تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق

الصفحة ١ من ٢

الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق

والذي نقوله على سبيل التحقيق أنّ الذي صوّر في لوح الرسم على ما رسمه صاحب (ص) جغرافيا قسمة المعمور على قسمين، شرقي يلاقي فيه خطان وهميان في الطول والعرض على زوايا قائمة، وهما خطا الأطوال والعروض سمّوا ملتقى الخطين حيث انفرق المعمور على قسمين بقبة أرين، وهو وسط خط الاستواء الخارجة عنه الأقاليم إلى الشمال، والمقدّران بإقليمين إلى جهة الجنوب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في مواضع في هذا الكتاب، فلما قسم المعمورة بقسمين وقع في الغربي منها أشرف البقاع: مكة والمدينة والقدس، والطور ومصر وطور سينا، والمواضع المذكورة بصريح الاسم في القرآن والمدائن المذكورة في الحديث المشهور على قائله أفضل الصلاة والسلام. وأجلّ الأقاليم الغربية كفارس والعراق والشام وجزيرة العرب، ولم يبق للشرق بقية يباهي بها المغرب، على أنّ الأمر ليس كذلك، والله أعلم. فإنّ كلا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي، ألا ترى أنّ أهل إفريقية يعدون برّ العدوة غربا، وبرقة شرقا، وأهل برقة يعدّون إفريقية غربا ومصر شرقا، وأهل مصر يعدّون برقة غربا، وأهل الشام شرقا، وأهل الشام يعدّون مصر غربا، والعراق شرقا، وهلمّ جرّا إلى نهاية المشرق، فتبيّن حينئذ أنّ قول الشرق والغرب أمر نسبي، وإذا تبيّن هذا، وقد تقرر أنّ العالم كروي، وأنّه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونا صار مشرق هذا العالم مغربا لتلك الجهة ومغربه مشرقا،

فكيف يجوز الإطلاق، ولم يبق إلا المصطلح العرفي (ص)، والمغاربة على هذا المصطلح أعني سكان الجانب الغربي عن مصر غاية ما سمت همتهم إليه، وتعلقت أيديهم بنسبته إلى قطرهم هو إقليم مصر. ألا ترى ما قدّمناه في الفصل الذي قبل هذا من قول ابن سعيد أنّ مصر أوّل المغرب والشام أوّل المشرق

وكذلك مما قال في هذا المعنى غير ذلك، وابن سعيد هو واحد فضلائهم في هذا الشأن، ولقد تعصب لأبعد غاية التعصب ووضع في ذلك كتابه المسمى ب (المغرب في حلى المغرب)، ومع هذا فما زاد على ما ذكرنا على أنه لم يأل جهدا، ولا ترك قدرة في المقال، ولو وجد حجة لأتى بها، أو شبهة لاستند إليها، وقال ابن سعيد في كتاب (المشرق في حلى المشرق) جملة الحد في نسبهم أن الله قسم المشرق من المغرب بالبحار فما كان في شرقي بحر الإسكندرية وخليج القسطنطينية فهو من حساب المشرق وما كان في غربي ذلك فهو من حساب المغرب.

قال البيهقي: فيكون المشرق على هذا أطول من المغرب، لأن جملة المعمور اثنا عشر ألف ميل، وطول بحر الإسكندرية إلى وقوفه بسواحل الشام حسب أول المشرق أربعة آلاف ميل، فيبقى للمشرق ثمانية آلاف ميل، ويعضد ذلك الحساب بالدرج في الطول، وذلك أن العمارة تنتهي

في الطول إلى مائة وثمانين درجة، فتحتاج أن يكون النصف حيث ينتهي إلى تسعين درجة، وذلك في خراسان حيث مرو وجهاتها، ووجدنا بساحل البحر الشامي عسقلان ينتهي في الطول إلى خمس وستين درجة، فهو قدر الثلث، والمشرق الثلثان، والمشرق مع ذلك أعمر من المغرب، وذلك أن الله تعالى قرن عمارة الأرض بقربها (ص) من البحار، وأن البحر إذا بعد من الأرض أكثر من خمسة عشر يوما بطلت عمارتها، والمشرق قد جعل الله في مواضع الحرارة منه حيث قلة السكنى في الإقليمين الأول والثاني، بحار الهند والصين والزنج التي خصت بكثرة الجزر العامرة، وما يقابل هذا المكان من المغرب صحار مقفرة، إلا خيط النيل المغربي بما على ضفتيه من بلاد السودان، والإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة، والاعتدال استولى على أكثره بحر الرقاق وهو في المشرق بضد ذلك من اشتباك العمارة المتصلة. والمناظرة بين المشرق والمغرب تحتمل كتابا. وقد صنفته بالشام لضرورة دعت إلى ذلك، من شدة اتحاد المشارقة على المغاربة من كل جهة حتى قال ابن دحية في خطبة كتابه في أخبار المغرب يخاطبهم:

وإن كنتم في العدّ أكثر مفخرافلا تظلمونا في القليل الذي لنا

وسميت الكتاب الذي وضعته في ذلك (الشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة) والذي يسع هذا المكان أن يذكر ما استدل به المشارقة واستظهروا.

قال البيهقي: للمشرق الفخر بتقديمه في القرآن والحديث، وفي الحديث النبوي: (خير الأرض مشارقها) قال وهي مطلع الأنوار، وإليها كانت قبلة الأوائل، وأنى للمغرب بمفاخرة المشرق، وعندنا ظهرت مباعث النبوة، وفينا نبتت شجرة الأبوة. ومنا نشأت الدول والملل، ومن أفقنا طلع العلم والعمل، وكل شيء يفخر به فإن المشرق فيه للمغرب رأس، وكلما أحكم عندكم بنيانه وإتقانه، فمنا كان فيه الأساس. وفاخر مشرقي مغربيا فطال بينهما (ص) الكلام إلى أن قال المشرقي: لو لم يكن لنا عليكم من الفضل إلا أن الشمس التي بها إنارة العالم وحياتهم تطلع من عندنا، فقال المغربي: ونحن أيضا تطلع من عندنا في وقت. فقال المشرقي: الله لا يرينا ذلك الوقت، قال وأنشدني العماد السلماسي لنفسه:

إذا ذكر الشرق في محفلفلا يذكرن به المغرب
طلوع الغزالة في أفقناوفي أفقكم أبدا تغرب
وتشرق أنوارها عندناوعندكم نورها يسلب

ثم قال ابن سعيد ما صورته: فصل جامع مختصر يليق بهذا المكان. أمعنت النظر فيما دخلته من بلاد المغرب والمشرق، من البحر المحيط إلى خراسان، فرأيت المحاسن مقسمة لم يقصرها الله على مكان، ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التظاهر بالمروءات، والتكاثر بالمزارات، والمشاهد والمدارس، والربط والأوقاف الدارّة، التي ينتعش بها الفقراء، ويستعين بها العلماء والمتعلمون، ويحدها الملوك في بعض الأوقات الضرورية، لكن أسباب الرياسة والرفاهية، جبّارية الإمكان، عالية الإيمان، ومرافق المغرب في المركوب والملبوس والمأكول والمشروب أرخص، وأقرب مرارا، ويمكن المرء أن يتجزى في المغرب بما لا يمكنه أن يتجزى بأضعافه في المشرق لكثرة تجبرهم في العظمة الكسروية، والنعم التي لا تطمح إليها نفوس المغاربة، ولا يألفها في المغرب، والمشارقة لهم التظاهر بأمور

الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم، فإذا دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظهوارهم، بضد المغاربة، والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد، (ص) وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول والإخلاف للوعد، وقلة المبالاة والارتباط ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية، ما يقطع النفس حسرات، ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره، إلا أهل بغداد. وقال: في (المغرب) يا لله لأهل المشرق قولة غاصّ بها شرق هلا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان، لئن أرهقت بصائرهم البصرة، وأرقتها الرقتان، ومرجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإنّ منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وننشد ما قاله بعض شعرائنا في هذا الشأن:

نراح لفضل أن يكون لديكمفما بالكم تأبون إن كان عندنا
وإن كنتم في العدّ أكثر مفخرافلا تظلمونا في القليل الذي لنا

قلت: والذي قاله ابن سعيد منقوض عليه في أكثره. أما قوله إن المحاسن مقسمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التكاثر بالمزارات والمشاهد إلى غير ذلك مما ذكره فصحيح، وإنما الكثير الغالب قسم الشرق في المحاسن، ومن نظر بعين التحقيق إلى الحيوان والنبات والمعادن، وعدّ ورجّح الأكثر علم أن حظّ الشرق أوفر.

وأما قول ابن سعيد إنّ أسباب الرئاسة والرفاهية في المشرق جبّارية غالية، ومرافق المغرب أرخص وأقرب مراما. فحسبنا منه هذا القول، فإنّ المعالي غير رخيصة، ولا يخفى على ذي عقل سليم وفكر صحيح أن المدح الصريح للشرق فيما ذكره ابن سعيد، وقد كفانا الرجل (ص) بقوله همّ البحث معه ومنا قضته فإنه فرق بيّن بين من يلبس الحرير والسمور والعتك، ويركب جياد الخيل، ويقتني الغلمان الأتراك، ويأكل لحم الضأن والدجاج والإوز والحلوى، ويتخذ الطهاة لأنواع المآكل، ويدخن بالعنبر واليلنجوح، ويتطيب بالمسك، ويدّهن بالغالية. ويفخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل - وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك: جلّ ملابسه الصوف والقطن، وأطيب مأكله العجين والزيت والسمن وأكثر ما يفخر الرجل منهم إذا كانت له فرس واحدة، أو اقتنى عبدا زنجيا، أو علجا فرنجيا، فإن دخّن كان باللادن، وإن تطيب كان بالغسول، أو ادّهن كان بالزيت، لا يتنافسون في فخار، ولا يحصلون من دنياهم على طائل.

وأما قوله والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم فإذا

دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم، بضد المغاربة - فهذا الكلام باطل منقوض، فإن المشارقة لهم في بيوتهم من الفرش الغالية، والخدم والقيان المطربات، وغير ذلك من أنواع الرفاهية ما لا هو لأهل المغرب، بل ولا تسمح نفوس ملوكهم في هذا بما تسمح به نفوس آحاد من أنعم الله عليه من المشارقة، من السوقة وعوام الناس. وهل خرج توظيف الوظائف، وترتيب طبقات الخدم إلاّ من المشرق، كالطسخاناه، والفراش خانه، والشراب خاناه، وسوى ذلك، فهل للمغاربة هذا التوظيف في باطن أمر أو ظاهره، ويا ليت شعري هل صنّف كتاب الأغاني في بواطن أحوال المشارقة أو المغاربة؟؟؟ وكله بل غالبه وصف أحوال المشارقة في مجالس أنسهم، وأوقات خلواتهم بالمطربين والمطربات، والجواري الحسان المثمنات، وتفريق الجوائز والصلات.

فهل للمغاربة شيء من ذلك؟؟ وإن كان لبعض ملوكهم تلذذ فلعله لا يبلغ ما لبعض سوقة المشارقة.

وأما قوله: (والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من (ص) المسامحة في القول والإخلاف بالوعد، وقلة المبالاة والارتباط، ونبذ الحقوق ومراعاة الأخلاق الإنسانية ما يقطع النفس حسرات).

فأول هذا القول صحيح لا شك فيه إن عندهم التغاضي وترك الحقد، وقلة المؤاخذة. وهذا دليل رزانة حلومهم، وكرم شيمهم، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلق بأخلاق الكرماء، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعا لهم، يتوارثه منهم خلف عن سلف.

وأما آخر هذا الكلام فهو غير مسلّم والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين، وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين ملك المغرب وبرّ العدوة مع بني عباد ملوك الأندلس فإنهم أدخلوه إلى بلادهم، وبذلوا له الطاعة، وقدموا إليه نفائس الأموال، وأخدموه البنين والبنات. فكافأهم

بانتزاع الملك، وأخذ ابن عباد وأهله الأخذة الرابية، وقيده بالحديد، وغله وسلسله، وحمله هو وأهله في الفلك إلى أن سجنه بأغمات، ورمى أهله بالتفرق والشتات، ولم يجر عليه وهو في حبسه ولا رغيفا واحدا من الخبز، حتى كنّ بناته يغزلن للناس بالأجرة، ويطعمن أباهم، ودخل إليه بعض بناته في يوم مطير ذالق ووحل، وهي حافية القدم، لعدم قدرتها على مشترى حذاء، فبكى على حاله، وقال في ذلك الأشعار المشهورة، والأقوال المذكورة، وأدى

حال بعض بنيه بعد الملك الضخم إلى أن صار أجير صائغ يعمل بالأجرة.

ولابن اللبانة شاعره في وصف حاله وحال أولاده ما يبكي السامع، ويحزن الفرح المسرور (ص) فهذا من وفاء المغاربة، وعليه فقس بقية الأمور، وأما قوله ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره، فصحيح وهو مما تقدم القول فيه من مكارم الأخلاق، وحسن التخلق مع الناس، وللناس الظاهر والله يتولى السرائر. ولله (در) القائل:

لقد أطاعك من يرضيك ظاهرهوقد أجلك من يعصيك مستترا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إقبل معاذير من يأتيك معتذرا»

وإن سلم إلى ابن سعيد أنّ للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن، فلقائل أن يقول: صدقت للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن، والمغاربة لا لهم ظاهر ولا باطن.

وأما قوله: (نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، ومنهما يخرج اللؤلؤ والمرجان) فصحيح أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وإنما اللؤلؤ من البحر

الهندي، وما خرج منه، وأما البحر المغربي فليس فيه إلا المرجان، ليس إلا، فتأمل فرق ما بين الاثنين في اللون والكون والقيمة. وإنما تكثر ابن سعيد بما ليس له، ولو اقتصر على المرجان لسلمنا إليه، فإنه في بحر المغاربة، وإلا من أين هم واللؤلؤ وهو من بحر المشارقة!؟ والذي يظهر في معنى قوله تعالى: "مرج البحرين" أنه عن الهندي والشامي، وحيث يلتقيان في المحيط لمخرجهما منه.

وأما قول ابن سعيد: (فإن كنتم في العد أكثر مفخرا) البيت فهذا إقرار صريح منه، وممن قاله للمشارقة.

ثم قال: (وللمشرق على المغرب الفخر في كتاب الله تعالى في قوله ﷿ ﴿رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ﴾ وإن كانت الواو لا ترتبه فلا يخفى ما في التقديم، لا سيما إذا تكرر في أماكن من الاعتناء وقد تقدم مثل هذا. ثم قال:

(وأما الحديث فللمغرب فيه الفخر على المشرق، وهو قوله ﷺ: "لا يزال (ص) أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" رواه ابن بشكوال مما أخرجه مسلم في صحيحه، وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير عن عمرو بن الحمق الخزاعي عن النبي ﷺ أنه

قال: " ستكون فتنة خير الناس فيها الجند المغربي " وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تزال عصبة من أمتي بالغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قوما قياما، فيقولون غشيتم، فيبعثون سرعان خيلهم، فينظرون ويرجعون إليهم، فيقولون: الجبال سيّرت، فيخرون سجدا فتقبض أرواحهم ". قال رسول الله صلى اللّه عليه

وسلم: "خير الأرض مغاربها"، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ من فتنة المشرق. وقال ابن سعيد: (حسب المغرب وأهله هذه الأحاديث، التي لا يوجد مثلها في ذكر المشرق. وفي أماكن من المشرق وأماكن من المغرب ما هو مذكور في القرآن والحديث مثل مكة والمدينة وبابل من المشرق، ومصر من المغرب، ومكة والمدينة والشام من المشرق، وذلك كثير، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أربع مدائن من الجنّة: مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأربع مدائن من النّار: رومية وقسطنطينية وأنطاكية وصنعاء" وقد قال إدريس: يعني أنطاكية المحرقة.

وقال أبو عبد اللّه السفطي: إن المراد صنعاء بأرض الروم، وليست التي باليمن.

قال ابن سعيد: فخرج من هذا الحديث أن ليس بالمغرب مدينة من هذه المدن، التي هي من الجنة. كما أنّ لهم الفخر أيضا بأن أنهار الجنة على ما جاء (ص) في الحديث: "الفرات وسيحان، وجيحان والنيل"، وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل.

قلت: فانظر إلى ابن سعيد مع فرط تعصّبه للمغرب وأهله ما قدرأن يدعي أنّ من المغرب أشرف البقاع، ومدن الجنة، فلما ذكر الأنهار الأربعة قال: وليس منها في المغرب إلاّ واحد، وهو النيل، فما تجاوز مصر في الدعوى على كثرة ما نظر في لوح الرسم المصوّر، وطالع الكتب الموضوعة عليه، والمقالات المتفرعة فيه، ولكنه ما (تحلى بما ليس له كلابس ثوبي زور)، ولا ادعى دعوى يفضحه فيها الحق، وهذا منه غاية الإنصاف والإذعان للحق وأهله، ولو وجد في الحق سبيلا بحق إلى سوى هذا لقاله، فإذا لم يدع هذا للغرب مغربي لا يدعيه له مشرقي.

ثم قال ابن سعيد - نقلا عن البيهقي -: إن حد المغرب من الجهة التي ذكرها بطليموس في أنّ اللّه تعالى قسم الأرض نصفين ببحر جدّة وخليج القسطنطينية، على أن يجعل الديار المصرية أول الغرب، وكل هذا يؤيد بعضه بعضا في إثبات الفخار للمشرق لاشتماله على أشرف البقاع، ومدن الجنة وأجل الأقاليم العرفية كالشام والعراقين وأذربيجان وخراسان إلى نهاية المشرق.

وكلام ابن سعيد كله لمن تأمله إثبات لفضل المشرق وأهله على الغرب وأهله، وهو الحق الذي لا يمترى فيه، وقد قال الرئيس أبو علي بن سينا المدن المشرقية صحيحة جيدة الهواء، تطلع على ساكنها الشمس في أول النهار،

وتصفي هواءهم ثم تنصرف عنهم وقد تصفى، وتهبّ عليهم رياح لطيفة، ترسلها عليهم الشمس آخر النهار، ثم يتبعها طلوع الشمس في أول النهار الثاني وحال (ص) خروج الشمس عنهم حال دخول الهواء إليهم فهي صحيحة لذلك، والمدن المغربية لا توافيها الشمس إلى حين تنكب، وكما توافيها تأخذ في القصد عنها، لا في القرب إليها، فلا تلطّف هواءها، ولا تخففه، بل تتركه رطبا غليظا، وإن أرسلت رياحا إليهم أرسلتها ردية، وأرسلتها ليلا، فتكون أحكامها أحكام البلاد الرطبة المزاج، الغليظة المعتدلة الحرارة، ولولا ما يعرض من كثافة الهواء لكانت تشبه طباع الربيع، لكنها تقصر عن صحة هواء البلاد المشرقية قصورا كثيرا، فلا يجب أن يلتفت إلى قول من قال إن قوة هذه البلاد قوة الربيع قولا مطلقا، بل إنها بالقياس إلى البلاد التي في الأغوار جيدة، ومن المعنى المذموم أن الشمس لا توافيهم إلا وهي مستولية على تسخين الإقليم لعلوها، فتطلع عليهم لذلك دفعة بعد برد الليل، والرطوبة أمزجة هوائهم تكون أصواتهم باحة، وخصوصا في الخريف، وتكثر في بلادهم النوازل. انتهى كلام ابن سينا.

وقد ذكرنا في الفصل المتقدم ما ذكره ابن سعيد من أن المشرق أتمّ وأعمد، وأن الجزائر بالبحر الهندي أعظم وأكبر، وبيّنا السبب في اتساع الشرق بما اقتطعه البحر الشامي من أجل الأقاليم المعمورة، كالثالث والرابع والخامس، الواقع فيها معظم العمارة ووقوع البحر بالشرق في جنوبه حيث لا مبالاة به من الأول والثاني، فتعطل في المغرب المعمور، ولم يتعطل في الشرق إلا العاطل، بل زاد موقع البحر هناك بالشرق عمارة للشرق وحسب ما قدمنا القول فيه لأنه رطّب هواءه، وأيفع ماءه وزاده عمارة، وزانه نضارة، وأوجب به العمارة، وراء خط الاستواء، وعمّر الجزائر فيما هو داخل (ص) الإقليمين اللذين أخذ فيهما ما

لو قيس بالمعمور فيها بالمغرب لزاد عليه، فإن قيل كيف تكون جزائر في البحر أوسع من العمارة في البر المتصل؟ قلنا: الجواب أن العمارة في البر المتصل بالإقليم الأول والثاني ليست متصلة بعضها ببعض، بل يتخلل بين العمارة والعمارة من البراري والقفار أكثر مما يتخلل بين الجزيرة والجزيرة من المياه والبحار.

فأما الحيوان والنبات والمعادن فإنها بتلك الجزائر أعظم مما في عمارة البر المتصل المسامتة بلا نزاع. وانظر أشرف الحيوان وهو الإنسان، كيف صور أهل الإقليم الأوّل والثاني بالغرب: من شدّة سواد الألوان، وقحل الأجسام، وتفلفل الشعر، وتشقق مواطئ الأقدام، وبشاعة المنظر، وخفة العقل، وكيف هم أهل الجزائر فيهما بالشرق من حسن السمرة، ونعومة الأجسام، واسترسال الشعر، والتيام مواطئ الأقدام، وبهجة المنظر، ورزانة العقل، وهكذا الفرق بين بقية الحيوان بالجهتين.

وأما النبات فلا نزاع أن منابت الجزائر الشرقية وما هو في معناها كلها فاضلة كالعود الهندي، والصندل والفلفل، والكبابة والإهليلجات،

والنارجيل، والفواكه المستطابة، وليس هذا هكذا في الجانب الغربي.

وكذلك المعادن في الجهات الشرقية أفضل مما هي في الجهة الغربية، فإن قيل:

معادن التبر بغانة في الغرب قلنا وسفالة التبر بالشرق - وهي كما نقله أصحاب هذا الشأن - أكثر مما في غانة، بما لا يقاس ويزيد بأرض الزنج، فمنها ما يكون ترابه حيث أوقدت به النار فضة خالصة لوقتها، من غير ريث، وقد ذكرنا من هذا في أوائل هذا الكتاب عند ذكر تقسيم الأقاليم ما فيه كفاية (ص) ولجميع ما ذكرناه للشرق على الغرب الفضل بلا نزاع، وبه القول الفصل بلا دفاع، فكان موقع البحر بالشرق زيادة فيه، وموقع البحر بالغرب نقصا له.

وأهل المغرب أحسن رقما لديباجة الألفاظ، وأهل المشرق أحكم لقواعد المعاني، لأن الغالب على أهل المغرب العربية، وما هو منها من النظم والنثر، والغالب على أهل الشرق المعقولات وما هو منها، وإن كان في المشارقة من لا يقصر في غاية، وفيمن مضى منهم أكثر أفرادا: كبشار، ومسلم بن

الوليد، وأبي نواس، وأبي عبادة، وعلي بن الرومي، وابن المعتز والمتنبي، ومن هم من هذا النمط العالي، والسمط الغالي، سوى

القدماء، ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام ورقت عن مزاج ذلك الكلام، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب:

ففي السّلافة معنى ليس في العنب

فلقد لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن العرب، وقلبوا الأعيان وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب العجب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر، ولا تحجب به المفاخر، ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب، وأدخل على النفوس في كل أسلوب.

وأما العلوم العقلية كالطبيعي والرياضي والإلهي فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام لامعة، فالشرق فيه (ص) لا يكابر ولا يكاثر، ولا يناضل

ولا يناظر، وقد تقدّم في الفصل الخطابي الأول في هذا الباب ما إن قيل إنه خطابي فهو الحق الذي لا يجحد، والصحيح الذي لا يكذّب.

قال ابن سعيد: المتنزهات التي تقع المناظرة فيها بين المشرق والمغرب فإننا نبني الكلام فيها على ما ورد في الكتب، من أن المتنزهات المشهورة بالحسن والتقديم على سواها أربعة: وهي غوطة دمشق بالشام، والأبلّة بالعراق، وشعب بوّان بأرض فارس، وصغد سمرقند وراء النهر. وقد ذكر أبو بكر

الخوارزمي: أنه رأى جميعها، فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضل سائرها على متنزهات العالم، وجميع هذه الأماكن الأربعة قد أطنب في ذكرها البيهقي وعظمها على غيرها.

وقد رأيت غوطة دمشق وتقدم أنها أفضلها، فنبني الحكم عليها، والتي تشبّه بها من أماكن المغرب غرناطة، فنتكلم في المدينتين ظاهرا وباطنا، كلاما موجزا يحتمله هذا الموضع، وكلاهما قد أبصرته وحررت المناظرة بينهما:

أما مسوّر بمسوّر فإن غرناطة أحسن من جهة أنّ سورها غير كدر اللون،

كسور دمشق، تنبو عنه العين.

ومن جهة أن المدينة موضوعة على جبل ممتد السهل الأعلى بحيث تمهدت فيه الشوارع، وترتبت الأسواق، وقسمة النهر المعروف بنهر الذهب، وعليه قناطر يعبر الناس عليها، وهواؤها من أجل ارتفاعها أطيب وأصح، ولها زيادة أنها في وسط الإقليم الرابع المعتدل، ودمشق في الثالث، ولها كونها مكشوفة من جهة الشمال لها جبل يفصل بينها وبين هبوب (ص) النسيم الرطب ولها في الخبون جبل الثلج يهب منه في الصيف نسيم يتنسم منه روح الحياة، وهو الذي روّق أمزجة أهلها، وأكسبهم الألوان البديعة، من امتزاج الحمرة بالبياض، التي تخجل ورد الرياض، وتزيد عليها بأن المياه لا تنقطع منها صيفا ولا شتاء، لأن الأنهار تشقها وتدير الأرجاء، في داخل المسوّر، ودمشق محجوبة من الشمال منخفضة، إذا انقطع عنها الماء المجلوب لها في القنوات بقيت جيفة، وتزيد عليها غرناطة بكثرة الأنهار، فإن أنهار دمشق سبعة، وأنهار غرناطة التي تنصب إليها من جبل الثلج أكثر من ذلك، وأن أنهار غرناطة تنصب من الجبل على رؤوسها في صخور، تحسن بتقطيعها عليها، وجريتها ما بين الجنادل والحصى. وأنهار دمشق تأتي بين دمن البساتين في أرض سهلة رخوة، فيقل ماؤها، ويحدث منه من الوخامة ما هو مشهور، وكان القاضي الفاضل يقول ماء دمشق يتخلّل منه أراد أن الأزبال التي تتخذ للبساتين تمتزج معه، لأن أنهار الغوطة تشق بكليتها بساتينها، وأنهار غرناطة تخرج منها مذانب تنقي في تصرفها، ويبقى جماهير الأنهار تتخلل مروج البسائط، وتزيد غرناطة على دمشق في الفرجة العظمى بأنها تاج مشرف على بسيط يمتد نحو يومين، لا ترى

فيه إلا أبراجا كبروج السماء، وأنهارا كأنهار المجرة، ومروجا كبسط الخز، وأشجارا كالعرايس، وأطيارا كالقيان، يسافر في جميع ذلك بصرك في دفعة واحدة، من غير انعطاف. فسبحان من أفرغها في قالب الحسن، الذي لم تر له عيني مثالا، وفيها يقول أبو جعفر بن سعيد (ص):

سرح لحاظك حيث شئت فإنهفي كل موضع لحظة متأمل

وفيها يقول ابن أخيه:

غرناطة الحسن تيهيعلى دراري النجوم
أشرقت مثل عروسعلى بساط رقيم
وكلّ نهر عليهكمثل سلك نظيم
ما جرّدت كسيوفإلا لقتل الهموم

وقلعة غرناطة في أعلاها شديدة الامتناع، وقلعة دمشق مساوية معها يأخذها القتال، وتركبها المجانيق، لكنا لانغبن دمشق حسن واديها، والشرفين المحدقين به، وما احتوى عليه ذلك المنظر من القصور الزاهرة، والبساتين الفتانة، مع حسن ترتيب الأنهار واحدا تحت آخر، ومرورها في البساتين بمعظمها، ولقد نظرت من نهر ثورى في مروره بمعظمه على البستان السلطاني، المعروف بالنيرب، وما

عليه من المصانع الملوكية، وينبع ماء نهر يزيد من قلبه بحركات بديعة إلى منظر لم أر مثله في غرناطة. وتأملت الربوة حيث مقسم الأنهار، وانحدار نهر يزيد في مبانيها، وانصبابه على رأسه منها، فرأيت منظرا فتانا، يجب أن يفتخر به ويذكر. وإذا صعد المتأمل هذه الربوة امتد بصره في ألفاف الأشجار المنخفضة عنه نحو مسيرة يوم، وبان له من ذلك الموضع المرتفع ما لا يوجد في غرناطة، لمن أشرف على بسيطها إلا أنه لا تبين له أنهارها لتكاثف الأشجار عليها كما تبين في بسيط غرناطة، وكل واحدة منها مما يجب أن يتمثل فيه (ص):

ولو أني نظرت بألف لحظلما استوفت محاسنك العيون

وفي المشرق والمغرب متنزهات كثيرة، هذان أشرفها ولو لم يكن في الأندلس إلا مدينة بلنسية، وما في ظاهرها من المياه والبساتين، والبحيرة التي تقابلها الشمس فيكثر منها نور بلنسية لكفاها، فكيف وكل مكان بها ترتاح إليه النفس، ويعظم به الأنس، وفي بر العدوة أماكن للفرجة متعددة أخذها بمجامع القلوب، وأزمّة الأبصار، بليونش متنزه بظاهر سبته، على البحر في نهاية من حسن الوضع، وانحدار المياه، التي لها على الصخور دوي، والتفاف الأشجار،

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع