من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حبان النفزي
الصفحة ١ من ٢
سحاب الفضل المنهل وسخا ختام الفضل، من قبل طريقه سهل، وتحقيقه يثرى من ذا الجهل. تاه به الأندلس على كل إقليم، وملك به عنان التقديم. ولو تقدم عصره حتى كان منذ قرنين في ذلك المكان، حيث يتغادى على الآداب من ملوك الطوائف، وتتهادى رياحين تلك اللطائف، لما احتفظ صاحب الذخيرة بأكثر من جوهره. ولا استضاء الحميدي في جذوة المقتبس إلاّ بنور نيّره؛ بل كان يفتح به القلائد الفتح بن خاقان، ويقدم ابن الإمام ذكره في سمط الجمان، ولما كان يسع ابن اليسع إلاّ أن يقتصر عليه في المغرب، ولا يجيد ابن دحية في المطرب. ولكان في الاختيارات لأبي سهل حظّه الوافر، ولهان بدّرة اليتيم ما جاء به ابن بحر في زاد المسافر. بشرّ به التوحيدي أبو حيان، وبصّر. سمّى حفيده ابن حيّان. وقدم مصر منذ ستين حجّة، وأتمّ نسكه وحجّه، ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها، واستطاب في
الأرض وطنها. ومنذ قدمها خوطب بالإمام؛ ومع هذا ممّا تأبّى عن لقاء الأعلام. ولم يكن يقصر بجناح إلى تمام يقع في الأوهام؛ وإنما أراد الزيادة بما يحصل باقتداح الأفهام. ومنذ ذاك الطلبة إلى إفادته ومن حياض آفاته تكرع؛ حتى انتشر مددهم في البلاد انتشار الصباح، ونظر أهل الشغف بالعلم من كتبه ما ينظر في الوجوه الصباح. وهو الآن نفع الله به هودج اللآلئ الذاهبين وكنز الطالبين. كل الطلبة من عشبه درجوا ومن نبت دواسته خرجوا، وبشذاه أرّجوا، وبسناه سقوا عطاء الإفهام وفرجوا، وبشهاب توفيقه أدلجوا، ومن أثواب تصنيفه إلى العلم ولجوا. وأنا ممن قرأ عليه، وتشرفت لّما مثلت لديه.
وأمّا تصانيفه فسارت أوقار الإبل، وأما تفريقه للأدب بشيء عليه جبل. إن شعر أخفى ابن خفاجة، أو نثر كثم خصاله ابن أبي الخصال وأطفأ سراجه فإذا نحا من شبه سيبويه، وإذا تكلّم في اللغة محا ابن سيده ما أحكم في المحكم وضرب عليه. وإذا روى عن الأعراب فإليه تقريب ابن قريب، وأبو عبيدة عبده الواقف بين يديه، وإن فسّر رأيت ابن عطية منقصا، والقرطبي لا يجد مثل بلدة الماسورة مخلصا، أو السريري قد علل إلى بعض الدواوين منكصا، وابن القيّم واقفا على بابه في يده العصا. مع رواية في حديث النبي ﷺ وفقه؛ كأنما طبع منه في مرآة جليّه، ودين يعتصم به المرء، وعدم محاباة إن لاقت به، فلا غرور مع ما بلغه من هذا السنّ والعمر الذي تهدأ به البديهة وتسكن، لا تخمد له قريحة ولا تطمئن به فكرة مريحة، ولا تعزب عن ذاكرته قضية ولو كانت حقيرة أو قصيّة؛ هبة من الله لا تكافى ولا تجدها في غيره، ولو عددت آلافا. قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية، وثغر الإسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق، واجتهد وطلب وحصّل وكتب، وله اليد الطولى في علوم التفسير والحديث، والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم. وله التصانيف العديدة، وتنيف على خمسين مصنّفا. ولّما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن
النحاس كثيرا، وأخذ عنه كتب الأدب. وقرأت عليه الأشعار الستة، والفصيح لثعلب والمقصورة لابن دريد، وشعر أبي تمام إلى آخر المديح. وكتبت عنه من أخبار العرب وأدباء الأندلس وفوائد الأئمة شيئا كثيرا. وكانت المراجعات لا تكاد تنقطع بيني وبينه.
كتبت إليه:
يقبل البساط المنيف، بل البساط الشريف لا زال فوق السها، وفي الغاية التي لا تبلغ إلى منتهى، ويسأل في شيء مما سمح به فكره، وقذفه في البحر درّه من النثر الذي لا يقدر عليه في النظم المحضور بالقوافي، المقدور بالميزان. ولا يمكن الترجيح في وزنه الوافي؛ ليثبته في مكانه، وينبته روحا مثمرا في بستانه والمسؤول منه ما هو من الدرّ أعلى قمة وأخف حملا؛ مع التعجيل ببرقه المومض وودقه الذي لساعته يرفضّ؛ فإن الدفتر قد خرج صدره لكنه في شفافه، والناسخ قد فتح فاه لالتقافه، والقلم قد سابق البيان لا ختطافه، والسمع قد علّق مقطفه لاقتطافه، والمراد الإسراع قبل غلبة السكر بما يمنى من سلافه.
فكتب إليّ يقبل الباسط، ويقول: أشغل الخلّ أهله أن يعارا وينشد:
وبلّغت من عمري ثمانين حجةوسبعا أرى الأشياخ ليست كما هيا
وفي عيبتي اليسرى وفي شقّ هامتيوقلبي فكر يترك الفكر نابيا
ولا نظم إلاّ بانتظام منيّتيولا نثر إلاّ بانتثار عظاميا
أيها الإمام اكفف عن عزمك فما نحن من ضربك من باراك بالنظم حتى بأبهى درّه، وجعلته يرفل في أسنى حبره، فأنت أشعر هذا الجنس، بل أنت أشعر الجنّ والإنس. إن أوجزت أعجزت، أو أسهبت دهيت، أو مدحت أعليت، أو قدحت أوريت.
وكتب من نثره قوله: وقد استوحش المملوك لمولانا عند التفرج في مصر ونيلها، وحادرها وحيلها، وبهجتها وخيرها، والصور المتولدة بين الترك وغيرها التي يجول السحر في
عيونها والصبا في فنونها، ذوي الذوائب المضفرة، والمحاسن الموفرة. إن سدلوا الشعور فبدور تحت الدياجي، أو ضفروها فأراقم سواجي. من كل أملد أهيف القوام، كأن ريقه مدام، وشعره ظلام، ووجهه بدر تمام؛ إن نطق فالسحر في كلامه، أو رشق فالموت في سهامه.
وقوله:
ورد على القلب ما شّرفه، وعلى السمع ما شنّفه من الأدب الغضّ، والفضل الخالص المحض، نظم يودّ الغواني لو يكون لها عقدا على النحر، أو تاجا على الرأس فاق تأرّجه الزهر، وراق تبلّجه الأنجم الزهر. وكيف لا، ونور أهل الأدب من نور الشمس يستمد، ولتحصيل فضائله وفواضله يستعدّ؛ لكن صادف مني ذهنا كليلا، وجسما عليلا، وقلبا جريحا، وطرفا قريحا. وماء قريحة قد غاض وهمي تيه قد فاض. يتجلى في خلب كبدي، والمحبوب من ولدي، واغترافي من اللكن لفقد السكن، ومن الوجل يورد الخجل؛ ما حضر لساني أن يفوه في حق هذا الفاضل بما يحب، وأن يتهذب في الثناء عليه كما ينبغي أن ينتدب فعيّ فاضح، وعذري إليه واضح.
وقوله:
إن دفق فالبحر، وإن نطق فالسحر. ألفت إليه الآداب عنانها، وتفتقت به بديعها وبيانها.
وأطاعه عصيّها، ودنا إليه قصيّها. فمن فقره دره وتقسيم قسيم، وترجيز وجيز، وقافية وافية طرزت بأنواع البديع، ووشعت به أحسن التوشيع؛ فأصبحت آدابها في جيد الزمان قلائد وفي سلك الأوان فرائد. يجنس فيها الجنس، وتنوّع وتأصل منها وتفرّع. نزلت من الآداب
منزلة الإنسان، والذهب الإبريز من العين. وقضت بالتمييز على ذوي التبريز، وبالاختيار على ذوي الاختبار. تطرب الأسماع للسامع، وتحسد العيون عليها المسامع، وكالحميّا شجت بماء غمامها، والثريا علّقت في مصامها. فكأن سامعها لا لتذاذه في أغناء الفجر، ووصل الحبيب بعد الهجر، يتوقل منها نوعا نوعا، ويتعجب منها بما جمع فأوعى، ويوشّيها ما كان مرتّقا، وسبق إلى أعلى مرتفقا، وأضحى بها الفرد الذي لا نظير له في الاجساد، والأوحد الذي يرى فضله على الأنداد والأضداد.
وقوله:
وإني وإهدائي الصدف للدرر، والوشل للذر كمهدي البرية إليهما والنغبة للدما.
أما السيد عينه في قديم شرف ارتجاه الأكابر باتساق رباه، وفنيت المحابر في وصف محاسن محيّاه. تضمّخ النادي بنشره، وأعلن المنادي بنشره؛ فهو الشرف المشهد، والمحتد الذي شرف به المشيّد؛ ولكنها السيادة إلى مدى ما تحلت به المآثر، وتجلب به من المفاخر، ويظهر به من الأدب الغضّ ما يقال فيه، كم الأول للآخر، ولا يمكن أن يعصى الأمر، بل يمتثل ما رسمت به الأوامر.
وكان شيخنا أبو حيّان ﵀ قد ذللت له صعاب اللغات فاقتادها بأعناقها، وجذبها أخذا بدائرة نطاقها. وتعدّى لغة العرب إلى العجم، فصنّف عدة كتب في تراجم اللغات المختلفة، والتزم فيها بالصحيح. وإن من تكلم فيها بلغه من تلك اللغات
الشّتى على ما ضبطه كان خارجا عن النقل المسموع في تلك اللغة عن صريح أهلها. وكأن المتكلم به قد تكلّم بخطإ أو لحن؛ إما منه، وإمّا مما طرأ على أهل تلك اللغة بمداخلة من ليس منهم. كما داخل العرب بمداخلة النبط وفارس والروم؛ حتى كان ينكر على رجال من صليبة الترك، ورجال من صليبة الفرس في كلمات تقع على غير الصحيح في أصول لغاتهم.
ورأيت رجالا منهم ممن عرف معرفته يتحاكمون إليه فيما شجر بينهم في ذلك، ولقد أراني فيما صنّف في ذلك، فمنه: الإدراك في لغة الأتراك، ومنه: زهو الملك نحو الترك، ومنه: منطق الخرس في لسان الفرس، ومنه: جلاء الغبش في لسان الحبش، ومنه: المخبور في لغة الخمور، وهي لغة قديمة كانت لأهل دمياط، يتحدثون بها في قديم الزمان، فرأيت منها العجب، وعلمت بها أنه قد حكم على ألسنة العجم والعرب.
هذا ولم يكن ﵀ يعرف هذه الألسنه معرفة يخيّل في ميدانها لسنه؛ وإنما كان قد أكثر التقصي عن كل لسان، والسؤال من أهل المعرفة عن مفردات كلمها اسماء وأفعالا وحروفا وتصريف الأفعال، وتركيب الكلم، ثم نزّلها على قواعد اللغة العربية، وأجراها عليها في مصطلح الترتيب بعد إتقان معرفة ما في تلك اللغة من صيغة الجمع والمثنى والمضاف والمضاف إليه، وغير ذلك؛ حتى ضبطه كلّ الضبط.
وكان يراني أتهلّل به بشرا وسرورا؛ باعتلاقي بسببه، وما يسّر لي من إدراك مثله والاستضاءة بقبسه. وكان لي من شكره حظّ علمه أهل عصري وحسدي عليه أهل مصري، ومنها: أنه لما أوقفني على هذه التأليفات الغرائب وأراني من بحره العجائب، أشار لتشريف قدري وتعريف نكري أن أكتب عليها ما يبلغ به الجاهل مبلغها، ومقدار النعمة التي سوّغها، ومدى الهمة التي حطّم بها أنوف هذه الصفات النوافر، وأبرز من ليل الأعجمية صباحها السافر فقيّدت في أسفارها ما سنح، وأعدت إليه ما منح، وأعدتها إليه إلاّ منطق الخرس؛ فإن بعض الأصدقاء آثر الوقوف عليه، فأوقفته عليه، على أن يقضي منه أربه، ثم
يوصله إليه. وعرضت لي عوارض حال، فيها الجريض دون القريض ونوائب يكفي في ذكرها العريض. ثم تمادت المدّة وطالت ودالت دول الشواغل واستطالت. ومؤدى تلك الأمانة قد شغله عنها النسيان، وأغفله عنها عدم مرورها منه على الخاطر. وكان شيخنا ﵀ على سعة بحره يظنّ من حزازاته حتى بقدر ظفر الإبهام، ويغزو بالمطالبة لها غزو الجيش اللهام. وداخله الظنّ أنني تعمّدت تأخيرها لقصورها عن حسن أخواتها، أو لأدرجها بالمطالة تحت ذيل قواتها، فكتب إليّ:
منطق الخرس صبرا لا يراك أبوحيّان حتى يعود القارظ العنزي
حصلت في كفّ شهم لا ينال لهغور كريم الثنا والأصل محترز
إذا استعار كتابا لا يعود لمنأعاده فعل أب للضّيم محتجز
حبّ الفضائل قد ألهاه لا طمعمنه ولا يحلّ إلى نداه عزي
هذا وشيمته بذل اللّهى ويرىإسداءه للنّدى من أعظم النّهز
اضطرّ قلبي لتأليفي لتبصرهعيني كما اضطرّ صدر اللّبيب للعجز
ومن يقابل بالنبراس شمس ضحىكمن يقابل لجّ البحر بالنّزز
وقد تشوّقت للبكر التي نشأتمن فكره طفلة ليست من العجر
فابعث بها يا إمام العصر سالمةوحلّها بنفيس الدرّ لا الخرز
بحر تناءى يفوق المسك نافحهإنّ الكرام لما قد حزت لم تحز
يسرى ثنائي في الآفاق منتهبايجوز حيث الدّراري السبع لم تجز
ما فاز ذو شرف بالمدح من أحدإذا بمدح أبي حيّان لم يفز
ولم يمز جاهلا من عالم أحدإذا يكون أبو حيّان لم يمز
وقد جزيت مسيئا بالجميل فلاأكون ممن بسوء في الجميل جزي
إني لأخزى بكثر الرّسل مطّلبابنات فكري وغيري لا أراه خزي
وإنّ من سامني سوء الفعال كمنيرش بالطلّ صخر التّربة الجرز
أرض بها ينبت الشّري الكريه فمنيذقه ذاق وجيّ الحبّة الجمز
لكنّما صنعتي حول القريض فمانسجي سوى برد قدح معلم الطّرز
وقد تقدّم لي في مدحكم مدحقصائد ثبتنا عنه ولم نجز
ولما أتاني قاصده بهذه القصيدة وقف يطلب الجواب، وأبى أن ينصرف إلاّ به. وألحّ في الطلاب هذا. وعندي من بقايا تلك الهموم ما أصدأ مرآة الخاطر وقشع سحاب الفكر الماطر، ولم يسعني إلاّ إجابة داعيه، وإحالة رائد القريحة لمساعيه، فنقفت ما حظر عليه. وكتبت به إليه وهو:
مديح مثلك كالعلياء بالطّرزفي بعضه فرصة تبدو لمنتهز
لو جاء شعرك والصّهباء دائرةورمت تمييزه في الذوق لم يمز
مكمّل ليس يحتاج الصّدور بهإلى تتمّة ما ينساق في العجز
في كلّ بيت له معنى يتيه بهوربّة البيت ذات الخصر والعجز
ممكورة طفلة عزّت أماثلهيسقي عجوز طلىّ ليست من العجز
في طيّها كلّ ما يغنى الأنام بهكأن أبياتها كنز من الكنز
بديع نظم أبو حيان ناظمهولا قصيدي يحاكيه ولا رجزي
اسمع بقيت أبا حيّان ما بقيتزهر الكواكب قولا غير محتجز
ولا تبادر إلى عيني معاجلةواعرف حقيقة عذري حيث لم أجز
من ذا يطاول آفاق السّماء علاومن يقابل نظم الدرّ بالخرز
واللّه يعلم أني لا أقول سدىقولا ولا المين في طبعي بمرتكز
وإنما العذر أبديه وتعلمهواسمع يميز مقالي أحسن الميز
بأننّي عند موت الوالد اجتمعتعليّ أنواع همّ دغدغت نشزي
حتى رحلت ولا ألوي على أحدرحيل محتفل للبين محتفز
وعدت والسّقم ملتاث به جسديومثله سقم قلب حرّ كالحرز
وليتني لم أعد من سفرة كتبتعليّ حتّى يعود الفارط العنزي
وربّما قد علمت الحال أجمعهوكيف حال فتى فيما يحب رزي
وجاءت الرّسل تترى يستحثّ بهامنطّق الخرس يبغي أعظم النّهز
ولم أكن شهد اللّه العظيم بمنيضيعه وهو عندي أشرف الحيز
لكنني كنت في نفسي يضيق بهوسع الفضاء وحالي حال محترز
فلم أجد لي وقتا أستعين بهعلى تطلّبه لو كان في حجزي
وعدت أرسلته مع من وثقت بهوكان ظنّي به إيصاله فخزي
وما أضاع على علمي أمانتهما خان قطّ ولا هذا إليه عزي
أما يكون من النّسيان آخرهاوإنه بعد بالعذراء لم يفز
اسمع وقيت أبا حيّان كلّ أذىوعشت شرّ العطايا غير ذي نزز
أفي كريريسة إن ضاع ضائعهايغدو كما لك فيها ظاهر العوز
إن فتّقت فمقالات وجدت لهامن مثلها حلّةّ محبوكة الدرز
تقول من سامني سوء الفعال يرشبالظلّ حرّاء صخر التربة الجرز
بالله قل لي هذا منك عن حنقأو للفكاهة أو هذا من الطنز
لو قال غيرك هذا كنت تنكرهولو سألناك عنه قلت لم يجز
ولو يكون سمين الضّأن قد جمعتلهان لكنّه عيب من المعز
واستغفر اللّه هذا نزعه عرضتكما الجواد بها من شدّة اللّزز
وأنت سيّدنا حقّا ووالدناوحزت بالسّبق تفضيلا ولم يحز
ومن تطير مع النّسرين أرجلهفليس يدركه بضّي ولا خرزي
فامنن بعفو جميل لا تكدّرهفالعفو في شيم الأشراف كالطّرز
فكرّ رسوله راجعا في بكرة غده، وأتى إليّ بورقة يحملها في يده ثم ناولنيها، وقد برقعه الحياء بصفرة، وأطرق كأنه يردى في حفرة.
وكان الشيخ قد علّم ذلك الصبي هذه الحيلة، وأراد أن يكبر عندي هذه الطلابة القليلة.
وفطنت للمراد ووطيت من جمره على الرماد، وقرأت قصيدته غير مكترث، وقلت له: يعين الله على خلاصي من الذمة قول منبعث، فقال: أنا في قيد الجواب، لا أبرح حتى استصحبه، وأرى معي أبيات إنباته مصحبه، فتتبعت أثره ورددت عليه أو أكثره، وعدلت له فرحا بمصاب، وخلطت له عسلا بصاب، وعرّفته قدر صنائعه وقيمة رائعه وإنّ تحفته ليست سنيّه، وثمرات رطبه غير جنيّه. ثم ثبت له على الحق وقطعت بإرسالها سبية من غير رقّ؛ إلاّ أنني أخّرت له أوراقا من الكتاب المعار، والطلب الذي عقد لأجله النقع المثار؛ حبّا لمداعبته، وإيثارا لدوام مطالبته. وكان الذي كتب إليّ:
ما إن للكرم الموعود إنجازيا من له الفضل والإحسان ينجاز
أشبهت في النظم باللفظ البديع وبالمعنى الغريب لنظم فيه إنجاز
ما يشبه البحر في أمواجه ثمدولا الصدور نشا المذكيّ إعجاز
إن كان أشبهك الأعلام في شرففأنت بالعمّة العلياء تمتاز
سموت للعالم العلويّ حيث يرىللنيّرات به فخر وإعزاز
يمضي زمان ونور النيّرين معايخفى وللشّهب في الآفاق إبراز
فلا يملن إلى ما كان من عرضللجوهر الفرد فالأعراض أوفاز
في لذّة العلم ما يعني الأريب بهعن ريبه غيركم ما إن بها فازوا
ما كان إلاّ انتقال من عل لعلفيه لمنصب فضل اللّه إحراز
أنت الكبير وقد هدّيته زمناوليس بينكم في الفضل إفراز
من ذايساميك في علم وفي أدبما الجاسميّ ومن ضمّته شيراز
إنّ البراعة قد حطّت براعتكمفي طرس نفس به للملك أنشاز
لأنتم زهرة الدّنيا وبهجتهالها جمال بكم ما فيه إعواز
أثني عليك ولا أنفكّ ذا طلبفمنطق الخرس أوبى للثّرى حاز
فلا تجزني بوعد منك يمطلنيإن الملحّ لعطف الجود هزّاز
الحجب في هزّ عطف للنّدى خطلخلّ الوعود فمثلي ليس ينجاز
وأما جوابها التي ملأته بما حوى، وعكست عليه ما نوى، وأتيت به على ما تفتحت به بادرة القريحة، وبلغته ركائب الخاطر وهي غير مستريحة، فهي هذه:
بديع شعرك للأعطاف هزّاروفيه معنى لقلب المرء جزّاز
خلطت بالصاب فيه الأري فاختلطاحتّى تعذّر للتمييز إفراز
يلذّ في ذوق راويه وسامعهوكلّما قال إكرام وإعزاز
حلو اللّمى سكريّ الرّيق معدنهأرض الجزيرة لا مصر وأهواز
من المنكّب أو ما حلّ جانبهووادي أشّ وفي الحمراء ركّاز
من أرض حيّان حيّان الحرير وذابزّ الحرير وذا إذ بزّ بزّاز
ممكّن في القوافي القفر تعرف منصدوره ما حوته منه إعجاز
كأنّهنّ النجوم الغرّ واضحةوليس فيهنّ إلغاء وألغاز
بعثت لي يا أبا حيّان زائدةومنه للرّوضة الغنّاء إحراز
أبديت لي آية غرّاء محكمةللخلق منها مع الإعجاب إعجاز
رفعت قدري بأبيات شرفت بهافيها من الفضل إيجاب وإنجاز
حزن الكمال فلا شيء يقال بههذا ينقّص أو ذا فيه إعواز
أصبحت بالحلم طودا لا ارتقاء لهبل دونه فلك الأطواد أنشاز
سبقت بالعفو ما ضاق المسيء بهوحان من فعله المستور إبراز
بعثت لي تتقاضى الوعد بل تتقاضى فورّي وبالأعضاء يمتاز
ولم أكن مهملا حتى تذكرنيهل زاد جري جياد الخيل مهماز
وقلت إنّيّ لا أنفكّ ذا طلبمنطّق الخرس أوبي للنّدى حازوا
وما تأخّر إلاّ أنّ حاملهأمدّ أوقاته في البيت أوفاز
أرسلت تلقاه في رسلي فما ظفروابه وجدّوا للقياه فما فازوا
ولم يزل دابيا حتى وقفت بهوكاد يمنعه ظنّ وإحراز
منطّق الخرس كنز لا نفاد لهوهل يجود بما في الكنز كنّاز
ولا أصرّح من هذا بقيّتهفما الكريم على الإخوان غمّاز
وما أتيتك عذرا لست تعلمهوفي البريّة همّاز ولمّاز
من كان مثلك قد أبلى بهجرتههذا الزمان فقل لي كيف ينحاز
جاوزت في الأفق الجوزاء جوزتهاوللكواكب في الآفاق أجواز
لا بل ديارك في أعلى منازلهاوفي المنازل أطراف وأجواز
بلغت من قدرهم فوق الذي بلغواوحزت من فضلهم أضعاف ما حازوا
مفسّر لكتاب الله يفهمهعلى الحقيقة فهم منك ممتاز
وعدتني بلقاء بتّ أرقبهولي من القول نظّام ورجّاز
موكّل بطلوع النّجم في نظركأنّما نظري للنجم جوّاز
فاسمح بزورتك الحسناء إنّ لهامن النواظر حسنا حيث يجتاز
يكحّل الطرف مرآها بنور هدىيمتار من رشده الهادي ويمتاز
ودم وعش تمنح الآداب زاجرهوأنت بحر وكلّ الناس أنزاز
أبليتني بحروف الزاي أنظمهاثلاثة تتجافى وهي تنحاز
لقدّمت لي في الشطرنج واحدةوذي وتلك وحرف الزّاي معواز
إن كنت مختبرا فاعنت وقل أبداما شئته لتراني لست أعتاز
ومن عديّ بن كعب أسرتي ولناببطن مكة في البطحاء أركاز
والآن أرسلت ما أرسلت تطلبهمنطّق الخرس قول الحق أرماز
نجزت وعدك لّما قلت منتدباما إن للكرم الموعود إنجاز
فأخذ قاصده الجواب، ومعه منطّق الحزس، خلا ما أخرته؛ قصدا للمطايبة وحبّا لدوام المطالبة، ثم ذهب هذا وعمر اليوم قد تصرّم، ولهب الأصيل قد تضرّم، والنهار سائل لجينه على المغرب قد تكرم. والطير قد أكثر الصياح كأنه لفراقه قد تبرّم. وقطعت سواد تلك الليلة مفكرا في الشيخ ونشاطه وخفة روحه وانبساطه. ولا أظن أنه يزورني في صبيحة غد؛ ليتم ما يصنعه في الغضب، ولا يظهر أن زاخره الهائج نضب. فما كان إلاّ أن شقّ النور ثوب الظلماء، وبدّل بياقوت الشفق لؤلؤ سماء، ووقت الفجر ما ضاق، وجدول الصباح قد شرع بتموج نهره الرقّاق؛ وإذا بالباب يطرق وحسّ حمار ينهق. فأمرت من حضر بفتح الباب للطارق، وزجر شيطان ذلك الحمار الناهق وقلنا: ألا طارق يطرق بخير، وراكب حمار لا يخاف منه ضير، وإذا بالشيخ قد دخل، وسلّم، وسكت وإلاّ كان تكلّم. فلم أر ساعة أسرّ من حين مقدمه، ولا خفا كان وفيه أكثر من تقبيل قدمه، وما كان إلاّ أن حضر يطوي ما كان في أمس وطلع علينا هو والشمس. وطلّنا في يوم لا عيب فيه غير قصر، وسرور لا شيء فيه إلا فرط نداه في يد مهتصر. واستشدى موشحات كبت نظمها وبلغته، ولم يقف عليها ولا سوغته. فأبرزت له ما ظنّ أنه من الأندلس وزفّ من الغرب فاق العرس، فقال فيها ما هو أهله من الجميل، وما عهدت من جنابه الجزيل. ثم أخذ يسألني عن الشخص الذي أشرت إليه في القصيدة فوفيت بما ضمنت من كتمانه وبحثه عن طريقه؛ فظنّ أنّ الفاضل شمس الدين محمد ابن الصائغ الزمردي هو ذلك الشخص. وكان لا يراه إلاّ بعين النقص فلما اشتدّ هذا عنده وتصوّره، ورجع بباطنه فيه إلى آرائه المنكره، فبعث إليّ بقصيدة يذكّر فيها، ويذكر الإمام أبا عبد الله ابن الصائغ الأموي ذكرى متوافية، ولم يك للأول كنت ولا للثاني،
وانما أساء في ذلك الظن، وهذا ما جرّته القافية.
وهذه القصيدة هي التي بعثها، ولوافح سمومه التي نفثها:
أيا سيّدا جاز المعالي والمجداليهنك مولى محسن أنجز الوعدا
على أنه قد راح جزء من اوّلوجز آن فاختلّ الكتاب وما أجدى
يذكرني ما قد بقي حسن ما مضىفينشئ لي غمّا وينبت لي حقدا
وفقدي لبعض منه فقدي لكلّهفياليت أني كنت أذكره فقدا
فابكيه ما شبّته نار بفارسبطرف زكا دمعا وقلب ذكا وقدا
واندبه ندب الهلول وحيدهاوقد نظمت من دار أدمعها عقدا
ومن عرض الحسناء يبدى عصارةبلا خطأ من راغب في الورى نقدا
أراك ازدرت عيناك حسن شبابهافأزريت بالمهدى وما كان قد أهدى
ولو سحت نجلا لا غنى عزّ أمةفلم ينتجز وعدا ولم ينتهز ردّا
ولو كنت قد شطّت بنا غربة النّوىفأذكرني ما قد جرى السؤدد العدّا
فلا تعجبن من سيّد نجل سيّديلاطف بالإحسان رقّا له عندا
ببابك أضحى الناس يجمعهم هوىولم أر فيه من غدا للورى ضدّا
كمشتركين اسما ووصفا كلاهمايميّزه وصف غدا لقبا فردا
أنافا على الصّوّاغ في أذنيهمافمن صاعد نجدا ومن هابط وهدا
ينفّق بالإيمان سلعة ما ادّعىفيعرفه علما وينكره جحدا
كتابي ملكي إن أكن بائعا لهولا واهبا بل مزج نظم له أدّى
أيسلبه هذا الصّويّغ عنوةوأتركه إني إذن لم أكن جلدا
فلا تحسبن أني تروك طلابهولو أنني في الرمس أسكنه لحدا
فإن أحضر الديوان يقضي إلى الرضاويقضى له بالسّكن أتبعه حمدا
وإن لا يكن علما فإني أبينهاعقارب سمّ تلسب العظم والجلدا
وهأنذا أرسلت سهوا رسالةيخبّطه مسّا ويربطه شدّا
يطوف به بحرا وبرّا إذا أتىبذنب فقد ألقى بها هائما بردا
يعلّم فيه النحو من كان من بنيأبي مرّة عندى الطلى بدنا مردا
فيعنى بمرد الجنّ عن مرد إنسناينادمهم فيما أعاد وما أبدى
وما الشعر والآداب إلاّ فكاهةترى الجدّ هزلا أو ترى هزله جدّا
ومن لم يكن في طبعه أدب فمايلذّ به أن سمعه عنه قد سدّا
ومحكم نفح للكلام هو الذييقلّب في أنواعه باذلا جهدا
يقبّل روض العلم أحصله الندىفيقطفه زهرا وينشقه ندّا
وينظم ممّا كان نثرا وينشر الّذي كان نظما سالكا منتهى قصدا
فلا بمدال اللفظ سوقية ولابحوشية قد بات ينحته صلدا
ولكنّه سهل المناحي لطيفهفلذّ به سمعا ويرشفه شهدا
ومن حاز آدابا وعلما وسؤددايكن كابن فضل اللّه أسنى الورى حدّا
على أنه لا مثل أحمد في الورىأعزّهم نفسا وأشرفهم جدّا
وأوقدهم ذهنا وأنقدهم لغاوأبعدهم صيتا وأقربهم ودّا
يلوذ الندى والعلم والحلم والتقىبحقويه لا يلقى له أبدا ندّا
غنيّ بأوصاف الكلام فلا يرىيريد بمدح لا تجارا ولا مجدا
فوقفت على هذا الجواب، ورأيت السكوت الصواب؛ إذ لا يمكنني الممالاة عليهما، لا سيّما وهما أبريا. ولا الممالاة على الشيخ لما يقتضيه الحيا. واضطربت على القصيدة صفحا، وأضرمت خاطري فتآكل بنار لفحا. وخفت أن يؤدي الفحص إلى معرفة الشخص، فحيل الوفاء بالضمان، وبحل ما عقد الزمان. وقلت للرسول الحامل بصحيفته ما لا يحضرني الآن نصه، ولا أعرف كيف كان عنقه ونصّه؛ إلاّ أنّ معناه المباسطة، وباطنه للمغالطة؛ خشية على تلك الشياه من ذلك الذئب الغائب والرجل المغايب. استغفر الله، بل الأسد الملتقم
والبحر الملتطم، والسهم الذي لا يردّ إذا خرج من اليد، والسيف الذي إذا ضرب، لا يرجع حتى يفجع. والأرقم الذي لم يقبل بل أسقم. وتماديت على ناظر ما أسقطت، وإظهار الضنانة بما التقطت. فلم ألبث أن عاد رسوله إليّ مسرعا وسلّم عنه، إمّا أدى الأمانة أو قال متبرعا، ثم أخرج إليّ منه ورقة كاغد، فقرأتها، فإذا فيها:
أتاني من الأوراق ثنتان فلتجدبثالثة من كان جاد وأفضلا
بها يكمل الجزء الذي كان ناقصاوكم ناقص كمّلته فتكمّلا
وكم لشهاب الدين عندي من يدبتقبيلها كادت يدي أن تقبّلا
ومن يكن الفاروق جدّا له يكنلذي العالم العلوي أشرف منزلا
دعوت أمير المؤمنين لأنهبه بدأ الإيمان واعتزّ واعتلى
فأنجله منه مشابه علمهوعزة نفس قد أتتّ أن تذلّلا
تجافى عن الدنيا وعن زهراتهاوأعرض عمّا غيره كان مبتلى
فلا ذكر إلاّ في علوم يبينهاولا فكر إلاّ في القران إذا تلا
فأرسلت له الورقة المعوّزة، وتقاضيت بتجهيزها مدائحه المنجزة، وأعدت إليه الرسول على الحافر، بقصيدة تحكي صبحها السافر:
بقيت أبا حيّان كنزا مؤملاودمت لأهل الفضل كهفا وموئلا
فأنت إمام العصر غير منازعولا نازل إلاّ السّماكين منزلا
سحاب الندى بحر الجدا علم الهدىخصيم الردى كبت العدا كوكب العلا
وأقسمت ما ضمّت شبيها لفضلهمجاري مدار الشّهب برّا مفضّلا
إمام تقيّ ما تقدّم مثلهأتى آخرا عصرا وقد بزّ أوّلا
عقائل تصبينا ولم تدر ما بنالهان عليها أن تقول وتفعلا
أما وهواها لم أقل لصبابتيأما وهواها غدرة وتنصّلا
فعند رضا الأحباب جبر وديمةوعند العتاب الموجري متنصّلا
تألّق برقا ثم أرسل مزنةفخوّف أحيانا بها ثم حوّلا
أتاني قصيد منه ما السحر غيرهافكم غادرت لفظا لبالي مبلبلا
بعثت أثير الدين بردا منمّقابعثت أثير الدين عقدا مفصّلا
فيعذب فيها للمسامع مجتنىويحسن فيها للنواظر مجتلى
بلا ميّة حسناء ما لام عارضبأحسن منها في الخدود مقبّلا
ومن قبلها جاءت على الدال مثلهاوقد جليت مثل الأهلّة منجلى
فعاينت نور النيّرين مقابلاوعاينت نوء الغيث والبحر مقبلا
بدال ولام بعدها قد توافياوذلك ممّا دلّ فكرا مضلّلا
ذللت على ما ضاع لو كان لحظهله عن عواديه فداء معجّلا
صحيفة تصنيف أحاط بعينهبكل لغات الفرس في الدولة الألى
منطّق خرس لا يفوه بلفظةمن القول لولاه ولم يدر مقولا
بألسن فرس كان يخفى حديثهمفعرّفنا منه طريقا موصّلا
وما هو إلا ترجمان لعلمهمسنفتح منه كلّما كان مقفلا
له الثمن الغالي على لطف حجمهكذلك حجم الدرّ في القدر والغلا
لبثنا على تلك الصحيفة مدّةنحاول منه للصحيفة صيقلا
ونسأل عنها وهي ليست تجيبناكذلك ذات الجود أن تتبدّلا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع