من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق (٢)
الصفحة ٢ من ٢
يقال لسلطانها في الجاهلية جرجير، وكان سريره مدينة سبيطلة، ومدينة قرطاجنة، وصار سريرها في الإسلام القيروان، ثم هي الآن مدينة تونس، وتوارث سلطنتها في الأول بنو عقبة القرشيون وتوارثها بنو الأغلب التميميون، وأخذها منهم عبيد الله المهدي الإسماعيلي فتوارث بها الإمامة بنوه إلى أن رحل المعز العبيدي إلى مصر، فولى على إفريقية صنهاجة من برابر
إفريقية، وكان أعظمهم في الشهرة وحب الفضل المعز بن باديس، ثم أفسدت العرب سلطنته، ووزعتها بين ممالك، وبقي لابنه تميم المهدية وما قرب منها، وتوارثها بنوه، وزال رسم السلطنة منهم إلى أن استولى عبد المؤمن عليها فتوالت بها ولاته وولاة بنيه، وكان يحيى بن غانيه الميورفي الملثم يناكدهم فيها، إلى أن صفت للسلطان الأعظم الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، وقد أضافت إليها همته العليّة وسعادته العلوية بلادا من برقة،
ومن الجزر البحرية، ومن الغرب الأوسط ومن المغرب الأقصى ومن الأندلس، وسرير ملكه كان تونس، ويليها الغرب الأوسط، كان في صدر الإسلام قد (ص) أقطعه بنو رستم، وكانوا خوارج ادعوا الخلافة، وكان قطب إمامتهم مدينة تيهرت إلى أن أزال أمرهم الشيعي القائم بدعوة العبيديين، ومن أعظم من ملك سلطنتها جعفر بن علي الذي يمدحه ابن هاني الأندلسي، وكان
سريره مدينة المسيلة، قلت: ومن قوله فيه:
المدنفان من البرية كلهاجسمي وطرف بابليّ أحور
والمشرقات النيرات ثلاثةالشمس والقمر المنير وجعفر
ثم نعود إلى تتمة كلام ابن سعيد، قال ﵀، وملكها بعد رحيل المعز العبيدي إلى مصر بنو حماد الصنهاجي، وتوارثوها وكان سريرهم قلعة حماد
المنسوبة إلى جدهم، ثم صار مدينة بجاية،
ويليها سلطنة المغرب الأقصى، وهو المعروف ببر العدوة، وهذه الجهة أعظم جهات المغرب لأنها ذات حواضر جليلة، وجبال مشحونة، وعرض وطول، وكانت قد اجتمعت للأدارسة، الذين خطب لهم بالخلافة، ثم اقتطع منها بنو مدران مملكة سجلماسة، وحاكاهم غيرهم فاختل عليهم نظامها إلى أن صارت للعبيديين، وكان بنو أمية أصحاب الأندلس ينازعونهم فيها، وصفت
لأمير المسلمين يوسف ابن تاشفين، وكان سريره حضرة اغمات فبنى حضرة مراكش، وانتقل إليها وتداول عليها ولده إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن الذي خطب له بالخلافة.
وأما بلاد السودان فأعظمها عندهم من جهة قواعد السلطنة أرض الحبشة، وسمة سلطانهم النجاشي وسريره مدينة جرمي وأرض علوه، وما ينضاف إليها سلطنة.
وكذلك أرض النوبة وسريرها دنقله وأرض الدمادم الذين خرجوا على أصناف السودان، فأهلكوا بلادهم وهم يشبهون بالتتر، وكان خروج الفريقين في عصر واحد.
وأرض الكانم وما انضاف إليها من بلاد التكرور سلطنة (ص) طويلة ضيقة على ضفتي النيل طولها أربعون يوما، سلطانها مسلم من ولد سيف ابن ذي يزن سلطان اليمن. وأرض كفار التكرور سلطنة، ويليها من الأمم الكافرة إلى غانة إلى البحر المحيط مع طول النيل.
وأما جزيرة الأندلس فهي قطعة عظيمة انقسمت على سلطنتين، سلطنة للمسلمين، وسلطنة للنصارى، فكانت سلطنة المسلمين من أولها عند الباب الذي يدخل منه إليها من الأرض الكبيرة مع الساحل الجنوبي، وكان السرير فيها قبل الإسلام إشبيلية وماردة وطليطلة، وفي الإسلام إشبيلية قليلا. ثم استقر
بقرطبة، وتوالت عليها ولاة بني أمية من المشرق إلى أن ملكها عبد الرحمن ابن معاوية المرواني، وتوارثها بنوه، ثم خطب لهم بالخلافة، واستولى المنصور ابن أبي عامر على خلافة المؤيد المرواني، فلم يكن له أمر، وورث السلطنة عنه
ابنه المظفر ثم الناصر بن المنصور، فقتل وانقرضت سلطنتهم. ولم تجتمع بعد ذلك سلطنة الأندلس لغير خلفاء بني مروان إلى أن ملكها بنو عبد المؤمن. ولما ثار عليهم المتوكل بن هود اجتمعت سلطنة الإسلام بها، ولم يشذّ عنه إلى مملكة بلنسية وكورة طبيرة وما انضاف إليها فاستحق اسم السلطنة بمعظمها، ولما مات توزعها ملوك.
وأما الأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة فهي سلطنات مختلفات كثيرة، كسلطنة روميّة والقسطنطينية، وسلطنة البنادقة، وسلطنة الأنكبردا وسلطنة الباشقرد والإسلام كثير في هذه السلطنة.
قال ابن سعيد وأما الجنديّة فإنها في المشرق أرفه وأضخم، وفي المغرب أضبط وأنجد وذلك (ص) أنّ القاعدة لهم في الشرق، وبمثل ما شاهدته في حلب فقد أجمع المسافرون على رفاهية جندها، وضخامتهم أن يكون للفارس الواحد من عامة الفرسان فرس يركبه، وفرس يركبه غلامه وبنده في يده، وفرس يجنبه إلا لجندي حظيّ ذي همة. وأكثر الجند عندنا بالأندلس أن يكون للجندي فرس يركبه، وفرس يركبه الذي يحمل سلاحه، وفي برّ العدوة الحال أخف من ذلك، أكثر جند إفريقية والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى لا يكون للواحد منهم إلا فرس واحد، ويكون فارس الأندلس مدرّعا، وإن كان ذا همة وقدرة يكون لفرسه درع، واعتماده على الرمح الغليظ الطويل، والترس على عادة النصارى الذين يقاتلونهم. ولا يكون مدّرعا من فرسان البربر إلا أولو الهمة والقدرة، ولا يقاتلون بترس ولا رمح طويل غليظ، بل بالسيوف والأرماح الخفيفة يزرقون لها زرقا عجيبا، لا يكاد يخطئ، ويكون لهم بدل التراس درق تصنع في المغرب من جلد حيوان يعرف
باللمط تنبو عنها السيوف والرماح وأكثر السهام.
وفرسان برّ المغرب البربري أحسن تصرفا على الخيل من فرسان البر الأندلسي، لأن الأندلسي يثقله الترس والرمح الطويل الثقيل والدرع، فلا يستطيع التصرّف، وإنما يحرص على الثبات، وأن يكون مثل الجوشن على فرسه، وربما كان له في السرج مخاطيف ينشبها في وسطه حتى لا يسقط إذا طعن. وسروج جند الأندلس عالية المؤخر حفظا من الطعن، وليست كذلك سروج البربر. وركاب الأندلسي طويل، وركاب البربري قصير، والأمير عندهم (ص) في المشرق يباح له ضرب الطبول، ولا يباح ذلك في المغرب إلا لمن يلي مملكة، أو من يحلّ محله من عظماء قواده. والأمير في المشرق يكون له في خاصته ما لا يكون للقائد في المغرب لجميع جماعته، فقد سمعت أنه يكون للأمير بحلب في خاصته ما لا يكون ذلك للقائد وجميع جماعته ثمانون ألف درهم في السنة. والجندي في المشرق يحتاج أن يكون معه رأس مال من خيل وعدة. والأمير في المشرق تلزمه كلفة عظيمة من مدّ السماط بالطعام في كل
يوم، والتجمل الكبير في الثياب الحريرية الرفيعة، ويكون معه في السفر خزانة لأمور الطبخ، وخزانة للأسلحة، وخزانة للفرش وآلات اللباس، وإن كان ذا همة كان معه من أنواع الأشربة والمعاجن والترياق. ويكون له مملوك يحمل معه بقجة للباسه، ويكون وراءه، وكذلك مملوك آخر يحمل على رأسه السلاح.
والفضيلة في جميع هذا تتبين للمشارقة على المغاربة.
ثم قال ابن سعيد أيضا: وإنما قلت إنّ جند المغرب أضبط وأنجد لأنهم في نهاية البعد عن الراحة والذم للرفاهية، وخصوصا الأندلس، يصيخون لداع كلما سمعوا شعار الحركة بادروا، ومن أقام مقدارا يزيد على العادة عوقب أشد العقاب، وربما أحل ماله ودمه، ويقيم الواحد منهم في الحصن الواحد عشر سنين وأكثر وأقل، لا ناصر لهم إلا سلاحهم، ومنعة قلعتهم، لا يسأمون الحصار، ولا يتذللون للغلبة. قلت: لو استحيا هذا الفاضل لما ذكر مع فخامة جند الشرق جند الغرب إلا أن جعل مصر كما قرر من الغرب، وما ذكر ذلك ههنا، ولو احتاج هذا إلى مؤاخذة له، وإقامة دليل عليه لو اخذته وأقمت الدليل عليه، ولكنه أوضح من النهار الشارق، وأظهر من الجبل الشاهق. والله لقد كان عند أمير من أمراء الدولة الناصرية بمصر مملوك محظيّ، أخبرت أن عنده ثمانين عليقة،
وكان عند أمير آخر مملوك محظي أخبرت أن عنده أربعين عليقة، فأما قوله: إن للأمير ثمانين ألف درهم في السنة لخاصتة فقول حق. ولكن أين هو عما بلغ خواص الأمراء عندنا، بما يزيد خاص الرجل منهم في السنة عن مائتي ألف دينار مشية كما كان لبلمر الساقي، وقوصون وبستاك، وأما من دون هؤلاء فعدد جم لهم الخواص الكثيرة، منهم من يزيد خاصه على مائة ألف دينار ومنهم من ينقص، فأما من له ثمانون ألف منهم فمن لا يرمق بطرف ولا يرمى بالتفات.
فأمراء الممالك الهولاكريتيه فلرأيناهم البحور التي لا تدرك أعماقها، والخزائن التي لا ينفد انفاقها. فأما الهند فعلى قدره وكفى قولنا هذا في تعظيم أمره.
وأما قوله: إن الأمير يكون له مملوك يحمل لباسه، ومملوك يحمل سلاحه، فكلام قاله على ما رأى أو ظن، فأما أمراؤنا فمنهم من ملك ثمانمائة مملوك ثم كل على قدره.
قال ابن سعيد: وأما الوزارة فالسفاح أول من استوزر بالمشرق وهي بها أعظم من المغرب، كأن الوزير نائب للخليفة أو الملك (ص). قلت: وهذا مما لا تفاضل فيه، فإن وزراء الغرب لو جمعوا أولهم وآخرهم، وباقيهم وغابرهم ما جاؤوا بواحد من مشاهير وزراء الشرق، ولا أقول هذا إلا بحق، وسأذكر من هؤلاء وهؤلاء ما يعرف به القول الصدق، ليعلم من أجال في هذا المكان نظره، وحقق منه خبره، في أي القطرين الوزراء الذين تفتقر إليهم الدول، ويقتصر عليهم الأمل، وتقرطس إلى الغايات سهامهم، وتقرطق بجليّ التصرّف أيامهم، ويفسح ديمهم نوالا، وتشمخ همهم بما بعد منالا، قد أرغمت أقلامهم معاطس الرماح حتفا، وأحرجت صدور السيوف وأغصّتها شرقا، فاحتاجت الملوك إلى مؤازرتهم، واحتالوا على إدناء مجالسهم ومزاورتهم، وكان منهم أرباب سيوف وأقلام ماضية، وبالبؤس والنعيم قاضية، وترفعوا عن رتبة
الوزارة إلى الملك والإمارة، وخرجت التواقيع تارة عنهم، وتارة مطرزة من أسمائهم بالإشارة، فبلغوا مبلغا عظيما، وحكموا في الممالك حكما عميما.
ومنهم من أعطى الأقاليم، وأمطى المعاقل ووهب الجسيم، واستأثروا دون الخلفاء والملوك، ببعد السمعة والصيت، وحجتهم الوفود، ووقتت إليهم المواقيت، وقبلت لديهم الأرض، وشرّفت حصباءها على الدرّ واليواقيت، ومدحتهم الشعراء بغر القصائد، ونصبت على سوانح جودهم أشراك المصايد، وتناقلت الرواة سيرهم، ودونت تواريخهم واستكفت غيرهم، وكانوا مصابيح صباحه ومجاديح سماحه، ومفاتيح أبواب الرزق والراحة، وكان منهم قادة جنود كثر، وجيوش دثر (ص).
وأما الكتّاب بالمشرق ففيهم من يندى قلمه غضاره، ويبدي كلمه كالروض المبتل نضاره، ويتلقف من أفواههم سحر الكلام، ويلتقط من
أشباههم نجوم الظلام، ما منهم إلا من إذا كتب كبت الصفايح، وكبت وراءه القرائح، يحيد متسرعا، ويجيء بالدر، ولا تلقاه عما للناس إلا متورعا، يخرج زهره من أكمامه، وتخلف زهره النهار إذا وازاه جنح ظلامه، أو جناح غمامه.
وقد جاء في المتأخرين منهم من لم يرض طرق المتقدمين، ولم يرض جامح فكره حتى يلين، بل جاء بما هو أرق من النسيم نفسا، وأعذب مما ذاب في كؤوس الثغور لعسا، وتفنن في الأساليب، وحكى ملحمة حرب ولا يظن سامعه إلا أنه فصل غزل أو نسيب، مع إحكام المعاني، وإتعاب من لها يعاني، واستيفاء شرط المعركة، وحظ شواجز الرماح المشتبكة، لكن يكسوها من حلل ألفاظه ما يوهم السامع أن الحماسة غزل، وأن الأجفان الأجنان، والسيوف
المقل، فيفيدها حلاوة من نطف ألفاظه العذاب، ولطف بدائعه التي تبدو في فيه كأنها الأري المذاب، واخترعوا أنواعا من البديع زادت كلامهم رونقا، ونشرت منه روضا مؤنقا، وجرت من ينابيع خواطرهم سلسلا متدفقا، وسيلا سبق ارتداد الطرف وكأنه جاء مترفّقا، وأتوا في هذا بما لا قدرت عليه الأوائل، وربّما أتي لهم وما أتوا فيه بباطل، وإن كان أصل ما جاء للمتأخرين مما غبر، فإن السيوف تجز الرقاب، وتعجز عما تنال الإبر، وكذلك إذا نظرت بعين المنصف، واطرحت هوى النفس لا تجد للمغرب لدى المشرق يدا في (ص) فضل ولا باعا في علياء، وإن كنت قد ذكرت هذا مجملا فأفصله، أو مبهما فسأبينه، ولله عليّ أن لا أعدل عن سراط الحق السوي، ولا أنكب عن قصد الإنصاف الأمم، ولا أدعي ذلك في الأفراد بل في الجملة، ولا في الجزء بل في الكل، وبالله أسترشد، ومنه أسأل الإعانة، ثم إني لا أقصر ما وجدت طلقا ممتدا، إلا إذا خشيت أن أملّ، ولا أطيل ما رأيت إيجازا مغنيا إلا إن خفت أن أخل، وها أنا أقول: إن الذي يعرف به التفاضل منحصر في الحيوان، والنبات والمعدن، وأشرف الحيوان الإنسان، وهو طبقات متفاوتة، أعلاها ذروة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، ثم من بعدهم أصحابهم، ثم الناس أشباه، وإن تفاوتت درجاتهم، وتباينت أقدارهم، لا يفضل فيهم إلا العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، والنفع بهم أعم من الأولياء.
فأما الأنبياء صلوات الله عليهم فقد تقدّم ما فيه كفاية من تقرير شرف المشرق بهم، وشرّف المغرب بسببهم، إذا كان بالمشرق مواضعهم ميلادا، ومباعثهم أحياء، ومدافنهم أمواتا، إلا من كان بمصر أو دخل إليها ممن ليس من أهلها، ثم خرج منها على ما بين فيما تقدم ببعض تفصيل فيه غنى، وكذا الشأن في الصحابة الفائزين بفضل السابقة، وقد مضت في هذا لمع أو مضت أشعتها، ومضت وبقيت في الآذان سمعتها، ولو عدلوا بنظير في المغرب لذكرناهم، فإذ لم يكن فلنضرب عن ذكرهم صفحا، ولنكن لهم دون منبلج الليل صبحا، اللهم إلا من لزم ذكره مع طائفة لم يكن من ذكره معهم بدّ، ولا لسيل هذا التصنيف عنه مردّ، فإن انتصر منتصر للغرب فقال: لا يلزم من عدم الاطلاع على أن من الغرب أنبياء أنه لم يكن به أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ ومن المحقق أن الغرب لم يزل فيه أمة بعد أمة. فالجواب:
إنه ليس في الآية ما يدل على ذلك، لأنه تعالى قال: (خلا فيها نذير) ولم يقل منها التي هي للتبعيض، ليكون النذير من أمة الغرب، كما هو في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بمن التي هي للتبعيض، وقد قرأ بعض
القراء من أنفسكم، بفتح الفاء، فأفاد أن منهم من أشرفهم، فاحتمل أن يكون النذير فيها، وليس منها، ويبقى أن يكون النذير الذي فيها منها موقوفا على النقل، ولم نعلمه، فهذا أمر الأنبياء بالجانب الغربي، وأما من بعدهم فأعلاهم كعبا القراء، ثم أهل الحديث (ص) الشريف، ثم الفقهاء ثم أهل اللغة، ثم أهل النحو، ثم الفقراء، أصحاب القلوب، ثم الحكماء وهم أصحاب العلوم الثلاثة، والوزراء والكتاب، والخطباء والشعراء، والأذكياء وعقلاء المجانين، والحمقى والمغفلين، وها أنا ذاكر لهم في كل من قسمي المشرق والمغرب، على هذا الترتيب، وأسوقهم زمرا للدخول في هذا التبويب، وآتي بمشاهيرهم، جاهلية وإسلاما، وأمواتا وأحياء إلى عصرنا التي بدأت شمسه تجنح، وآن لبحر الليل على نهر نهاره أن يطفح، وحان للثور الحامل للدنيا أن يلقى قرنه،
ولإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن يلقم قرنه، وللجديدين أن يخلق ثوباهما، وللخافقين أن يلتقي جانباهما، وللأفق أن ينزع سواره من معصمه، وللشفق أن ينضح بماء الصباح ما تلطخ به ثوبه من دمه، ولقد كان لي بانتظار الأجل القريب شغل عن زخرف القول الذي فيه تعليل لباطله، وتشقيق الكلام الذي فيه تعليق اللسان بحبائله، بل اللهم فيما أثبته ذكرى لمصارع الأموات، وبمواقع الصائد المجدّ في مصائد المنون، وقد ظنّ أنه قد سبق به الفوات، وإذ قد عرّضت عرضي بهذا التأليف هدفا لسهام الألسنة الراشقة، ودريئة لرماح الطعن الماشقة، وسمحت به طرفة لكل خاطف، وثمرة لكل قاطف، ينهبه كل ناهب، ويذهب به كل ذاهب، وأقدمت على هذا البناء العظيم، ورعيت في هذا الكلام الوخيم، وهجمت على هذا الملأ، الذي لا أكاد أثبت معرفة واحد من أمه، ولا أميز صفه ذا غرة من دهمه، واقتحمت هذا البحر وأنا أعرف خطره، ودخلت هذا البر وأنا أجهل خبره، قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون، فها قد رهنت بما قلت كلامي، وحاللت بما قالوا لوامي، وركبت الغمرة وأنا لا أعرف أسبح، وسريت الليل وأنا لا (ص) أدري فجره أين
أصبح، على أنني أرغب إلى من أعازه أدنى تأمل، أن يكشف ليتبين أتيت صوابا أم خطأ، وأصالة أم خطلا، فو الله ما قصرت جهد المقدرة، ولا فعلت إلا فوق الطاقة إن قبل مني المعذرة، وقد دخل في ذيل الحكماء أرباب الكلام وأصحاب الموسيقا، واشتمل ثوب الأدباء على أعيان الوزراء. وعيون الكتاب والخطباء والشعراء، وقدمت الكتاب على الخطباء، لأن الكاتب لو شاء جرّد من نفائس تقاليده ومناشيره وتواقيعه دواوين خطب، وأفانين تهز بجذع منبره بها من خطب، والخطيب قد لا يقدر على إنشاء رسالة واحدة، وكذلك أرباب المقامات التي لو حقق ما وضعت له لم يكن فيه كبير فائدة. ثم أذكر بعد نوع الإنسان سائر الحيوان، ثم النبات، ثم المعدن، ناقلا له من كتب الأطباء والعشابين مصورا لما قدرت على تصويره منه، محررا له بغاية الإمكان، بعد أخذ
رأي أرباب هذا العلم فيه. ثم طاف بنظره في كتابنا هذا في الجانبين، وكمل دورة المشرقين والمغربين، رأي الشرف لمكانه والفضل لأهله، وهذا أوان الشروع، وبالله التوفيق.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع