تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق (٢)

الصفحة ١ من ٢

الإسماعيلية منهم ببلاد العجم.

قال ابن سعيد: وهم إلى الآن في بلد الموت، ولهم يخطب هؤلاء الإسماعيلية (ص) الذين في قلاع الشام فكان حديثهم المترتب على ذلك البيت من عجائب الدنيا، ولم تزل إمامتهم التي كانت قد رسخت في الأرض ودوخت الملوك إلا السلطان الأعظم الناصر صلاح الدين بن أيوب رحمة الله عليه. وملأ البلاد التي كانت بأيديهم بالخطب العباسية. قلت: لقد مرّت به

ليال طوال من حذر الإسماعيلية الأدناس، وخوف ما يتوقاه منهم من غوائل البلية، ثم ما زال منذ طهّر مصر من تلك الأدناس، ونظفها من وسخ أولئك الناس، حتى انقاد معها له ما وراءها، وتبعها ما خلفها، وأعاد إليها طلاوة الدين، ورونق الإيمان على أننا لا ننكر لأواخر تلك الدولة المصرية فضلا سلف إلى سلفنا، وقد وردوا إليهم من المدينة الشريفة فأكرموا وفادتهم وأجزلوا صنائع الإحسان إليهم، ولكن الحق أحق أن يتبع، وما على قائل القول الصدق جناح، فرحم الله صلاح الدين، وأصلى نار الكمد قلوب المعتدين. هـ.

قال ابن سعيد ومما يتكلم فيه من أحكام المناظرة بين المشارقة والمغاربة - النبوة، وهذا الفخر مسلم للمشرق، وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الرسل منهم ثلاث مائة وخمسة عشر، منهم خمسة عبرانيون، وهم: آدم وشيث وإدريس ونوح

وإبراهيم، وخمسة من العرب: هود وصالح وإسماعيل، وشعيب ومحمد.

وغيرهم من بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد عدد صاحب الكمائم مباعث الأنبياء في الأرض، وهي المواضع التي بعثوا فيها، ولم يذكر بالمغرب إلا منف حاضرة مصر، التي بعث فيها موسى ﵇ لفرعون، ويوسف ﵇، ودخلها يعقوب والأسباط ويوشع، وفرت مريم ﵍ بابنها المسيح إلى البهنسا من أرض مصر، فجمهور مباعث الأنبياء ﵈ بالمشرق (ص) والفضل العام منه للشام، والخاص لجزيرة العرب بخيرة الرسل ﷺ، وعليهم أجمعين. ومباعث جزيرة العرب مكة، بعث فيا آدم ﵇ إلى ولده، وبعده ابنه شيث، وبعث بها إسماعيل إلى إخوانه، وبعث فيها محمد ﷺ، وذكر الأزرقي في كتاب مكة أن ما

بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا، جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك. وتفخر المدينة وإن لم تكن مبعثا لنبي بأنها مهاجر سيد المرسلين وخاتم النبيين، ومدفنه ﷺ. ومبعث هود بالأحقاف، مما يلي اليمن، وهنالك قبره، ومبعث صالح بوادي القرى بالحجاز، ومبعث شعيب في أرض مدين، التي تلي أرض مصر والشام.

وقد عدّ الماوردي أنبياء جملة بعثوا إلى أرض سبأ باليمن، وأن أهلها ما نزل بهم العذاب حتى كذبوهم، والرّسّ من جهة عمان مبعث نبي،

وكذلك حضور وعدن وبلاد بني عبس. وأما الشام فالفخر الأعظم منها للبيت المقدس، بناه داود وأتمه سليمان ﵉، وتوارثه بنوه، وهو كان يجمع أنبياء بني إسرائيل ﵈. وولد المسيح ﵇ ببيت لحم، على مقربة منه، وقبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف في المكان

المعروف بالخليل. ومدائن لوط محسوبة من الشام، والبثنيّة من عمل دمشق، موضع أيوب على جميعهم السلام، وبعلبك بعث إليها يحيى بن زكريا ﵉، وبها قتل، ونينوى من بلد الموصل بعث إليها يونس ﵇، وبابل بعث إلى نمرودها إبراهيم ﵇. ومواضع الأنبياء والصحابة ورؤوس الصالحين مسلم الفخر الجمهوري فيها للمشرق، وقد كان بالمغرب (ص) الأقصى والأندلس من ادعى النبوة مثل صالح البرغواطي، والمعلم

الشنتيري ولا نعلم نبيا ظهر بالمغرب ما خلا الديار المصرية على ما ذكر قبل.

قلت: وهذا صالح البرغواطي والمعلم الشنتيري كلاهما نكرة ومجهول لا يعرف، وفي أفسح العذر من سمع بهما فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.

قال: وأما الخلافة فشأنها أيضا مسلم للمشرق، إذ الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم منه ظهروا، وفيه كانت أقطاب خلافتهم، فأبو بكر وعمر

وعثمان ﵃ كان قطب خلافتهم المدينة، وبها قبورهم، وعلي ﵁ فكان قطب خلافته الكوفة، وبها قتل وفيها قبره على

الاختلاف الذي جاء فيه، وفيها بويع بالخلافة الحسن بن علي كرم الله وجهيهما. وأخذ ابن سعيد يذكر ما استقرت عليه قواعد الخلافة بالشام، ثم بالعراق، مما كله بالمشرق، وقد تقدمت الإشارة إلى مثل ذلك. ثم قال: وهذا هو الفخر المسلم. وقد كان بالمشرق أقطاب خلافة غير مجمع عليها، إلا أنها كانت خلال سحائب، ولمع بوارق. وأما المغرب في شأن الخلافة فلم يكن به قط خليفة يجتمع عليه، وكان فيه من الخلفاء المتفردين به إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي رضوان الله عليهم وبنوه، خطب لنفسه بالخلافة في سبتة وجهاتها من المغرب الأقصى في مدة هارون الرشيد، وتوارث بنوه الخلافة هنالك، ودارت

أقطابهم بين سبتة وبصرة المغرب وفارس وتلمسان، وما قطع الخطبة لهم من المغرب إلا ظهور الخلافة العبيدية، التي أولها عبيد الله المهدي الإسماعيلي من ولد الحسين رضوان الله عليه، توارثها بنوه بعده بالمغرب ودارت أقطاب خلافتهم (ص) بين رقادة والمهدية والمنصورية، والقاهرة بمصر إلى أن أزالها السلطان الأعظم صلاح الدين رحمة الله عليه بخلع العاضد آخر خلفائهم، ولم تكن بالمغرب خلافة أعظم منها، لأنهم كان يخطب لهم من

الديار المصرية إلى البحر المحيط، جميع نصف المعمور في الطول، وخطب لهم بجزيرة صقلية، وفاضت خلافتهم من المغرب على المشرق، فخطب لهم باليمن والحجاز وعمان والبحرين، والشام والعراق والجزيرة، وخطب لهم في بغداد أيام فتنة البساسيري، وإخراج الخليفة القائم منها إلى جزيرة عافة، وما ردّ الخلافة العباسية إلى بغداد مع الاعتناء الإلهي إلا الدولة السلجوقية، إلا أنهم لم يخطب لهم بجزيرة الأندلس لأن أعداءهم (بني) أمية كانوا قد استولوا عليها وتوارثوها، وأول من اقتطعها عبد الرحمن الداخل المرواني، فتوارثها بنوه ولم يخطب لهم بالخلافة إلى أن ولي الناصر عبد الرحمن المرواني، فخطب له بالخلافة في مدة المقتدر، وتوارث بنوه هذه السمة إلى أن وقعت الفتنة فيما بينهم، فدخلت عليهم الخلافة الحمّودية، وبنو حمّود من ولد إدريس الحسينيين المتقدمي الذكر، وعادت المروانية، ثم انقرضت. وأقطاب الخلافتين دائرة على قرطبة والزهرا والزاهرة، ثم ضعفت خلافة بني حمود وبقيت في مالقة وسبتة، ثم انقطعت إلى أن نشأت خلافة بني عبد المؤمن بقيام مهديهم محمد

ابن تومرت، وهو ينسب إلى بني إدريس الحسنيين، وقد أثبت نسبة الشريف الإدريسي صاحب كتاب أجّارو كتاب (الدوحة المايسة في أخبار الأدارسة)، ولم يسم بخليفة ولا أمير المؤمنين، بل خطب له بالمهدي المعلوم للإمام المعصوم وعهد بالخلافة لعبد (ص) المؤمن. وهو - أعني عبد المؤمن - قيسي ليس بقرشي، فلا يصح له خلافة. ثم قال: فتوارثها بنوه وخطب لهم من برقة إلى البحر المحيط وبجميع الأندلس.

وإذا تعرضنا للمناظرة في الأشخاص سلمنا جمهور الفخر أيضا للمشرق، إذ الخلفاء الأربعة فيه، وغيرهم من الخلفاء المرضيين إلا أنهم شبّهوا الناصر المرواني في حزمه وجبره للدولة وصولته بالمعتضد، وشبهوه في طول المدّة

في الأمر بالناصر لأنه ملك خمسين سنة ونصف، وشبهوه في كثرة البنيان وعظمة ما أنفق عليه بالمتوكل، وشبهوه بالحركات والغزوات بالمعتصم، وشبهوه في الجود بالرشيد، وشبهوا ابنه المستنصر في العدل والزهادة وردّ المظالم، وتغيير المنكر بالمهتدي، وشبهوه في حب العلوم واقتناء كتبها

بالمأمون. وشبهوا المستعين في التجرد لطلب ما خاصمه فيه الزمان من الخلافة ومآل أمره إلى القتل بسميه المستعين، وشبهوه في الشعر بالرشيد، وأنشد صاحب الذخيرة قول المستعين:

عجبا يهاب الليث حدّ سنانيوأهاب سحر فواتر الأجفان
وأقابل الأهوال لا متهيبامنها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمىزهر الوجوه نواعم الأبدان
هذي الهلال وتلك شبه المشتريحسنا، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهن السلوّ إلى الهوىفقضى بسلطان على سلطاني
وأبحن من قلبي الحمى وتركننيفي عزّ ملكي كالأسير العاني
إن لم أطع فيهن سلطان الهوىكلفا بهنّ فلست من مروان
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما لي على شرفي ورفعة شاني»

وقول الرشيد:

ملك الثلاث الآنسات عنانيوحللن من قلبي بكل مكاني
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
مالي تطاوعني البرية كلّهاوأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلاّ أنّ سلطان الهوى- وبه قوين - أعزّ من سلطاني
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

وفضّل أبيات المستعين وزهزه لها وأطنب في الثناء عليها. وكان في خلفاء العبيدين ممن ذكرت صولته وعظمت آثاره المنصور بن القائم عبيد الله المهدي، وهو مشبّه عندهم بالمنصور العباسي، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة وأصفقت عليه الحروب وكاد يسلّ من الخلافة، فهب له ريح النصر وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وأخبارهما في ذلك مذكورة مشهورة والمعز بن المنصور طمحت همته إلى أن ترك إفريقية لبعض غلمانه وخدامه، وتجهز إلى مصر بعد ما أنهض لها مولاه جوهرا ففتحها وبنى له

حضرة القاهرة، وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم والاستيلاء، كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة، وظهر من ابنه العزيز من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال أحسن من أيام العزيز، وكان من عجائبهم المستنصر فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق، وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأسد ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه (ص) واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالا إلا ما تراه عليّ وتحتي.

وعبيد الله المهدي أوّل خلفائهم يشبّه بالسفاح أول خلفاء بني

العباس، فإنّ السفاح خرج من الحميمة بالشام طالبا الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويثبت دعوته، وعبيد الله خرج من سلمية في الشام وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أزكيت عليه، وأبو عبيد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر وبايعه صاحب دعوته. وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته، وأصبح - أو سلمه - مقتولا في حضرة السفاح، فينسب قتله إليه.

وأما أدارسة الغرب فإن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃ فرّ من وقعة فخ بظاهر مكة حين كانت الهزيمة على العلويين من قبل أصحاب الهادي، وقتل سليمان ابن عبد الله بن الحسن طالبا الخلافة، فتنكر إدريس وصار ملاحا في بحر جدة، وتنقل في بلاد المغرب إلى أن ثار

وأدرك الخلافة بسبتة أقصى المغرب، وتوارثها بنوه، فكان أحد رجال العالم المتغلغلين في طلب الأمر حتى أدركوه، وهو مشبّه بالسفاح والمهدي في افتراغ الدول والابتداء لها، إلا أنهما كان لهما داع وطّد دولتهما، وإدريس ليس له داع إلا نفسه.

وكان من عجائب الأدارسة بالمغرب جنون بن أبي العيش ابن حنّون بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، قدمه جميع بني إدريس عليهم، وصحت له الخلافة فيهم، وكان له خمسة وعشرون ولدا ذكرا منهم جنّون بن حنون (ص) الذي أضرم المغرب نارا. ومنهم محمد بن جنون نازع أباه رواء الخلافة، وحاربه واستولى على بصرة المغرب، وعظم فيها أمره. ومنهم الحسن الأعور ابن جنّون ادعى النبوة في تسادلا في المغرب.

ومن عظماء الأدارسة الذين يجب أن ننوه بأفعالهم الناصر علي بن

حمود جاز من سبتة البحر إلى الأندلس وقلب الدولة المروانية وصيرها علويّة، واستولى على قطب الخلافة قرطبة، وسيق إليه الخليفة المستعين المرواني فضربت عنقه بين يديه.

ورسخت الدولة الحمودية بالأندلس، وكان منهم العالي إدريس بن يحيى بن علي الناصر بن حمود، خطب له بالخلافة بمالقة وغرناطة وسبتة، وكان من ألطف الخلفاء مجالسة، وأحبهم في الأدباء والشعراء، وكان يشبّه بالرّاضي العباسي، وهو الذي

لما أنشده ابن مقانا الشاعر قصيدته التي منها:

وكأن الشمس لما أشرقتفانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن عليبن حمّود أمير المؤمنين

والعالي وراء الحجاب على عادة خلفائهم في ذلك، فلما بلغ الشاعر إلى قوله:

انظرونا نقتبس من نوركمإنه من نور رب العالمين

أمر برفع الحجاب حتى نظر إليه.

وأما بنو عبد المؤمن وهم ينسبون إلى بني سليم بن قيس، فإنّ مهديهم نصّ على عبد المؤمن فولي الخلافة وتوارثها بنوه، وهو الذي افتتح البلاد، وقهر العباد، واستولى على حضرة مرّاكش، وقتل أمير المسلمين تاشفين، وأخذ الأندلس من أيدي الثوار بها، والغرب الأقصى والغرب الأوسط وأفريقية والمهدية

استرجعها من أيدي الفرنج فكان ممن عظم صيته (ص) وأغربت أخباره، وأعظم ولده الموسومين بالخلافة:

المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن ظهرت منه شهامة عظيمة، وهمة عالية، واعتناء بالعلوم، وبنى المقابر العظيمة بمراكش، ورباط الفتح، وإشبيلية، وضبط الأمر بهيبة تملأ الصدور، وغزا بنفسه نصارى الأندلس فهزمهم الهزيمة التي أذلتهم، وأناح بعساكره على قاعدة أعظم ملك لهم وهي طليطلة، فحصرها وقطع أشجارها وعاث أجناده في ظواهرها، وفتح ما فتح من قلاعها.

وكان منهم المأمون بن المنصور قلب الدولة عن قواعدها، وأسقط اسم مهديهم من الخطبة، وارتكب من الأهوال ما لا يسع ذكره إلا ترجمته، وهو مشبه بمأمون بني العباس في القيام على أخيه، والنهوض في الفتن وقلب الدول، لأن المأمون صيّر الدولة علوية، وأزالها عن بني العباس. وكان قد نزع منزع المأمون في التنويه بالعلماء والمناظرة في مجلسه، وإدرار الأرزاق عليهم، وكان للشعراء منه حظ عظيم. قال ابن سعيد: وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب كان الفضل للمشرق، وذلك أنّ ما كان بأيدي المسلمين منه هو سلطنة السند التي تداولها القرشيون وتوارثوها، وكان سريرهم بها مدينة المنصور، وما زالوا يتوارثونها إلى أن غلبت عليهم سلاطين العجم، وأضافها السلطان محمود بن سبكتكين إلى بلاده، وملكها شهاب الدين الغوري، صاحب غزنة، وآل أمرها إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن

تكش، ولما فرّ أمام التتر ومات في بحر طبرستان تماسك ابنه جلال الدين بما بقي من العساكر والبلاد تبعه التتر، وقاتلوه في بلاد السند (ص) وهزمهم وهزموه، وآل حاله معهم إلى أن أسلمها لهم، وطلب الغرب نحو أذربيجان وبلاد الكرج وأرمينيه، وكان بأيدي المسلمين من بلاد الهند ما يستحق أن يسمى سلطنة، لأنه كان عدة ممالك جليلة، ولا سيما مذ فتح فيها محمود بن سبكتكين ما فتح، وأضاف إلى ذلك شهاب الدين الغوري ما أضاف، وآل أمرها إلى أن ملكتها امرأة، واستولى عليها التتر بضرائب معلومة لهم.

وما وراء النهر كان سلطنة عظيمة ذات ممالك كبيرة افتتحت مذ أول الإسلام في زمن قتيبة بن مسلم وعظمت شيئا فشيئا، وكان كرسي سلاطين بني سامان فيها حضرة بخارى ومن بني سامان أخذها الأتراك الخانية وكان بينهم وبين محمود بن سبكتكين مرة حرب، ومرة صلح، إلى أن استولى عليها السلجوقيون، ثم صارت بعدهم لخوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه

أخذها التتر.

وأما خراسان فإنها سلطنة عريضة نابهة الذكر في القديم والحديث، وفيها قتل يزدجرد آخر سلاطين الفرس، فانقرضت دولتهم وكان سريرها في مدة طاهر بن الحسين وبنيه مرو ثم نيسابور إلى أن أخذها منهم

الصفار، ثم قبض عليه بنو سامان فانضافت إليها، واستولى عليها محمود ابن سبكتكين بعد ذلك، وتداول عليها ولاة بنيه، وسرير سلطانهم بمدينة غزنة إلى أن استولى عليها السلجوقية وعاث فيها الخطا بعد ذلك، وكانت فيها فتن إلى أن انضافت للسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر. وأما غزنة وما انضاف إليها من بلادها وجهاتها وبلاد الغور فإنها كانت في الدولة السامانية (ص) مخصوصة بسبكتكين، ولما استولى محمود على الممالك الجليلة والسلطنات العظيمة اتخذ غزنة سريرا له، وكذلك فعل بنوه إلى أن دخلها سنجر شاه سلطان السلجوقية، وآل أمرها بعد ذلك إلى أن ملكها

الغوريون، واستحوذ عليها التتر عند خروجهم على خوارزم شاه. وأما خوارزم فقد كان السلاطين الذين ملكوها في مدّة السامانية يدارونهم ويخطبون لهم، لعظم السامانية إلى أن صارت لهم، ثم صارت لمحمود بن سبكتكين ثم للسلجوقية، ثم ملكها تكش ثم ابنه محمد المعروف بخوارزم شاه، وجاءت الممالك إليه وانثالت من كل جهة عليه، وصارت له خوارزم وما وراء النهر وغزنة وخراسان وجرجان وما انضاف إليها من بسطام ودهستان ومازندران وعراق العجم وكرمان وسجستان وفارس فعظم أمره، وعزم على قصد العراق، فرده الله عنه، ثم دهمه خروج التتر فتشاغل بهم، فلما هزموه وفر أمامهم إلى بحر طبرستان فمات في جزيرة هنالك فاض التتر على بلاد هلك رأسها، وكان سرير سلطانه مدينة خوارزم على نهر جيحون غرقها التتر بالنهر المذكور.

وأما سجستان فإنها سلطنة مذكورة، وعظمت فيها دولة بني الصفار

وتوارثوها، وهي الآن من البلاد التي صارت في حكم التتر.

وأما كرمان فإنها سلطنة مشهورة عظمت فيها دولة بني اليسع، وكانت في مدّة مضافة إلى بلاد بني بويه.

وأما ديلمان فهي سلطنة كبيرة سريرها مدينة الري، وينضاف إليها بلاد

جرجان وبسطام ودهستان وجبال الديلم، وجبال جيل وجيلان، وفيها قلعة (ص) الموت التي توارثها النزارية ولم يبرح التشيع فيها قديما، وأعظم السلاطين الذين اشتهروا بملكها بنو بويه، الذين منهم عضد الدولة، وآل أمرها إلى أن ملكها السلجوقية ثم خوارزم شاه، ثم التتر إلا قلعة

الموت وما صعب من جبال الديلم فإنها في نهاية من الامتناع، وقد كان أنو شروان عظيم سلاطين الفرس ملك ما بين العراق ونهر جيحون إلا جبال الديلم، فإنها امتنعت عليه.

وأما مازندران فهي البلاد المعروفة بطبرستان، وتوالى عليها أئمة العلويين، الذين كانوا يخطب لهم بالإمامة بها، ولم تزل في معظم حالها مخصوصة بأئمة العلويين، لأن أهلها جبلوا على التشيع، وعلى هذا المذهب، فكانوا لا يرون عنه بديلا، وكانت من البلاد التي صارت لخوارزم شاه، وبها استجاز أمام التتر، وركب مركبا في بحرها إلى جزيرة هلك بها. وكانت مدينة آمل من مدنها قطبا لأئمة العلويين بها.

وأما عراق العجم فهو المعروف في الكتب بالجبال، وهي سلطنة تلاصق العراق، وأعظم من توارث السلطان فيها بنو بويه، وكان سريرهم بها أصفهان، ولما صارت للسلجوقية واختاروا الإقامة فيها أكثر الأحيان، لتوسطها بين بلادهم اتخذوا همذان سريرا. وهي من البلاد التي صارت لخوارزم شاه فاستولى عليها التتر.

وأما فارس فهي سلطنة القوم الذين عرفت باسمهم وأعظم من ملكها في الإسلام وتوارثت بها دولهم بنو بويه، وملكها السلجوقية، وكان فيها من بقاياهم من امتنع بالحصون الشامخة، وجرت فيها خطوب طويلة.

وأما خوزستان فهي المعروفة (ص) في الكتب بالأهواز، وقد كان يعقوب الصفار الذي خرج من سجستان وعاث في الأرض اختار الإقامة فيها. وبها مات، وسرير السلطنة فيها مدينة تستر التي تقولها العامة بإعجام السين.

وأما العراق فهي السلطنة العظمى التي هي من الدنيا بمنزلة القلب من الجسد، ومن ملكها فله الفضيلة على سلاطين العالم، وبها كانت أكاسرة

الفرس، وسريرهم المدائن، وكانت قبلها مدينة بابل سريرا، ثم صارت في مدة بني العباس، أدامها الله مقرا للخلافة، وقطبها مدينة بغداد وسامره في بعض الأحيان.

وأما شهرزور فإنها سلطنة تغلب عليها الجبال، وأكثر ما كان سلاطينها من الكرد على ما يذكرون، وآل أمرها إلى أن كانت للسلطان الأعظم صلاح الدين رحمة الله عليه، وصارت لبيت (أوق سنقر) وهم المعروفون

بالأتابكية.

وأما الجزيرة فإن سلاطين الأثوريين تداولوها قبل الإسلام فعرفت بجزيرة أثور، وكانت الأكاسرة والأقاصرة يتجاذبون بلادها بينهم، وتغلب كل منهم على ما يلي بلاده، وعظمت فيها سلطنة بني حمدان إلى أن انقرضت وتوارثوها سلاطين بني عقيل إلى أن غلبت عليها السلجوقية، وأسندوا أمرها إلى أتابك أق سنقر، وكانوا يجعلون فيها أولادهم، والأتابكية لأق سنقر ومن بعده من ولده، فتوارثوها إلى أن كان منهم السلطان الأعظم محمود بن زنكي، وآل

أمرها إلى أن ملكها بدر الدين لولو الملقب بالملك الرحيم، ولم تكمل له سلطنتها، ولكن معظمها له.

وأما الشام فهي سلطنة جليلة، كان فيها خلفاء بني أمية، واجتازوها على غيرها، وقطب إمامتهم دمشق، وكان (ص) منهم من يسكن البرية كهشام في

الرصافة، وسليمان في مرج دابق، وتوالت عليها ولاة بني العباس، وعظم فيها سلطان بني طغج الذين ملكوا الديار المصرية، وكذلك بنو طولون، وسيف الدولة بن حمدان، وكان سرير سلطانه حضرة حلب، وكان له معظم الشام لما ملك دمشق، ثم خرجت عن يده، وجرت بعده فتن، فلم تخلص السلطنة بكليتها لأحد إلى أن ملكها السلجوقية، ثم آل أمرها إلى أن

استولى عليها السلطان محمود بن زنكي، ثم انضافت إلى البلاد التي استولى عليها السلطان الأعظم صلاح الدين، ولم تكمل بعده لسلطان إلى أن ملك معظمها السلطان الأعظم الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن السلطان الأعظم صلاح الدين، وملك من سلطنة الجزيرة مملكة ديار مصر.

وأما جزيرة العرب فإنها قطعة عظيمة، الحجاز منها سلطنة ولكنها قليلة الخراج والعمارة، كثيرة البركة بالبيت الشريف، والنور المحمدي، زاده الله إشراقا وفيضا على أقطار الأرض، وقد كانت مقرا للخلفاء المرضيين ﵃، والمدينة مهاجر رسول الله ﷺ، وقطب الخلافة، وكان فيها من الطالبين للإمامة من هو مذكور في موضعه، والغالب فيها أن تكون مقسومة غير كاملة لسلطان من العلويين بل هي على ما يذكر.

واليمن سلطنة ثانية من جزيرة العرب، فيها كانت تبابعة العرب في الجاهلية، وسريرهم ظفار وصنعاء وسبأ، وتداولت عليها ولاة الإسلام، وكان فيها من الملوك الذين توزعوا (ص) ممالكها جملة، وكملت سلطنتها لبني زياد الدّعي، ودامت وكملت للصليحيين والزريعيين، إلا أن يكون أحد المنتزين في قلعة أوجهة لا يخلّ بمعظم السلطنة وعظم فيها أمر بني

مهدي، وادّعوا الخلافة، وخطب بأمير المؤمنين، فكانوا من الخوارج، ومنهم أخذها السلطان الأعظم صلاح الدين، فصارت مضافة إلى بلاده، وآل أمرها إلى أن كانت للسلطان مسعود ابن السلطان الأعظم الملك الكامل، فورثها عنه نور الدين بن الرسول، وكان سريرها في مدة بني زياد مدينة زبيد، وفي مدة الصليحيين صنعاء وجبلة، وفي مدة الزريعيين الدّملوه، وفي مدّة المسعود تعز وحضر موت سلطنة، ولكنها طويلة ضيقة ومتجاذبة البلاد من جيرانها، وكذلك الشحر وعمان سلطنة أضخم وأنبه من حضر موت

والشّحر. إلا أنها تجتمع لسلطان واحد، لأن الخارج استولوا على جبالها، وتوارثوا هنالك دولتهم.

وهجر سلطنة وتعرف أيضا بالبحرين وأعظم دولة استبدت بها دولة القرامطة دامت وورثت، ومن أصحابها من ملك الشام والحجاز ملك فتك ونهب، وأخبارهم هائلة.

واليمامة سلطنة صغيرة، وقد كان اقتطعها بنو الأخيضر العلويون، وتوارثوا بها الإمامة.

وأما البلاد التي في شمال بلاد الشام والجزيرة فإنّ أنبهها ذكرا،

وأعلاها لجهة الشرق أذربيجان، وهي سلطنة جليلة وكان فيها صيت عظيم لأبي الساج، وبنيه وبني البهلوان، وكانت من البلاد التي ملكها السلجوقية، وكان سريرها مدينة المراغة (ص) وأما البيلقان فسلطنة تجاورها سريرها

مدينة شروان.

وأما باب الأبواب وما انضاف إليها من بلاد الخزر فسلطنة سريرها مدينة الباب. وأما الراز فسلطنة سريرها برذعة وتفليس، وقد يضاف إليها البيلقان والباب. وهذه كلها جهات متقاربة قد غلب عليها التتر.

وأما أرمينية فسلطنة كبيرة سريرها خلاط، وكانت من البلاد التي انضافت

إلى بني أيوب ﵏، وجرى فيها فتن كثيرة، وهي من بلاد التتر الآن.

وأما البلاد المعروفة ببلاد الروم التي في شرقي الخليج القسطنطيني فإن السلجوقية افتتحوها، وهي بأيديهم إلى الآن يعني ابن سعيد في زمانه، وأما الآن فهي للتتر، وسرير سلطنتها قونيه وقيصرية، ويشركهم فيها ملوك الأتراك بكلد شتى ودلبى مختلف يخاطبون بالإمارة، قال ابن سعيد: وفي شمال هذه البلاد من بلاد أصناف الخزر والترك والبلغار والصّقلب ما ذكر في هذا الكتاب في أوله، ولم يكن فيهم مسلمون إلا البلغار، وقد وصل التتر إلى بلادهم. وفي الهند والصين، التي بأيدي الكفار ممالك كثيرة عامرة جليلة، وقد داخل التتر أهل الصين في بلادهم، وسلطنة التتر طمغاج، وسريرهم قراقرم،

ومعناه الرمل الأسود.

وأما سلطنات المغرب، فأولها مما بأيدي المسلمين الديار المصرية، وهي عظيمة في الجاهلية والإسلام، وكان يعرف سلاطينها في الجاهلية بالفراعنة، وكان سريرهم مدينة منف، وجاء الإسلام وسرير سلطانها المقوقس مدينة الإسكندرية، ومدينة مصر التي تعرف الآن بالفسطاط، والجهة القديمة منها معروفة عندهم، ودام السرير بها في الإسلام، وأعظم من ملكها بنو طولون، بنو طغج، ومنهم (ص) أخذها العبيديون الذين خطب لهم بالخلافة،

وصيروا القاهرة قطبا لإمامتهم إلى أن أخذها منهم السلطان الأعظم الملك الناصر صلاح الدين فأبقاها سريرا لسلطانه، وكذلك من بعده إلى أن سكن السلطان الكامل قلعة الجبل.

وتجاور الديار المصرية برقة وهي سلطنة طويلة قد استولت عليها العرب، وكان سريرها في القديم مدينة طبرق، وتليها إفريقية، وهي سلطنة شهيرة، كان

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع