من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو بكر محمد بن عبد الله مذحج
ابن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي نزيل قرطبة. رجل كانت له ظلاله وارفة، وأفعاله لا تخلو من عارفة. لم يزل وسنه لم يتغير، وفمه للاكتساب لم يفغر. يغادي العلم ويراوحه، ويماسي الطلب ويصابحه. يوافي كل شيء لميقاته، ويقطع فيه عمر أوقاته.
ورسنه ممتد، ووسنه قد أقسم لا يرتدّ. فلم يستدر خدّه بلثام عارضه، وحان خذّه ألا يلتأم بسيف معارضه إلا وكان قسورة يتأبى مهاجمته، ويخاف أن يهجم عليه أجمته، فأعملت
إليه اليعملات، وأضحت فوائده مؤمّلات. واهتدى به هدي الركائب بالعلم، واستهلّ استهلال السحائب، يرش رشاش ماء الورد.
قال ابن خلّكان: كان أوحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وعلم السّير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنّه مثله في زمانه.
أخذ عن القالي لمّا دخل الأندلس. وله كتب تدلّ على وفور علمه، واختاره المستنصر لتأديب ولده، وليّ عهده هشام المؤيد، فعلّمه الحساب والعربية، ونفعه نفعا كثيرا. ونال به الزبيدي دنيا عريضة. وولي قضاء إشبيلية والشرطة. وحصل نعمة ضخمة لبسها بنوه بعده زمانا. وكان يستعظم أدب المؤيد زمان صباه، ويصرف رجاحته وحجاه. وللزبيدي شعر كثير منه قوله:
أبا مسلم إنّ الفتى بجنانهومقوله لا بالمراكب واللّبس
وليس ثياب المرء تغني قلامةاذا كان مقصورا على قصر النّفس
وكان في صحبة المستنصر. وقد ترك جاريته بإشبيلية، فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له. فكتب إليها:
ويحك يا سلم لا تراعيلا بدّ للبيّن من زماع
لا تحسبيني صبرت إلاكصبر ميت على النزاع
ما خلق اللّه من عذابأشدّ من فرقة الوداع
ما بينها والحمام فرقلولا المناجات والنواعي
وعاش ثلاثا وستين سنة، وتوفي يوم الخميس، مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمئة بإشبيلية.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع