تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ممشاذ الدينوري

زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافى، وتقرّب إلى الله بالنوافل حتى أحبّه، وملّكه قلوب الناس فلم تدع حبّه، وعبر مدة العمر لا تردّ له دعوة، ولا يعدّ معه لذي قوم حظوة، وترقّى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووسّد في تربه ميتا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه، وقرب نودي منه: ﴿يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ﴾.

صحب يحيى بن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ، عظيم المرمى في هذه العلوم، كبير

الحال، [أحد فتيان الجبال]، ظاهر الفتوّة. مات سنة تسع وتسعين ومائتين.

ومن كلامه:

قال: " طريق الحق بعيد، والصبر مع الحق شديد. "

وقال: " ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برّك؛ وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. "

وقال: " ما دخلت قط على أحد من شيوخي، إلا وأنا خال من جميع مالي؛ أنظر بركات ما يرد عليّ من رؤيته أو كلامه؛ فإنّ من دخل على شيخ بحظّه، انقطع بحظّه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه. "

وقال: " أدب المريد في أشياء أربعة: التزام حرمات المشايخ؛ وخدمة الإخوان؛ والخروج عن الأسباب؛ وحفظ آداب الشرع على نفسه. "

وقال: " صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد. "

وسئل عن التوكل؟ فقال: " التوكل: حسم الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك. "

وقال أبو بكر الرازي: كنت عند ممشاذ الدينوري، فجرى حديث الدّين، فقال لي:

كان عليّ دين، فاشتغل قلبي، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يا بخيلا!، أخذت علينا هذا المقدار؟ .. خذ!، عليك الأخذ وعلينا العطاء. فما حاسبت بعد ذلك بقالا، ولا قصابا، ولا غيرهما.

وقال: " منذ علمت أن أحوال الفقراء جدّ كلها لم أمازح فقيرا، وسبب ذلك: أن فقيرا جاءني قادما علي، فقال لي: أيها الشيخ! أريد أن تتخذ لي عصيدة، فجرى على لساني:

"إرادة وعصيدة؟! "، فتأخر الفقير ولم أشعر، ثم أمرت باتخاذ عصيدة، وطلبت الفقير فلم أجده، فتعرفت خبره، فقيل لي: انصرف من فوره، وكان يقول في نفسه: "إرادة وعصيدة؟! "، وهام على وجهه حتى دخل البادية، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتى مات.

وسئل عن التصوف؟.

فقال: "صفاء الأسرار، والعمل بما يرضي الجبار، وصحبة الناس بلا اختيار".

وقال بعضهم: كنت عند ممشاذ عند وفاته، فقيل له: كيف تجد العلّة؟.

فقال: سلوا العلّة عني.

فقيل له: قل: "لا إله إلا هو"، فحوّل وجهه إلى الجدار، وقال:

أفنيت كلي بكلكهذا جزاء من يجلّك

لا إله إلا هو، أحد، أحد.

وقيل [له]: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟.

فقال: "يصلي. قال: فإن لم يقدر؟. قال: ينام. قال: فإن لم يقدر؟ فقال: إن الله

تعالى لا يخلي الفقير عن إحدى ثلاث: إما قوى، وإما غذاء، وإما أخذ".

وقال فارس الدينوري: خرج ممشاذ الدينوري يوما من باب الدار، فنبح عليه كلب، فقال ممشاذ: "لا إله إلا الله". فمات الكلب مكانه!.

وروي أنه كان إذا رأى فقيرا قدم من البادية، يقول له: تعال يا مكسور!، من أي بركة شربت؟، وعلى أي بدوي نزلت؟، وطعام من أكلت؟.

حكى بعض أصحابه، قال: اشتدّ به المرض، فاستثقله. فقيل له: مثلك يكره الموت؟!.

فقال: "أخاف لقاء الحبيب قبل الإكثار مما يرضيه"؛ فدخل عليه داخل لا يعرفه منا أحد، فناوله تفاحة لا يعرف مثلها في الدنيا، فأخذها، فشمّها، فمات … !.

ثم نظرنا فلم نر الرجل ولا التفاحة، وإنما سمعنا قائلا يقول: "موتة موسوية والله. "

رحمه الله تعالى.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.