - فقال:
ما أقل عقلك أبالله في ظنك أني أدعو لابني محمد؟ فقالت: نعم. وإلا فلمن؟ فقال لا والله لا والله أنا ما أدعو إلا للسلطان جلال الدين محمد خوارزم شاه فإنه السدّ بيننا وبين التتار، وهو الستر الجميل على الإسلام، فو الله ما بيننا وبين رواح البلاد من أيدينا إلا أن ينكسر، وإلا فما دام قائما نحن بخير، نحن بخير
يكررها، فلهذا أدعو له آناء الليل والنهار. قلت: ولقد صدق الملك العادل ﵀ في قوله، فهكذا كان وما زال حمى الخلافة مصونا والبلاد محمية الأطراف متماسكة القوى حتى مات السلطان علاء الدين تكش، ثم ابنه السلطان جلال الدين محمد رحمهما الله، فمالت التتار على الآفاق، وطمى سيلهم على الأرض فانتهكت حرمة الإسلام، وأخذت دار السلام، وأنهرت أوداج الأرض بالدماء، وسبت الكرائم، وترامت الهاشميات إلى دجلة، وقتل الخليفة، وشوهت الخليقة، وماج الثقلان، وكان ما كان، فرحم الله الملوك الخوارزمية، لقد (ص) جاهدوا في الله حق جهاده، وقاوموا التتار مدة سنين، إلى أن علا السيل الزبى، وبلغ الحزام الطبيبين، ولو شاء ربك ما فعلوه. فهل في الغرب من بلغ سلطانه هذا المبلغ، وعظم في الملك شأنه إلى هذا الحد، وهل فاض الملك من الشرق على الغرب، أم من الغرب على الشرق؟ قل وأنصف أيها المسؤول، ولا تقل عن المستنصر الفاطمي لما خطب له ببغداد،
فتلك سنة مظلمة كان سببها أرسلان البساسيري، لعداوة ابن
رئيس الرؤساء، ثم عاد الحق إلى أهله، بيد بني سلجوق، وقام القائم في مقامه، وقال المعاند في حر انتقامه. ولم تكن تلك العارضة إلا شبهة بقضية سليمان ﵇ إذ ألقي الجسد على كرسيه. وقد قال ابن سعيد: إن السلطان من بلغ جيشه عشرة آلاف، فأين هو ممن بلغ ستمائة ألف، ولكنه تكلم على أعظم ما عنده مما رآه في بلاده ولو تخطى خطا إلى المشرق لما قال هذا المقال، ولا ضرب عن ضرب مثل هذا المثال. ومن المشرق الأنوار تفيض وفي الغرب تغيض، فالشمس لا تصل إلى الغرب إلا وقد ضعف فعلها، وقل تأثيرها، فلا يقابلها أهل المغرب إلا منكبّة عن أفقها، مولية على أدبارها، فهي في الشرق فتية، وهي في الغرب هرمة، وشتان ما بين الحالين، وبون كبير بين الجانبين، فهذا لا يقاس أهل الغرب بأهل الشرق في حسن الصور، وبهجة المرائي، ويكفيك النظر إلى الوجوه والشمائل، وحسبنا حكاية حكاها ابن سعيد في
المغرب، قال: إن تاجرا من أغنياء العجم سمع بسلطنة بني عبد المؤمن فانتخب بالمشرق طرفا تليق أن تهدى إلى الملوك، وكتب الله سلامته حتى وصل إلى مراكش، وبها حينئذ العادل ابن المنصور وهو يخطب (ص) له بالخلافة، فقدم له تلك الهدايا، وفي جملتها مملوك تركي زعم أن قيمته عليه عشرون ألف درهم مغربية، فلم يقبله العادل ولا وجد من يبتاعه منه، وصار إذا مشى به تعجب الناس من زيّه، وذهلوا في صورته التي لم يعتادوها، فبلغ ذلك قاضي القضاة وكان صاحب ناموس مغربي، فأمره أن يغير زيّه بالزي المغربي، فقال ابن حوط كاتب العادل فيه:
بأبي شادن من الترك أبدىزيّه زهرة حوتها كمامه
متروا ردفه فأبدوا جبالاحين سارت قامت علينا القيامه
فلما لبس الزي المغربي قال أبو الربيع الداني:
يا حاكم المسلمين الله بينهموبين جائر حكم أنت مظهره
غيّرت زيا لظبي الترك ذا بدعيسبي نواظر أهل اللطف منظره
قد كان ميّز منه كلّ جارحةبشكله يقرأ التفسير مبصره
حجّبه عن أعين العشاق إن قدرتقساوة منك دون الناس تهجره
وفيه قيلت هذه الأبيات مرافدة:
فتنة الترك قد أتتمن بلاد المشارق
أيّ شخص بدا لهدينه لم يفارق
إنّ أحدا قنا بهأبدا في حدائق
لم نطق سلوةمذ بدا في المناطق
فها أنتم أهل المغرب رأيتم واحدا من أهل المشرق بزيه فتنكم حسنه، حتى خاف قاضيكم، المشفق عليكم الفتنة بحسنه وبحسن زيّه، وقال (ص) فيه شعراؤكم ما قالوا، حتى عرض أحدهم بمفارقة الدين في هواه، وما ترك خليفتهم - والله أعلم - قبوله نحلا بالعوض عنه، ولكن خوف الفتنة به، لإبداع حسنه في رأي عيون أهل المغرب، إذ لا نظير له عندهم فيقع في ظنونهم. إن مثل هذا لا صبر لأحد عنه، ولعل هذا المملوك ما كان حدّ نفسه، ولا واحد جنسه، وهل هو إلا واحد من أهل بلاد لا ينظر إليه فيها بعين الاستحسان، ولا يفرق فيها بينه وبين غيره من الغلمان. هذا وقد قال قائلكم واحتفل أن قيمة ذاك المملوك على ما زعم تاجره عشرون ألف درهم مغربية، ولعمرك لقد كثّر غير كثير، وعظّم غير عظيم، و هل الدراهم المغربية إلا الدراهم السود كل ثلاثة بدرهم نقرة من نقد مصر؟؟ وكان الترك في ذلك الوقت أغلى قيمة من وقتنا هذا بأضعاف مضاعفة، ولعله لو كان بمصر اليوم لما سوي أكثر من ألفي درهم. وكم في إصطبلات آحاد الأمراء مملوك بألفين وفوق الألفين، بل فيها من ثمنه عشرة آلاف درهم وما يزيد وينقص. فكيف لو رأيتم اليوم المماليك بمصر، وفيهم مع كثرة الجلب ورخص القيمة من بلغ ثمنه ثمانين ألف درهم، ثمنها من دراهمكم مائتا ألف وأربعون ألفا لكنتم ترون ما تحار فيه عقولكم، ويعشي لمعانه أبصاركم، وأحسن ما فعله قاضيكم في تغيير زي هذا المملوك المشرقي بالزي
المغربي، لو كان غير زيكم المغربي بالزي المشرقي فبدل القبيح بالحسن لا يعترض قائل، فيقول حسن في كل عين ما تود، وكل أحد يقول إن زيه هو الحسن، فجوابه أنه لو لم يكن في زي ذلك المملوك معنى يزيد في الحسن لما أمر قاضيكم بتغييره خوف الفتنة عليكم، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله (ص) عنه في حلق رأس نصر بن حجاج لما سمع الهاتفة باسمه وهي تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
ولقد أجاد قاضيكم لكم الاختيار، إذ لم يأمركم بتغيير زيكم بمثل زي الرشاء الأغن الأغيد، فإنكم لو لبستم ذلك الزي لما يناسب معاطفكم الرشاق، وخصوركم الدقاق، ولكنه ﵀ أحسن لكم النظر ولم يخط لكم في الاختيار.
ثم نرجع إلى ما كنا فيه فنقول: وبالشرق ما لا يماثله ما في الغرب من الحيوان والنبات والمعادن، فأمّا الحيوان فأشرفه الإنسان، وقد بينا فضل أهل المشرق منهم على أهل المغرب، بمواهب الله من النبوة والولاية والخلافة والعلوم على أنواعها، والصور الجميلة على إطلاقها. فأما ما عدا الإنسان فللشرق أيضا في أكثره بل كله التفضيل. من الخيل العراب بالحجاز ونجد والبحرين، وبلاد الفرات والشام وأطراف الجزيرة، وبراذين الروم وكيلان، وبغال الروم وأرمينية والعواصم
والشام، والجمال البغراوات البساريك والبخت ذوات السنامين، وذوات السنم، والعباديات وجمال بغداد وحلب، ومهاري بلاد مهرة وعمان والبحرين وأطراف العراق والشام، والأغنام التركية، ذوات اللوايا المستديرة، بخلاف أغنام المغرب اللواتي كأنها المعز لا لوايا لها، وغير ذلك من الحيوانات التي لا يفتخر شيء من الملابس على جلودها، كالسمور والقندس والقاقم والوشق والسنجاب والبرطاسي، والجلد الواحد من هذا الحيوان يقسم
على أنواع، كلها حسن جميل وغزال (ص) المسك ودابة العنبر، وقط الرناد وحيوان اللؤلؤ ودود الحرير، وحسن الخرنوت، والسرطان البحري، المجلوب من الصين.
وأما المعادن فكثيرة في الأرض، والذهب موجود في أماكن كثيرة بالجنوب، فبالشرق بالهند وبالدامغان، وبالغرب في غانة وبلاد السودان. وكذلك معادن الفضة في مواضع وحظ الشمال وافر منه، على أن المحيط يقذف منه ذهبا في بعض الأقطار الشمالية، على ما قدمنا ذكره.
فأما الجوهر فللشرق معظمه وأثمنه وأعظمه وأحسنه، من البهرمان واليواقيت
على اختلاف أنواعها، والماس واللعل المسمى بالبلخش، والفيروزج وما يندرج في ذلك من الأحجار.
ومن ممتهنات الأحجار: اليشم واليصم، ولو أنصفا لألحقا بالجواهر.
والفولاذ والرصاص القلعيّ.
ومن منابت الشرق العود الهندي، والبلخوج والصندل والكافور والرواند التركي، والجوزبوا والسياسة والكباب واللبان الذي يزيد على الجاوي، والسنبل والقرنفل والفوفل والفلفل، وأنواع الطيب، والأفاويه والعقاقير النافعة، والمفردات التي لا تكاد تحمد، فهل في الغرب ما يضاهي هذه المحاسن؟؟ على أنني سأورد في ذكر كل جانب ما فيه، فإذا تأمله الناظر بعينه، وتدبره بفهمه، علم أنني لم أعدل عن الإنصاف، ولا قلت
بالجزاف، وأي حاجة بنا إلى هذا نعوذ بالله من الجور في الحكم، والميل مع كفة الظلم، وقد قلنا ما بجنوب المغرب من معادن الذهب، وفي بر العدوة معادن الفضة، ولكنه لا يعود لها عائد نفع لكثرة ما يخرج على [قلة] ما يتحصل منها مثل معدن الذهب بالدامغان، وما بين مصر وما يليها (ص) من بلاد السودان معدن الزمرد والزبرجد، وبالهند معدن زمرد وزبرجد وهو الزمرد الذي يسمى المكي، والذي بجهة مصر أفضل، إن صح أن مصر من بلاد المغرب، فهذا مما لا يجحد من فضائلها، لعظيم نفع الزمرد خصوصا الذبابي منه. وما نصت عليه الأطباء، ولكنه وإن عظم نفعا، وغلا قيمة، فإنه لا يبلغ أكثر من قيمة البلخش، أو بعض أنواع اليواقيت، والذبابي ولو غلا ما غلا، وعلا ما علا لا يبلغ قيمة البهرمان، ولا يدانيه في علو الأثمان، فإن قال: بعض المغاربة: فلم لا ذكرت مع هذه المسميات ما عندنا من البلور والمرجان؟ قلنا له: صحيح، ولكن انظر إلى تفاوت الأثمان، فإن تشبّع بما ليس له، وقال: فأين أنت من الزمرد الذّبابي؟ قلنا له: فأين أنت من الياقوت البهرمان؟؟ وهل يضرب إلا به المثل، وتنشق إلا عليه مرارة الزمرد، ويحمرّ خدّ البلحش من الخجل.
ومع ثبوت هذه المحاسن للشرق فما نسلب من المغرب حلله، ولا ننقصه حقه، ولا ندعي ما ليس له. بالغرب، في وقتنا ملك صبّ على عبّاد الصليب، يدرأ في نحور الأعداء، ويجاهد في سبيل الله من جاوره منهم برا وبحرا، والغرب هو أحد جناحي الأرض، وبه من كرائم الخيل والمعادن، ويقذف بحره
العنبر، ويجيء منه الشكر لاط المنوّع، الذي لا يوجد في غير جزائر القطر العربي، والمصطكا والزعفران المنقول إلى الآفاق، وبه الدّمنج الأفرنتي وأين هو ومتى يوجد؟
وبه أنواع من العقاقير النافعة، والكتان المعدوم المثل إن صح أن مصر في القسم الغربي، على أن الهند والصين ومواضع من فارس بها الزعفران وبأودية سرنديب البلور، وقد وردت من (ص) الآيات والأخبار النبوية في فضل المغرب وجنده، ما جاء مثله أو أزيد في مواضع بالشرق كمكة والمدينة والقدس والشام واليمن، وسنورد في كل موضوع ما يليق به، ونذكر في خصائص كل أرض ما بها،
ولا ننكر أن بالغرب سادة أجلاء، وأئمة فضلاء، من ذوي العلم والحكمة، وأجادوا في النحو والأدب، ومنهم الصلحاء الأفراد، وفيهم بقايا المسكة في الدين، والتشدد في الحق. ولقد كان للأندلس بأهله حلية كأنما شعشعها الأصيل بذهبه، أو حلاّها الأفق بدرره، أو حيّاها النهار بشمسه، وحيّاها الليل بقمره، زمان بني أمية بقرطبة، وملوك الطوائف بعدهم،
وأكثر ما أعنى بني عبّاد بإشبيلية، فلقد كان الأدب بهم غضا جديدا، والإحسان طارقا تليدا، فشتت الدهر جمعهم، وطمس آثارهم، وبدلهم بعبّاد الصليب، والكنائس بالمساجد، والمذابح بالمحاريب، والله يؤيد من يقوم لاسترجاع هذه الضالة، وانتزاع هذه الأخيذة، إنه على ما يشاء قدير.
وأما بر العدوة الآن فهو على ما تقدم تفصيل حاله في موضعه، من اتساع الرقعة، وعظم السلطان، وكثرة العساكر والجيوش من شجعان الرجال، المعدود كل واحد منهم بزجال ممن لا يقص بهم للغرب جناح، ولا يقصر طماح، وإن لم يكن كالشرق في اليسار، ولا هو من الطائر قادمته اليمين، فهو قادمته اليسار، وفيما ذكرناه كفاية.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع