من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حبان النفزي
الصفحة ٢ من ٢
فعاد إليّ رسوله بالجواب إلاّ أنه انتقل في الوزن والرويّ، وجاء بما أضاء به من قدح زنده:
منطّق الخرس إنس قد كملت فلاترى كمثلك شعرا قد سما وعلا
لما اعتنى بك مولى لا نظير لهصرنا بعزّك فينا نضرب المثلا
تزين الفلك الأعلى بزينتهزان الوجود وزان النيرين علا
مولى بذكراه أفواه الورى أرجتمسكا ودافت بها من ذكره عسلا
قد زيّن الله بالتقوى سريرتهوحسّن القول منه الله والعملا
رشيد فعل شديد في مقالتهفلا نرى خطأ فيه ولا خطلا
فالقول آيات قرآن يردّدهابالفكر والعمل الزاكي به اتّصلا
ومن يكن عمر الفاروق محتدهفلا يكون بغير الله مشتغلا
ألهاه عن نهجه الدنيا وزهرتهاعلم ودين وزهد أبطل الأملا
وصبر نفسي على تقوى توصّلهلجنّة الخلد إذ كانت له نزلا
فلم ألبث أن كتبت إليه، وأعدت رسوله بالجواب عليه:
هذا الفريق جنوبي الحمى فسلاإن كان قلبي من بعد الفراق سلا
وهل وقفت بربع دون كاظمةأبكي وأندب من أطلاله طللا
ما ذا أقول لبرق بات يومض ليلولا الثنايا لما أذهبته قبلا
ما بتّ أنكر من حال الثغور بهإلاّ افتقادي به الصهباء والعسلا
بل كيفما نكر راح كنت أشربهاممّا جلاه أبو حيّان كأس طلا
صهباء يزداد عقل الشاربين بهاما نال عقلي بها قد راع أو عقلا
فرحت أهتن في بردي بها عجبالا أنني رحت منها شاربا ثملا
إن لم يكن من رضاب الغيد ريقتهافإنّها قد أعارت سحرها المقلا
دعج تنهّض نحو الفتك ناظرهالكي يدرّ على أجفانها الكسلا
وأنت تذكر شيئا فات من زمنما غاله النقص إلاّ أنّه كملا
أقسمت ما كان محتاجا لتكملةوكيف يحتاج طرف الأكحل الكحلا
معرّب للسان الفرس ما نطقتإلاّ به صادق في كلّ ما نقلا
منطّق الخرس لولاه لما عرفواسبل الكلام ولا اقتادوا له الذللا
هو الأثير ومنه أهل عنصرهأما تراه بنار الكفر مشتعلا
لقد أتاني فيه كلّ غانيةقد حاكت الريم إلاّ الصدر والكفلا
ترمّ بيتي لا بيتا لجارتهامثل السحابة لا ريثا ولا عجلا
خود عليها من اللامات سابغةفهل رأيت الرداح الخود أو بطلا
لا بل هي الخود لكن حشو مقلتهابيض تسل لقدّ يشبه الأسلا
فمرحبا بأثير الدين حيث أتتفريدة أصبحت في حسنها مثلا
عقيلة من بنات الفكر ما برزتإلاّ ونكّس وجه البدر أو خجلا
عقد من الدرّ إلاّ أنّ ناظمهخلّى به الدرّ ملقى يشتكي العطلا
ثنّى لبيدا بليدا والبعيث بلابعيث رأي وألقى الأخطل الخطلا
هل كالإمام أبي حيّان قدوتنامن يأخذ العلم عنه يرتق العملا
وأين مثل أبي حيّان من رجللا يعدل الدهر في الدنيا به رجلا
يمّم حماه ومعناه وصورتهتلق الهدى والندى والبدر مكتملا
ليث الشّرى غضبا صوب الحيا كرماطود النهى شرفا أفق السماء علا
كأنّه البحر لا بل بعض فكرتهكأنه السيل لا بل ذاك إن سيلا
لقد حباني بتشريف أجرّ بهعلى المجرّة من أذياله حللا
في كل وقت توافي منه مكرمةيفوق آخرها في فضله الأولا
ومن يكن بأبي حيّان سلوتهآتى بيانا إذا ما فارق الدولا
صدقت أني بزهد قاطع أمليلولا التفاؤل لم أبق لي الأملا
ومن نظم أبي حيّان رحمه الله تعالى، قوله:
راض حبيبي عارض قد بدايا حسنه من عارض رائض
وظنّ قوم إنّ قلبي سلاوالأصل لا يعتدّ بالعارض
وقوله:
سبق الدمع بالمسيل المطاياإن نوى من أحبّ عنيّ نقله
وأجاد السطور في صفحة الخدّ ولم لا يجد وهو ابن مقله
وقوله:
من نصير المشوق من لحظ خصركلّم القلب كلمة ليس بترا
تبع القلب شخصه إذ تولىوكذاك الكليم يتبع خضرا
وقوله:
عداتي لهم فضل عليّ ومنّةفلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فأجبتهاوهم ناقشوني فاكتسبت المعاليا
وقوله:
حبيس بها سود العيون وناظرويا ظالما كاد الجنون يسودا
لقد طعنت والقلب ساه فما درىأبا لقدّ مهّى أم بصعدة شمّرا
وقوله:
قد سباني من بني الترك رشاجوهريّ الثغر مسكيّ النفس
ناظري للورد منه غارسما له لا يجتني ممّا غرس
لست أخشى سيفه أو رمحهإنّما أرهب لحظا قد نعس
لمس الكأس لكي نشربهافاعتراه هزة ممّا لمس
ثم أدّى جوهرا من جوهروتحسّى الكأس في فرد نفس
وبدا يمسح بالمنديل ماأبقت الخمرة في ذاك اللعس
عجبا منها ومنه قهقهتإذ حساها وهو منها قد عبس
وقوله:
أرحت روحي من الإيناس بالماسلمّا غنيت من الإكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدابنات فكري وكتبي هنّ جلاسي
وقوله في مثلّم ثغر:
ثناياك درّ والرّضاب الذي بهارحيق وقد أضحى ختاما على الخمر
تأرّج منها عرفها فغدت بهانشاوى نفوس لا تملّ كما تدري
ورامت وصولا للندامى فلم تجدسبيلا بفيض ما يعوق من الدرّ
فلا تحسبوا أنّ انكسار ثنيّهبشين فكل الخير في ذلك الكسر
تأشّر منها بعضها ولعابهاوأحسن ما في الثغر إن صار ذا أشر
وصرنا متى نلثمه نرشف رضا بهفتجري لنا الصهباء من لثمة الثغر
رضاب به يشفى الأوام أخو الصبافكالشّهد في طعم وكالمسك في نشر
حباني به فرخ من الترك لم يصلمن العمر إلاّ أربعا فوق ما عشر
يكوّن من نور قوافي نهايةمن الحسن إذ أضحى كيوسف في مصر
أنسنا بقرب منه من بعد وحشةوأبدلنا الوصل المهنّأ بالهجر
وأمتعنا من ريقه وجبينهبأشهى من الصّهبا وأبهى من البدر
بجسم حكى لونا سبيكة فضّةوقد أشربت شيئا يسيرا من التّبر
وعين له لحظا لفتنة ناظركأن بها هاروت ينفث بالسحر
تناسبت الأعضاء منه فلا ترىبهن اختلافا بل أتين على قدر
أسرّح عيني في الملاح فلا أرىشبيها له فيهم ولا جال في فكر
تمازج روحانا هوى وصبابةفبالجسم في شفع وبالروح في وتر
وجاء لنا طوع المراد فلا يرىعصيا لنا في الطوع والنهي والأمر
نقضي به عيشا من الدهر صالحاونجني به الآمال دانية الثمر
ومنه قوله:
هي الوجنة الحمراء والشّفة اللميالقد تركاني في الهوى ميتا حيّا
هما ألبسا جسمي سقاما وواريافؤادي غراما حمله الصعب قد أعيا
فمن مهجتي نار ومن مقلتي حيامتى اشتعلت هذي يزيّد ذا جريا
وبي من إذا ناجيته ذبت هيبةوجانبته جهرا وهمت به خفيا
مليح إذا ما لاح أبهت من رنافاردى الذي أنأى وأحيا الذي حيا
عليم بنيّات النفوس وما حوتكأن له من نجو أسرارها وحيا
تجمعت الأضداد فيه محاسنافعبسته موت وبسمته محيا
وغرّته بدر وطرّته دجىوأعطافه ظمأى وأردافه ريّا
أغار اعتدالا كلّ غصن كمثل ماأغار السنا والناظر الشمس والظيّا
وأخجل نور البدر لمّا تقابلافكلفة وجه البدر من فرط ما استحيا
عجبت لخال حلّ في وسط أنفهوعهدي به وسط الخدود يرى وشيا
ولكنما خدّاه فيه تغايراهوى فابتغى من وجهه أوسط الأشيا
وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطلفكيف إذا ما الخال كان له حليا
أيا باخلا حتى بتقبيل كفّهعلى من سخا حتى بحوباه في الدنيا
ألم ترأني طوع حسنك دائماوقلبي لا يعصيك أمرا ولا نهيا
ومنه قوله:
أدمعي أجرى ودمعي قد ملكقمر قد لاح من سحب الحلك
بدر حسن حين يبدو للورىكلّ قلب ودّ لو أضحى فلك
صيغ من نور فلا يعلم هلبشرا أنشاه ربّي أم ملك
من بني التّرك صغير لم يدعلفؤادي جلدا أو لا ترك
ناسم عن نفحة مسكيّةباسم عن لؤلؤ فيها احتبك
فتنة تدعو القلوب للهوىلو رآه ناسك لما نسك
ضاع قلبي في هواه فأنالست أدري أيّ شعب قد سلك
يا غزال القفر عدني زورةتحيي قلبا في التصابي قد هلك
بين جسمي والضّنى صلح كمابين قومي وجفوني معترك
فغرامي في الهوى قد انتهىوسقامي مذ عرا قد انتهك
نصب المعشوق عينيه لناشركا والقلب أضحى في الشّرك
ومنه قوله:
هو الحسن حسن التّرك يسبي الورى لطفاويعطف سالي القلب نحو الهوى عطفا
يدرن من اللحظ السواجي مدامةفللّه ما أحلى وللّه ما أصفى
وينصبن من هدب المآقي حبائلافكم أنفس أسرى لذي المقلة الوطفا
وبي قمر منهن تبدي فأصبحتمنازله من جسمي القلب والطّرفا
حكى الشمس وجها والغزال التفاتةوغصن النقا عطفا ودعص اللوى ردفا
أبدر بني خاقان رفقا بعاشقبراه النّوى حتى لقد كاد أن يخفى
وقد عدتني يوما فعدني بمثلهلعلّي من الأوصاب إن زرتني أشفى
يداوى أناس بالبعاد فما شفواولا شيء أبرى من وصال ولا أشفى
وما أنس لا أنسى زيارة مالكيألاحظ منه البذر والغصن والحشفا
هصرت بذيّاك القوام أراكهوأفنيت تلك الراح من ريقه رشفا
أيا ذهبيّ اللّون روحي ذاهبفرفقا بهيمان على الموت قد أشفى
ومنه قوله:
شرف الحرير بأن غدا لك ملبسالم لا وجسمك منه ألين ملمسا
يا شادنا ما ازداد مني وحشةإلا وزاد القلب فيه تأنّسا
طلست عقول الناس لمّا أن غدايمشي الهوينا في قباء أطلسا
متنسّم عن نفحة مسكيّةمتبسم عن أنشبيّ في الغسا
هو ثالث القمرين وهو أتمّهانورا وأبعدها مدى أن يلمسا
إنّ التفاوت في العلو لموضحمن كان أعلى في المنازل مجلسا
فالبدر في أولى السما والشمس فيوسطى ومن أهواه حلّ الأطلسا
ومنه قوله:
وما كنت أدري أن مالك مهجتييسمّى بمظلوم وظلم جفاؤه
إلى أن دعاني للصّبا فأجبتهومن يك مظلوما أجيب دعاؤه
قال شيخنا أبو حيان: أنشدت هذين البيتين قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز، قال: وكان يشعر شعرا جيدا، لكنه لا يتظاهر به، فأنشدني لنفسه بيتين حفظت منهما الأول، وهو:
أنت مظلوم بظلميلست مظلوما بظلمي
ولم أستبن الثاني.
وعدنا إلي أبي حيّان، ومنه قوله:
أترى يدري حبيبيما أقاسي من لهيب
يا حبيبي ذاب قلبيمن غرامي ونحيبي
أنت بدر أنت شمسأنت معشوق القلوب
يا هلالا يا غزالامالكا قلبي الكئيب
لك وجه قمريّوقوام كالقضيب
وعيون رامياتلي بالسّهم المهيب
وخدود دامياتمثل تفاح خضيب
وفم عذب صغيرمنبت الدرّ العجيب
فيه شهد فيه مسكلمذاق ولطيب
يا غريب الحسن رفقابمعنّاك الغريب
أنت في كل زمانلست تخلو من رقيب
فمتى يرجو محبّاجتماعا عن قريب
يا حبيبي إن يدم ذامتّ شوقا للحبيب
ومنه قوله:
وبروحي من إذا أبصرتهذهبت روحي عليه حسرات
شادن سكران من دلّ الصّبامنه أضحت مهجتي في حبكرات
شبّهوه في الهلال بالسناأين منه خفر في الوجنات
من بني الأتراك معسول اللّمىقمريّ الوجه نوريّ الصفات
أسمر قد هزّلي من قدّهأسمرا يدري بخطيّ القناة
قوسه الحاجب والسهم لهطرفه والقدّ يسطو بالظبات
قد غدا في حسنه في شكّهيهزم العشاق منه بالتفات
إن دنوا منه فسيف ينتضىأو نأوا عنه فسهم منه آت
أو تكونوا بين قرب ونوىأعمل الخطيّ في ذي النظرات
ومنه قوله:
تلمّح في عشّاقه فأشاحاوشدّ على الخصر النحيل وشاحا
وأضفى على الجسم النحيل مفاضةفشاهدت ليلي قد أجنّ صباحا
وجرّ قناة كالقوام لدونهوسلّ حساما كاللّحاظ جراحا
وأوتر قوسا كالهلال انحناؤهوفوّق سهما كالقضاء مباحا
رأى منه أوصافا فضمّ شبيههاإليهن فازداد المليح سلاحا
وقد كان يغنيه عن الدّرع درعهوعن رمحه ما قد يفوق رماحا
وعن قوسه والسهم قوس وحاجبوعن سيفه لحظ يفلّ صفاحا
مجذّب عين جاذب بفتورهاإليه قلوبا بالحياة شحاحا
يقيّد من يرنو إليها بحسنهافمدنفها ما يستطيع سراحا
وما ضاق منه العين إلاّ لبخلهبوصلي وإن فاق الأنام سماحا
أرى رشدا فيه الغواية مثلمافسادي أراه في هواه صلاحا
وقد جدّ حبّي في هواه نهايةوكان ابتداء الحبّ فيه مزاحا
وما الحبّ إلاّ نظرة إثر نظرةتزيد نموا إن تزده لحاحا
ومنه قوله في طبيب:
كتم اللسان ومدمعي قد باحاوثوى الأسى عندي وأنسى الرّاحا
إني لصبّ طيّ ما نشر الهوىنشرا وما زال الهوى فضّاحا
وبمهجتي من لا أصرّح باسمهومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم جفوّه وجنوحهويروغ عني جفوة وجماحا
أبدى لنا من شعره وجبينهضدّين ذا ليلا وذاك صباحا
عجبا لنا يأسو الجسوم بظنّهوكما بأرواح أثار جراحا
نادمته في ليلة لا ثالثإلاّ أخوه البدر غار فلاحا
يا حسنها من ليلة لو أنهادامت ومدّت للوصال جناحا
وقوله:
غزيّلة ترتقي في الحشاسميرا تزرّى بسمر الرّماح
حمى البطن عن بردها نهدهاكما قد حمى المتن ردف رداح
شكى غلظ الساق خلخالهاكما رقة الخصر تشكو الوشاح
فلو خطّ هذا بموضع ذالقد كان هذا وذاك استراح
لها أعين هنّ غيّبننيسود تخيف أسود الكفاح
فلا تغترر بسقام بهافكم كسّرت من قلوب صحاح
ولا تعتقدها سوى أسهمألم تر ما أثّرت من جراح
وقوله في غلام أسود عثمان، ومعه عبد له أسود:
وريم حكى بدر الدّجى في جمالهوغصن النّقا في القدّ والظبي في اللّمح
شكا وهجا من طول صوم وحرّهفخفّف عنه بعض ذلك بالسّبح
تجرّد عن جسم سبيكة فضّةفيا حسن ما انشقّ الظلام عن الصّبح
وقارنه في العوم زنجي جلدهفلاحا لنا ضدّين بالحسن والقبح
وقالوا غروب الشمس في البحر آيةونحن رأينا ذاك في الحلو لا الملح
وكم مرّ لي وقت تمنّيت وصلهوذو الصبر للأيام يظفر بالنّجح
فسحقا لأيام تقضّت بخيلةوسقيا ليوم صالح بالمنى سمح
رأيت الذي أهواه فيه مجالسيتعاطى كؤوس الأنس بالجدّ والمزح
ويبسم عن سلك من الدّر أشنبوينسم عن مسك ذكيّ على النّفح
همو شبّهوا بالشمس نور جبينهوبينهما فرق سليم من القدح
تغيب ونور الشّمس لا شكّ واحدوعثمان ذو النورين يمشي كما يضحي
وما أنس لا أنس انفرادي بوصلهعشية ما أشكو أقاسي من البرح
فنام قرير العين ملء جفونهوجفني ذو قرح ودمعي ذو سحّ
ومنه قوله:
ذو غرّة نوريّة ذو طرةظلميّة فيها ضلال من اهتدى
شرك النواظر والخواطر طرفهفلكم به طير القلوب تصيّدا
ما إن يهزّ منفّقا من قدّهإلاّ وكان به فؤادي مقصدا
ولما يسيل مهنّدا من لحظهإلاّ غدا وسط الجوانح مغمدا
ولما يعنّيك الفريض مردّداإلاّ وأنساك العريض ومعبدا
غنّى فأطرب كل شيء لحنهحتى الجماد غداه منه ما غدا
كم حرّكت نغم له من ساكنولكم بها نعما لدينا أوجدا
كادت تطير من السرور قلوبنالو لم يكن قلب لجسم قيّدا
شرفت على أبصارنا أسماعناإذ قام فيها بالأغاني منشدا
فلئن غدا في الحسن أوحد عصرهفلقد غدا في الحزن قلبي أوحدا
يا نائما ملء الجفون دع الجفاوارحم مليّا من هواك مسهّدا
ولقد بداه منك ودّ ظاهريا ليت شعري ما حدا ممّا بدا
ومنه قوله:
نور بخدّك أم توقّد ناروضنى بجفنك أم خمار عقار
وشذى بريقك أم تأرّج مسكهوسنا بثغرك أم شعاع دراري
جمعت معاني الحسن فيك فقد غدتقيد القلوب وفتنة الأبصار
متصاون خفر إذا ناطقتهأغضى حياء في سكون وقار
في وجهه زهرات روض تجتلىمن نرجس مع وردة وبهار
خاف اقتطاف الورد من وجناتهفأدار من أسر سياج عذار
وتسلقت نمل العذار بخدّهليردن شهدة ريقه المعطار
وبخدّه نار حمتها وردهافوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أواري في هواه محبّتيولقد وشى بي فيه فرط أواري
حكم الجمال عليّ أني عبدهوجماله مستعبد الأحرار
ومنه قوله:
عشقته عندما تمّت محاسنهوقد تسيّج ورد الخدّ بالزّغب
حلو الحديث لطيف الروح طيّبهكأنما صيغ من درّ ومن ذهب
مضارع لي فيما قد يروم بهمن غير فحشاء نأتيها ولا ريب
مكمّل الخلق من فرع إلى قدممبرّأ الخلق من عجب ومن غضب
رشفت منه رضابا طيبا لعساوذقت من ريقه أحلى من الضّرب
سكرت من ريقه المعسول إنّ بهلخمرة هي تزرى بابنة العنب
جذبت من قدّه غصنا فجاذبنيما أثقل الغصن من أرادفه الكثب
وقد عجبت لبدر فوق خوطتهوقيل ما إن عهدنا البدر في القضب
وكان في خدّه خال ففارقهلما رأى حمرة ترميه باللّهب
وفرّ محتميا بالأنف محتجباواسودّ من لفحة أدنته للعطب
وخاف من حمرة نمل العذار وقدرام التنزل من علو إلى صبب
فظل حيران رفقا فوق عارضهيظما إلى شهده من ربقة الشّهب
ومنه قوله:
وبروحي شادن مسكيّهمقلة تهمي وقلب يجف
قمريّ الوجه نوريّ السنالو رآه هام فيه يوسف
غصن بان تحته دعص نقافوقه شمس ولا ينكسف
عينه صاد ونون حاجبصدغه واو وقدّ ألف
عجبا للواو لا تعطفهوهي وسط خدّه تنعطف
بان عذري في عذار حلّ فيأبيض تحميه سود وطف
إن تك الأضداد فيه اتفقتفعلينا بالهوى نختلف
من نصيري من غزال غزلعن هواه الدهر لا أنصرف
قد كتمت عنه حبّي زمناوهو لا شكّ به يعترف
كلّما كلّفت قلبي عنكمصبره زاد بقلبي الكلف
ومنه قوله:
إذا كان إحساني لكم تهدرونهعلى غير شيء كنت أولى لهم هدرا
إذا كان بدر الأفق يأبى بزوغهعليّ منعت العين أن تنظر البدرا
إذا كان حلّى مظهرا لي تكبراعليّ فإني أملأ الارض لي كبرا
إذا كان ذو جاه ومال تزورهسنين فلم ينفعك فاخطط له قبرا
إذا كان مأمولا ترجي بلوغهوفات فلا تحدث له أبدا ذكرا
إذا كان سرّ ضقت صدرا بحفظهفلا تعتبن من ضاق يوما به صدرا
إذا كان بعض المال يكفيك فاقتنعتصون به وجها وتحيي به حرّا
إذا كان عسر قد أضرّك فاصطبرله وارتقب من بعده عاجلا يسرا
إذا كان فضل المرء وافاك بادياأجزه به فضلا وزد فوقه شكرا
إذا كان سعد لم تبال بكل منيعاديك فاعمل صالحا وادّخر أجرا
إذا كان خبث في صديقك فاحترزفإنّ خفايا الخبث تبغي لك الشرّا
إذا كان ودّ المرء فيك معلّلابأمر تقضّى إن قضى فلك الأمرا
إذا كان سوء الظنّ حزما فعوّلنعليه فحسن الظن يرجى لك الضرّا
إذا كان هفو من مواليك فليكنله منك عفو تلقه صاحبا برّا
ومنه قوله:
جديد الحسن في خلق تبدّىفحار الطرف وارتاع الفؤاد
فقلت وقد مضى قلبي إليهأعده فقال ماض لا يعاد
ومنه قوله:
فلما تدانينا ودون كلامناكلام الرقاق البيض والذبّل السّمر
بكيت وأبدى ثغرها لي تبسماولا عجب أن يبسم الزّهر للقطر
ومنه قوله:
على قدر حبّي فيك وافاني الصّبرفلست أبالي كان وصلك أم هجر
وهل نظري ألاّ سلام ونظرةوقد حصلا والذلّ يأنفه الحرّ
سأسلوك حتى لا أراك بناظريوأنساك حتى لا يمرّ بك الفكر
ومنه قوله:
وقالوا الذي تهواه أصبح قد بدابخدّيه شعر سالب كلّ ناظر
وما الخدّ منه غير مرآة صيقلوما الشّعر فيه غير هدب النواظر
ومنه قوله:
وا رحمتا لفؤادي كم أعنّفهفليس يردعه قول ولا عمل
مرّت عليه دهور لا يصيح إلىداعي الهوى وله نحو الصّبا ميل
ومنه قوله:
بعيد ودّ قريب صدّكثير عتب قليل عتبى
كالشمس طرفا كالمسك عرفاىكالخشف ظرفا كالصخر قلبا
ومنه قوله:
إني لأسمع من خلد وحين أرىحتى يحدثني أصغي على صمم
كيما يلذّ بتكرار الكلام معيأدني ويلفظ منه الدرّ في الكلم
وحكى شيخنا أبو حيّان، قال: قدم علينا الشيخ المحدّث أبو العلا محمود بن أبي بكر البخاري الفرضي القاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنّا نسايره في طلب الحديث. فإذا رأى صورة حسنة، قال: هذا على شرط البخاري.
فنظمت هذه الأبيات:
بدا كهلال العيد وقت طلوعهوماس كغصن الخيزران المنعّم
غزال رخيم الدلّ وافى مواصلامواصلة منه على رغم لوّمي
مليح غريب الحسن أصبح معلمابحمرة خدّ بالمحاسن معلم
وقالوا على شرط البخاريّ قد أتىفقلنا على شرط البخاري ومسلم
فقال مولانا: أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت: أنت البخاري وأنا المسلم. قال: وتشبه هذه الحكاية ما جرى بين الحافظ أبي عمر ابن عبد البرّ النمري والحافظ أبي محمد علي بن أحمد اليزيدي، كانا يتسايران في سكة الخطابين من إشبيلية فاستقبلهما غلام وضيء الوجه. فقال أبو محمد: إن هذه لصورة حسنة. فقال أبو عمر: لعلّ ما تحت الثياب ليس هناك. فأنشد أبو محمد ارتجالا:
وذي عذل صعب سباني حسنهيطيل ملامي في الهوى ويقول
أفي حسن وجه لاح لم تر غيرهولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللّوم عاذليوعندي ردّ لو أردت طويل
ألم تر أني ظاهريّ وأننيعلى ما بدا حتى يقوم دليل
وحكى أبو حيّان أيضا، قال: اجتمعت أنا والقاضي علاء الدين بن بنت الأعز والقاضي فخر الدين بن درباس في متنزّه، وإذا بغلام يعوم في النيل ويتلطخ بالتراب ويسبح، فنظم كلّ منّا قصيدة في ذلك من غير أن يطّلع على نظم الآخر أو يتقارب في المعنى:
ومترّب قد ظنّ أن جمالهسيصونه منّا بترب أعفر
فغدا يضمّخه فزاد ملاحةإذ قد حوى ليلا بصبح أنور
وكأنما الجسم الصّقيل وتربهكافورة لطخت بمسك أذفر
وقال القاضي علاء الدين:
ومترّب لولا التراب بجسمهلم تبصر الأبصار منه منظرا
وكأنه بدر عليه سحابةوالتّرب ليل من سناه أقمرا
وقال القاضي فخر الدين:
ومترّب تربت يدا من حازهلقضيب تبر ضمّخوه لعنبر
وكأن طرّته ونور جبينهليل أطلّ على صباح أنور
وتوفي ﵀ ورثاه جماعة من الفضلاء. فمنهم الفاضل العلامة صلاح الدين أبو الصفاء الصفدي، رثاه بقوله:
مات أثير الدين شيخ الورىفاستعر البارق واستعبرا
ورقّ من حزن نسيم الصّباواعتلّ في الأسحار لمّا سرى
وصادحات الأيك في نوحهارثته في السجع على حرف را
يا عين جودي بالدموع التييروي بها ما ضمّه من ترى
واجري دما فالخطب في شأنهقد اقتضى أكثر مما جرى
مات إمام كان في علمهيرى إماما والورى من ورا
أمسى منادي للبلى مفردافضمّه القبر على ما يرى
يا أسفا كان هدى ظاهرافعاد في تربته مضمرا
وكان جمع الفضل في عصرهصحّ فلمّا أن قضى كسّرا
وعرّف الفضل به برهةوالآن لمّا أن مضى نكّرا
وكان ممنوعا من الصرف لايطرق من وافاه خطب عرا
لا أفعل التفضيل ما بينهوبين من أعرفه في الورى
لا بدل عن نعته بالتقىففعله كان له مصدرا
لم يدّغم في اللحد إلا وقدفكّ من الصبر وثيق العرى
بكى له زيد وعمرو فمنأمثلة النحو وممّن قرا
ما أعقد التسهيل من بعدهفكم له من عسرة يسّرا
وجسر الناس على حوضهإذ كان في النحو قد استبحرا
من بعده قد حال تمييزهوحظه قد رجع القهقرى
شارك من قد ساد في فنّهوكم له فنّ به استأثرا
دأب بني الآداب أن يغسلوابدمعهم فيه بقايا الكرى
والنحو قد سار الردى نحوهوالصرف للتصريف قد غيّرا
واللغة الفصحى غدت بعدهيلغى الذي في ضبطها قرّرا
تفسيره البحر المحيط الذييهدي إلى وارده الجوهرا
فوائد من فضله جمةعليه فيها يعقد الخنصرا
وكان نبتا بقلة حجةمثل ضياء الصبح قد أسفرا
ورحله في سنّة المصطفىأصدق من يسمع إن خبّرا
له الأسانيد التي قد علّمتفاستثقلت عنها سواجي الذّرى
ساوى بها الاحفاد أجدادهمفاعجب لماض فاته من طرى
وشاعرا في نظمه مبلغاكم حذّر اللفظ وكم خبرّا
له معان كلّما خطّهايستر ما يرقم في تسترا
أفديه من ماض لأمر الردىمستقبلا من ربّه بالقرا
ما بات في أبيض أكفانهإلاّ وأضحى سندسا أخضرا
تصافح الحور له راحةكم تعبت في كلّما سطّرا
إن مات فالذّكر له خالديحيا به من قبل أن ينشرا
جاد ثرى واراه غيث إذامسّاه بالسقيا له بكّرا
وخصّه من ربه رحمةتورده في حشرة الكوثرا
وأحسن الله العزا فيه للمولى فريد الدين بل للورى
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع