من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
زين الدين المالقي
ضيف قوم كرام، وقطيف قوم بلغ المرام. برع نحوا وأدبا. يصلح لكل نجوى. أتى من الأندلس حاجا ومعتمرا، وركب ليلا دجوجيا ومقمرا؛ حتى قضى بقيته، وأمضى ما حمله عليه العزم وبغته. وقد قدم دمشق واستوطنها، واجتنى بطائنها، ونزل على بني السيرجي. وسم في أرباب البيوت بها صدور مجالسها وجنى مغارسها، وامتار أسواقها، وأقمار أنديتها الطالعة من أطواقها؛ بيد أنهم من عدد عدولها، ومدد سيولها، وذوي
التصرف في خدم السلطان وخدم الملوك منذ حلّوا تلك الأوطان، فألقى إليهم رحل رحلته، وجمع شمل شملته وأقام بينهم يرفد بالجنى الموفور، ويولي الأيادي التي ما استدت إليّ كنور وله فيهم مدائح كنت وقفت على بعضها، ووقعت بين دارين والشر في أرضها وفيما وقفت له على قصيدة وصف فيها طير الواجب تحرك إلى البزز لرمي البندق سواكن الهمم، وبعيد نشاط الشباب لأهل الهرم لعنة كانت لسببه هذا البيت في رمي الطير الجليل والخروج إليه بالصاحب والخليل.
وأولها:
ركب الدّجى لا يرهب الأخطاراودنا على بعد المزار وزارا
ومن نثره من قدمة كتبها للصدر شرف الدين أبي الفتح أحمد ابن السيرجي أولها:
الحمد لله مسخّر الطير في جوّ السما، ومحيي الأرض بما منّ عليها من النعما. الواجب وجوده، فلا يغير بخلقه. المانّ بجوده، وكل حيّ يرزقه، المتفضّل على عباده بمحاسن الأخلاق، المتكفل الأجناس مخلوقاته بإدرار أنواع الأرزاق، الحاكم بإقعاد من انتهك حمى حرمه، القادر على إسعاد من تعرض لكرمه.
ومنها: فالربيع يكسب الأرض برطوبته جمالا وزخرفة، ويلبس الأرض من صنعة يد الشتاء حللا مفوّفة، وأشجاره ترشح من عيونها بماء ورد، وأشجاره تتنفّس فتخال تنفسها عنبرندّ؛ حتى كأن الجوّ عطار يعدّ طيبا والهزار قد أقام على رؤوس الأغصان خطيبا. ومخايل الأوراق قد لاحت على تلك الخمايل والورق قد غنت على عيدانه والغصن مايل، والروض قد وردت عليه من جداوله مسائل. والشتاء يجود على البطحاء بجود تهطّله، وتعقب ظله يصيب وبله. وترى سنا برقه بين رعد وسحاب، وتزخ دموعا شوقا لأيام الشباب، كأن السماء والرعد فيه تذكر أهوالهما فاستعبرت وتنهّدا.
ومنها: ولمّا كان فلان ثمرة غصن زكت مغارسه، ودرّة بحر قذفت نفائسه، وزهرة حديقة أينعت أرجاؤها، ونجل رئاسة تشرّف آباءها أبناؤها، من نسب يعقد بالنجوم دوالبه، وحسب
تحط في مفارق النسر ركائبه، وعندما تمت أخلاقه الحميدة، وكملت والتحفت به هذه الأوصاف الجميلة واشتملت؛ رام أن يأخذ حبل السعادة بطرفيه، ويجمع بين محاسن الجدّ والهزل ليحصل من السعد على شرفيه، ولم يزل يقلّب طرفه في محاسن لهو برنصيه، ويدير فكره فما يصلح له فيقتضيه؛ إلى أن شهرا كذا من سنة كذا فعمد إلى نيته المقبولة فأمضاها، ولم تكن إلا حاجة في نفس فلان قضاها. فخرج وقد أرجت نوافح المسك الأذفر، وماست معاطف الزند الأخضر. والأنهار مطردة بمائها، والأطيار غردة بغنائها إلى مظان الطير الجليل ومكامنه. وطلب كمل يطلب الخير من معادنه، واستصحب معه من الرماة الأزكياء السادة الأذكياء، كل صادق القول زكيّ الفعل كثير الإمساك قليل المثل، ممّن برز في البرزات، وأظهر من يديه خوارق المعجزات. وله الوجوه المشكورة من غير نفاق، والنكت المشهورة بين الرفاق، وقد ارتدوا ملابس الغيار، وأطلعوا من أطواقها وجوها كالأقمار، وشدّوا بالمناطق خصورا تدقّ عن الأفكار، وتقلّدوا حمائل جيوش صانت النجوم عن الأبصار. والتثموا بفضلات العمائم، واستغنوا بالخالق عن الرقى والتمائم. وقصدوا في طالع السعد والأمان دير سلمان؛ فلما أذنت الشمس بالفراق، وكادت تبلغ نفس النهار التراق استدارت الجماعة استدارة الأنامل بالأقداح، وامتزاج الأشباح بالأرواح. ودارت عليهم بالسؤال للسرور كؤوس، ومالت منهم للطرب أعناق ورؤوس؛ فلما أنفقت خطتهم، وافترقت خلطتهم انتشروا في تلك الرياض انتشار العيوث، ووثبوا في تلك النواحي وثوب الليوث. فللّه درّهم من فرسان مواكب وشجعان كتائب. إن ركبوا خلت آساد جفان، وإن ترجلوا قلت ظبا وغزلان. هذا وهو بينهم كالقمر بين النجوم، والشمس في خلال الغيوم.
قوله:
السّعد في نظراته والموت فيسطواته والفضل من أفضاله
والشمس تحجب وجهها عن وجههوالبدر يبدو خاضعا لجماله
وعند ما تهندمت الرماة من مواضعها، وبرزت الطيور التي كتب عليها القتل إلى مضاجعها، مرّت به جفة من العنانيز، كانت على الميت حراصا، وعادت إلى مطرحها بطانا بعد أن راحت إلى مطرحها خماصا، فرنا إليها بطرف لو خطّ به الارض لاهتزّت وربت، ورمقها بنظر لو رمق به النجوم شررا لا نقضت وهوت وسار إليها مسير الشمس عند الشروق، وطرقها طروق الطيف، فحبّذا ذاك الطروق، وقد أغذّ في يمناه التي لو نازلتها السحب الهاطلة لخجلت، أو باهتها البحار الزاجرة لخلت.
فبطنها حجر الأسباط منبجسوظهرها حجر الإسلام مستلم
ندبا من البندق المنتسب شكله، الطيب أصله. بعيد الناظر، رزقا مقسوما، ويعدّه الطائر أجلا محتوما. وفي يسراه الميسرة للأزرق المعينة على الإطلاق.
هي البحر والطّرس النّفيس سفينهفآونة منجى وآونة يردى
قوس رشق خطار مستوي العنق والبستار، قد اختيرت له روق الأوعال وسطانا الردينية العوال، فكأنه قضيب شيخ ارتدى بثوب نظار، أو سبيكة ذهب أحرق شطرها بنار وبدا للعيون عاريا؛ ولا إثم عليه في ذاك ولا عار. فياحسنه من موقف رأيت فيه القمر يقذف شيطان الهموم عن هلال بكوكب وضم كافور، يدير في بحر العطايا حركات المنايا بلولب.
ولم يزل برقها حتى دخلت المقدار، ونادته السعادة البدار البدار، فأرسل إليها رسل المنايا من بنادقه، وأخرج إليها ضبايا الروايا من زوايا جلاهقه، فأصاب منها طائرا خرّ لديه صريعا، وناداه التقدير فأجاب، ولم يكن قبلها سامعا ولا مطيعا.
لم يدر من آمن ينجو خيفةوإنما الرّامي درى كيف رمى
وذكر في أحدها قصيدة البدر يوسف بن لؤلؤ، وهي:
هل ذاك برق بالغوير أناراأم أضرموا بلوى المخصّب نارا
وكلاهما إن لاح من هضب الحمىلي شائق ومهيّج تذكارا
فيم التعلّل والشّتات منكّبعني وقد شطّ الحبيب مزارا
وقد استردّ الدهر أنواب الصّباوكذاك يوجد ما يكون معارا
فارفق بدمعك في الفراق فما الذييبقى ليسقي أربعا وديارا
ودع النسيم يراوح القلب الذيأورى زناد الشّوق فيه أوارا
مع أنني أصبو إلى بان الغضاإن سمت برقا أو شممت عرارا
فاليوم لا دار بمنعرج اللّوىتدنو بمحبوب لنا فيزارا
كلاّ ولا قلبي المشوق بصائرعنهم فأبدت دمنة أودارا
فسقى اللّوى لا بل سقى عهد اللّوىصوت الغمائم هاميا مدرارا
ولقد ذكرت على الصّراة مرامياينسى بحسن وجوهها الأقمارا
وعلى الحمى يوما ونحن بلهونانصل النّهار ونقطع الأنهارا
في فتية مثل النجوم تطلّعواوتخيرّوا صدق المقال شعارا
من كلّ نجم في الدياجي قد لوىفي كفّه مثل الهلال فدارا
متعطّفا من جرم داود الذيفاق الأنام صناعة وفخارا
فالآن قد حنّ المشوق إلى الحمىوتذكّر الأوطان والأوطارا
وصبا إلى البرزات قلّت كلّماطارت به جزر اللغالغ طارا
فلأي مرمى أرتميه وليس ليقوس رشيق مدمج خطّارا
حليّ على ضعفي إذا استعطفتهألوى عليّ العنق والدستارا
نكت له من كل صنف قد حوىأعيا الرّماة بحسنها إكثارا
وبوجهه المنقوش أوّل ما بداوبه أقام وأقعد الشّطّارا
وغدا بتحريمي بلا سبب بدامنّي وأودعه الرماة مرارا
يا حسنه من مخلف لكنّهفي الجوّ عال لا يسفّ مطارا
ويطير حفظا عن مقامي عامداولشقوتي لا يدخل المقدارا
لا يندمي مهما خطرت ببالهأنّى ينال مراوغا طيّارا
وسنان من جزر اللغالغ لم يزليرعى الرّياض وليس يرعى الحارا
لا راحل بل قادم عنّي إلىماء الفرات يخوض منه غمارا
وأنا تراني فاقدا ومنعّمافي الجو ليلا خلفه ونهارا
وغنى فقد برد الهواء وقد أتىأيلول يطفي للهجير جمارا
ووراءه سربان جاء ورغدهعجلان يحدو للسّحاب قطارا
والبارق الهامي على قلل الحمىسدّى هناك خيوطه وأنارا
والفيض طام ماؤه متدفقوالطّير فيه يلاعب التيّارا
والنهر جنّ به فراح مسلسلاصبّا ببحر لا يصيب قرارا
نهر النواظر حيث آتت شطّهللناظرين شقائقا وبهارا
والصّبح في آفاقه يا سعد قدأخفى النجوم وأطلع العذّارا
فانهض إلى المرمى الأنيق بنا وقدهبّ الصباح ونبّه الأطيارا
وتتابعت خفقاتها في أفقهامثل النّعام قوادما تتبارى
من خود حوراء العراق قوادمايا مرحبا بقدومها زوّارا
فاصح إلى رشق القسيّ إذا ارتمتمثل الحريق أطار عنه شرارا
واطرب على نغمات أطيار بدتفي الجوّ وهي تجاوب الأطيارا
من كلّ طيّار كأنّ له دماعند الرّماة فثار يبغي الثّارا
هل جاء في طلب القسيّ لحتفهأم جاء يطلب عندها الأوتارا
فالتمّ يضرب بالجناح كأنّهأبدى البيان يحرّك الأوتارا
خاض الظلام وغبّ فيه فسوّد الرّجلين منه وسوّد المنقارا
وأتى يبشّر باللقاء فضمّختتلك المغارز عنبرا ونضارا
والكي كالشيخ الرئيس مزّملفي بردتيه هيبة ووقارا
يسطو على الأسماك يوما كلّماأذكى له حرّ المجاعة ثارا
والوزّ همّ هاجنا تنغيمهليلا وكم قد شاقنا أسحارا
فاذا تباشير الصباح ثنى لهعطفا وصفّق بالجناح وطارا
وترى اللغالغ تستبيك بأعينحورية صفر الجفون صغارا
فكأن ورسا ذاب في أجفانهافحكى النّضار وحيّر النظّارا
وترى الانسياب النوافر تنثنيبين الرّياض كأنهن عذارى
يسلبن أرباب العقول عقولهمويرعن منه حيلة ونفارا
وترى الحبارى كالقطا أرياشهاأو كالرياض تفتحا أزهّارا
هجرت مناهلها على برح الظماواستبدلته ذوبة وقفارا
والنّسر سلطان لها لكنّهلم تلفه لدمائها هدّارا
قد شاب منه رأسه من طول ماكثرت عليه عصوره أدوارا
أرخى جناحيه عليه كجوشنلو كان يمنع دونه الأقدارا
وإذا العقاب سطا وصال بكفّهعاينت منه كاسرا جبّارا
يعطي ويمنع عزّة وتكرّماويلجّ ممنوعا ويمنع جارا
وترى الكراكي كالرماد وربمافرقت فأذكت في القلوب النّارا
قد سطّرت في الجوّ منها أسطراوطوت سماء سجلّها أشعارا
فإن انصرعن فلا تكن ذا غفلةعن أن ينقّط حليهنّ مرارا
وبدت غرانيق لهنّ ذوائبلولا البياض لخلتهنّ عذارى
حمر العيون تدير من أحداقهافينا كؤوسا قد ملين عقارا
والصوغ في أفق السماء محلّقمثل الغمام إذا استقلّ وسارا
ذو مغرز ذرب فلو تسطو بهفضح السنان وأخجل البتّارا
ومرازم بيض وحمر ريشهاكمراوح أضرمن منه جمارا
وعجبت كيف صبت إلى صلبانهاتلك الرماة وما هم بنصارى
وشبيطر ما إن يحلّ له دممهما علا شجر وجلّ جدارا
والشرّ فيه إلفه لمنازلفاصبر له حتّى يفارق دارا
هل عبّ في صرف العقار بمغرزأم كان خاض من الدّماء بحارا
وهذه القصيدة وإن لم يكن هذا موضعها، ولا صاحب هذه الترجمة مسيّر شهبها ومطلعها، فقد ذكرتها للاستشهاد بها؛ لأنه كان من سببها. ولما تفرّدت من حسن مذهبها، وأظنّه إنّما قصد معارضتها بقصيدته التي ذكرت مطلعها:
إن السماء تطير الماء في الرّزق
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع