تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق

الصفحة ٢ من ٢

وتزخرف المباني، وكثرة الفواكه الطيبة، المختلفة الأنواع، واجتمع على ابن سعيد صاحب كتاب المغرب مع العماد السلماسي في مجلس جرى بين أهله ذكر المشرق والمغرب، وزاد في ذلك المجلس من التنقص والتهكم بالغرب حتى كاد تقوم بينهم الحرب، فكتب إليه علي بن سعيد: لو ترك القطا ليلا لنام، وهذا ما أثاره ذلك المجلس ولا ملام، العجب ممن سأل عن المغرب في ذلك المجلس المعرب: هل فيه أنهار مثل المشرق؟ أو ليس فيه أنهار، بسؤال يظلم الجور على صفحاته، ويجول الازدراء في جنباته:

رمتني سهام الدهر من حيث لا أدريفما بال من يرمي وليس برام

وإني لأقسم بمن أجرى الأنهار من الصم الجبال، وسلك بها في بسيط الأرض ذات الجنوب والشمال لو أن السائلين عن المغرب هل به أنهار؟ عاينوا من نهر إشبيلية نهرا يصعد من البحر المحيط فيه سبعون ميلا عابرا على المدينة، مصعدا إليها السفن بالأرزاق والبضائع من البحر، دون مكابدة، ثم يحدر

(ص) أمثالها الجزر دون جهد، ولم تتغير عذوبة الماء بالبحر الملح، وقد طرز الله جانبيه بطرازين من ألفاف البساتين، ذوات الثمر والظلال، ورصعهما فيما بين ذلك بمصانع درّيّة الألوان، كأنما وضعهما الخالق جل وعلا من خيم الجنان لأقروا بالتسليم إلى ذلك، وأحالوا بالتقديم على ما هنالك، ولو عاينوا خضرة سرقسطة التي حف بها من الجهات الأربع أربعة أنهار كأنما تغايرت عليها فمالت بالمصافحة والتقبيل من كل جهة إليها - لعذروا القائل:

نهر يهيم بحسنه من لم يهمويجيد فيه الشعر من لم يشعر
للشاعر مرج الكحل، اقرأ القصيدة
ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبهاإلا لفرقة حسن ذاك المنظر
للشاعر مرج الكحل، اقرأ القصيدة

وليس هذا بموضع الإطناب، وقد عزمت أن أفرغ الفكر لكتاب أجعله بين الخصمين ميزانا، وأخلده عن الجهتين عنوانا.

لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل

فأجابه العماد السلماسي كفى جوابا قول الله ﷿ (أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا). لو لم يكن للمغرب إلا طلوعك علينا منه لصمتنا له عن كل نقيصة، وأغضينا عنه فكيف وقد ملئ فضائل، وطلعت علينا منه نجوم فوائد غير أوائل، نحن أولى بالثناء عليه من الذم، وما ذا يبلغ من التكدير من رمى الحجر في اليم، وقد رأيت أن أشتغل برسالة أثني فيها على الغرائب، التي استفدناها من

المجلس، وأفرد فيها من ملح فضلاء المشرق ما يستغرب بالمغرب، إلا أني وقع لي معنى يفخر به المشرق على المغرب، نظمته على جهة المداعبة، وبعثته طلبا للمجاوبة، وهو:

ص) إذا ذكر الشرق في محفلفلا يذكرنّ به المغرب
طلوع الغزالة في أفقناوفي أفقكم نورها يغرب
وتشرق أنوارها عندناوعندكم حسنها يسلب

فأجابه ابن سعيد:

يفخر بالشرق أهل فخرقولهم بهرج شتيت
قالوا لنا الشمس في طلوعقلنا لهم عند من تبيت؟
تبيت حيث المهاد رحبوالليل فيه مسك فتيت

قلت: وقد أنصف الوداعي أحد شعرائنا المتأخرين إذ قال:

حوى كلّ من الأفقين فضلايقرّبه الغبيّ مع النبيه
للشاعر علاء الدين الوداعي، اقرأ القصيدة
فهذا مطلع الأنوار منهوهذا منبع (الأيمان) (فيه

وكذلك لقد أرضى جيراننا المغاربة بقوله:

في الغرب خير وعند ساكنهأمانة أوجبت تقدّمه
فالشرق من يثريه عندهميودع ديناره ودرهمه

ثم نعود إلى ما كنا فيه، وما نحن بصدده.

قال صاحب الكمائم: إنّ الله تعالى جعل المعمور من الأرض مقسوما على سبعة أقاليم آخذة من مغرب الشمس إلى مشرقها، والمغرب والمشرق مشتركان فيهما بالسواء، لأن كل إقليم فيها للمشرق والمغرب فيه حظ، وإحكامه في المشرق من جهة الإقليمية، والتأثيرات النجومية إحكامه في المغرب، إلا أن لمشارق الشمس في مطالعها بالمشرق في تصفية الألوان والأذهان حكم يشبه الشمس عند شروقها، ولمغاربها بالمغرب في ضد ذلك حكم يشبه الشمس عند غروبها.

قال ابن سعيد: وقد أقر بهذا الشأن لأهل المشرق على أهل المغرب الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي: في رسالته حيث قال: فإن قرطبة مسقط رؤوسنا،

ومعق تمايمنا مع سرّ من رأى في إقليم واحد، قلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، وقد جعل صاحب الكمائم ذلك (ص) سببا لتكدير أخلاق المغاربة في سائر أقاليمهم، وصيّر ذلك متعديا إلى مياههم. وقال إن الإقليم الرابع وإن كان أعدل الأقاليم فإن فعله في الألوان والخلق في رأس المشرق فوق فعله في ذنب المغرب، فقد عاينت من يرد من الغلمان الذين يفتنون الناظر من الأتراك، والخطا الذين يسكنون الإقليم الرابع عن يمين خوارزم، وجهات تركستان، وعاينت جماعة ممن يصلون من إشبيلية وقرطبة إلى بغداد وإلى بلاد العجم، فكان بين الجنسين بالنظر إلى صفاء الألوان وحسن الصور بون لا يخفى على الناقد. قال ابن سعيد: نظر البيهقي من غلمان الأتراك والخطا الصور التي تنتخب في عنفوان شبابها وبهجتها، وتهدى إلى الملوك، وأراد أن يقيسهم مع أشياخ وكهول يصلون من إشبيلية وقرطبة، بعد ما قطعوا أكثر طول الأرض، وقد شربت الأهواء المختلفة، وأعالي السني المتوالية مياه وجوههم، وسودت بشائر الحسن خدودهم، فكسفت شموسهم، وخسفت بدورهم، وذوت غصونهم، وذبل وردهم، وطحلب وردهم، فكانوا كما قال ابن حريق البلينسي في محبوبة

له نظر لها، وقد أخذ منها السّن، وصوّرها في الدرك الأسفل من الحسن:

إنّ ما كان في وجنتهاوردته السنين حتى نشفا
وذوى العنّاب من أنملهافأعادته الليالي حشفا
للشاعر أبو الحسن بن حريق، من قصيدة «عجبت من بزتي إذ أخلقت»

وأقسم بما ضمنته الخدود من وردها، واشتملت عليه الثغور من وردها وأقلته الغصون من بدورها، واحتوت عليه الأزرار من عاج صدرها (ص) لو نظر البيهقي إلى غلمان إشبيلية، وما وشاهم الحسن به من بديع التوشية لعدل بالتفضيل إليهم، وأحال بالتقديم عليهم، وأنشد في كل واحد من سربهم ما قاله أبو القاسم بن طلحة الصقلي، وقد طلعت عليه إحدى شموسهم من أقصى مغربهم:

أيتها النفس إليه اذهبيفحبه المشهور من مذهب
مفضض الثغر له مسكةقد طبعت في حدّه المذهب
أيأسني التوبة عن حبهطلوعه شمسا من المغرب

ولقد رأيت بالقاهرة غلمانا وصلوا إليها مع رسول الإمبراطور، من جزيرة صقيلية، وهي في الإقليم الرابع، قضيت العجب من كمال الحسن فيهم بين اعتدال قدّ، ودهم وهيف خصورهم، وصفاء ألوانهم، المشربة بالحمرة، التي

تعشقها النفس، وتسرح فيها العين، وحسن مجموع صورهم وتفاريقها، (فتبارك الله أحسن الخالقين).

وكأن أهل القاهرة معجبون فيهم، وتهالك في الوجد بهم جماعة من الأمراء، وتوصلوا إلى إحضارهم في مجالس أنسهم، وكانوا يحسنون الكلام بالعربية، ويعلمون مواقع النوادر على عادة نصارى صقيلية، وخفي عن الناس هنالك مراد الإمبراطور بتوجيههم، وإنما أرادوا أن يتكشفوا من الأحوال الباطنة على ما لا يتوصل إليه غيرهم، ممن لا يشفع في تقريبه حسنه، فما انفصلوا عن القاهرة إلا وقد حصلوا من الأخبار ما يسهّل طريقه إليهم، شفيع الحسن الذي لا يرد. على أني أبصرت من غلمان الأتراك ذوي الأثمان الغالية ما أرجع فيه إلى الإنصاف. وأفضلهم على غلمان أصناف الرّوم.، الذين يجلبون إلى ملوك الأندلس، وسلاطين برّ العدوة، ولقد أخبرت أنه (ص) كان بحلب منذ مدّة قريبة مملوك تركي، خلف أحد المغاربة النقاد أنه لم ير أحسن من صورته في شرق ولا غرب، وأنه أعطي مولاه ثلاثين ألف درهم ناصرية، فامتنع من بيعه، فمات على إثر ذلك. ولو قيل بالمغرب إن مملوكا بلغ هذا الثمن لم يصدق الناقل، وجعل الناس يضحكون عليه من هذا الحديث. إذ المعتاد في المغرب ما خلا الديار المصرية، أن يكون المملوك الحسن الصورة من الإفرنج

وغيرهم بخمس مائة درهم من هذه الدراهم، وهي ألف من الدراهم المغربية، فيكون عند الملك بدل هذا المملوك الذي هو بثلاثين ألف درهم كتيبة فرسان من ستين فارسا، على أنهم أكثر ما يبتاعون المماليك الذين قيمة الواحد منهم خمسمائة درهم مغربية، وستمائة ونحو ذلك. قال: وهمّم أهل المشرق في هذا الشأن مسلمة لهم، وكل هذا الذي ذكرناه هنا مما ذكره ابن سعيد. قلت: أما قوله عن علو ثمن المملوك ثلاثين ألف درهم ناصرية فهو معذور فيه، ولكنه ما عمر إلى إمام سلطاننا ورأى ما جلب إليه، وما بذل من الأثمان، ولو رأى ذلك لاحتقر ما استكبر، واستقل ما استكثر، وأما قوله: إن الدرهم الناصري بدرهمين مغربية، فقد قدمنا القول أن الدرهم الكاملي معاملها اليوم بثلاثة دراهم مغربية عتق، وهو بدرهمين مغربية جدد، ولعله أراد الجدد، وإلا فحينئذ لا يقال إنها جدد لا تكون إلا ثلاثة بدرهم. والناصرية التي ذكرها ضرب الناصر بن العزيز وهي دون الكاملية بقليل.

أما الذي ذكره من حسن غلمان الروم فغير منكور، وإنما الترك أتم صورا

وأكمل تخطيطا، وللترك حسن الوجوه، وللروم حسن الأبدان، فمحاسن الترك أفضل لأنها لا تغطى ولا تحجب، ومحاسن الروم أخفى لأنها تغطى وتحجب.

فأما شرف الجنس وبعد الهمة ووفور العقل والشجاعة فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى إن الاسكندر وهو أجل ملوك الروم بل الأرض، ولا خلاف في حكمته وفضله، وقد أقر للترك على نفسه، فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى مطاولة الترك، وقد طاولت الروم، وكان لها الغلب على الروم غالبا، ولما أتى الإسكندر بلاد الفرس رأى من رجالهم ما بهر عقله فكتب إلى معلمه ووزيره أرسطو يعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالا ذوي أصالة في الرأي، وجمالا في الوجوه لهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم (ص) هيئات وخلائق، ولو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، إنما ملكها بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا يأمن إن ظعن عنهم وثوبهم، ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم. فكتب إليه أرسطو:

فهمت كتابك في رجال فارس، فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم جميعا لأنبتت البلد أمثالهم، لأن إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرّجال، من أهل العقول والسداد في الرأي، والاعتدال في التركيب، فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وأكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل، وهو أن تستدعي أولاد الملوك، ومن يستصلح للملك، وهو مرشح له، فتقلدهم البلدان، وتولهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكا برأسه، فتفرق كلمتهم

ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على رأي واحد، ولا تجتمع كلمتهم، ففعل الإسكندر ذلك، فتم أمره. فانظر إلى ما في هذا الابتداء والجواب من تعظيم الإسكندر وأرسطو لرجال فارس، وقول أرسطو إن أرض بابل تولد مثل هؤلاء الرجال. وهذا الإسكندر قد جال الأرض غربا وشرقا فما تراه أكبر إلا أهل الشرق، ولا عظمّ إلا لهم، وإذا كان هذا قوله في فارس فكيف كان قوله في الترك وفي الهند، مع ما هو مشهور من حكايات الإسكندر مع صاحب الصين، مما اعترف له فيه بالحكمة، وأقرّ له بالفضل، مما ليس هذا موضع ذكره. فيا هل تراه ذكر أهل المغرب أو وصفهم بقول أو فعل.

وقد ذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض تشبه بطائر رجلاه بر العدوه والأندلس، وقد تقدم ذكر هذا (ص) التشبيه، ثم قال: ولا أسلم في تشبيه الأندلس برجل إلا إن أرادوا في الاعتماد عليها وعمارتها بمثل ما تعمر به رجل العروس الخالية من الخلاخل، وأشباه ذلك. وأنشد قول الصولي يخاطب

القائم بن عبيد الله الإسماعيلي الذي خطب له بالخلافة في المغرب، وكان قد وجّه لبغداد قصيدة يفخر فيها ببيئته، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها:

فلو كانت الدنيا مثالا لطائرلكان لكم منها بما حزتم الذنب

قال ابن سعيد: وأنا استحسن هذا البيت فإنه وقع في موضعه لكون البلاد التي كانت بيد القائم في ذلك الزمان من الأرض بمنزلة ذنب الطير لكونها في آخر المعمور، وكونها رقيقة ضيقة العرض في المساحة قد خنقها البحر من جهة الشمال والصحراء من جهة الجنوب، وهذا البيت هو الذي حرّك همّة القائم، وقال والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على الديار المصرية من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بحضرتها وإن كان قد عاث في أطرافها برا وبحرا على ما هو مذكور في التواريخ، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن التي دهمته في إفريقية، فكان الظافر بالديار المصرية المعزّ بن المنصور بن القائم، وتوالت عليها خلفاؤهم، وخطب لهم باليمن والحجاز والشام والجزيرة والعراق، وخطب لمستنصرهم الذي جاز في الخلافة ستين سنة في حضرة الإمامة بغداد سنة، وخطب للنزارية

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.