من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
فصل يتعلق بالسماع
قال: افتقار السماع إلى الوجد، افتقار الصلاة إلى النية والقصد، فكما لا تصح الصلاة إلا بالنية والقصد، كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعية، كانت نشوته به حيوانية، ألا ترى أن كثيرا من الحيوان ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع طيّب النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه، وكان مقصورا فيه على هواه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب فإنه يستعمل الطبيعة [ويجرّ إلى الوقوع] في غير المباح.
والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا الأمرين نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يرزا على من حضره من السلف، لكن لم ير نفسه بحضوره أهلا. فهذه جملة اقتناعية مما قيل فيه، ونبذة لعلّ من تأملها تكفيه.
إذا حرك الوجد السماع إليكميباح وإلا فالسماع حرام
ومن هزّه طيب استماع حديثكمومال من الأشواق ليس يلام
ولا عجب إن شتت الحبّ جمعهفليس لأحوال المحب نظام
يسير مع الأشواق أين توجهتوليس له في الكائنات مقام
ولا غرو إن ضلّت مذاهب عقلهفإن مقام العز ليس يرام
حمى لا سبيل أن يباح مصونهوكل الورى طافوا عليه وحاموا
وقاموا وقد جدوا لأول منزلفقاموا حيارى فيه حيث أقاموا
ومن نظمه الفائق قوله:
لا غرو أن أصبح وجه الثرىونوره بالنور وضّاح
إذ كم يد بيضاء في كفهابروضة النرجس مصباح
وقوله:
ما حمرة العينين منك بمهجتيأفديهما وبناظري لتألم
لكن لحاظك أغمدت أسيافهابحشاشتي فبدا بها أثر الدم
وقوله:
واد إذا جئنا سراعا نحوهخوف الهجير وقد أطل زمانه
رق النسيم لبانه وتعطفتكرما علينا في الربا أغصانه
وقوله:
لله أيام الربيع وطيبهاوتفاخر الأطيار في الألحان
والورد ينمى في الغصون كأنماالحياء بوجنة الخجلان
والغصن يثنيه النسيم كما ثنىسكر السموأل شمائل النسوان
والماء يمشي في الرياض كما مشتسنة الرقاد بمقلة الوسنان
وقوله:
حديقة إذ نبّهتها الصبالم يبق منها مقلة غافية
وشى بطيب العرف تمامهالما أتتها الأعين الصافية
وقوله:
كأنما المريخ في جوهشقيقة بين رياض الأقاح
وأنجم الجوزاء خرد غدتترقص من تيه بسيف الصباح
وقوله:
يا طيب ما جاء النسيم بعرفكموحديثه عنكم حديث مرسل
حمّلته مني السلام إليكمفأطاعني لكنه يتعلل
وقوله:
كم للنسيم على الربى من نعمةوفضيلة بين الورى لن يجحدا
ما زارها وشكت إليه فاقةإلا وهزّ لها الشمائل بالندا
وقوله:
رقّت ورقّ الكاس من دونهاعذرا راح عرفها يسكر
كالشفق الأبيض من دونهوالجوّ صاف شفق أحمر
وقوله:
قلب غدا من حبكم عامرالغيركم ليس به منزل
وقد أردتم هدمه بالقلاسألتكم بالله لا تفعلوا
وقوله:
حبّذا دوحة إذا ما سعيناواستجرنا بذيلها في السموم
لم نزل تحت ظلها في أمانبين خود الندا ولطف النسيم
ما استمدت رياضها الغيث إلاجاء منه الصبا بوعد كريم
قد تردّى برداء السحاب ووافىيتمشى هونا بقلب سليم
يتمادى بين الغصون دلالاقد تربى من يومه في النعيم
وهو يختال فرحة حين وافىمن حبيب مبشرا بالقدوم
ويريد الرجوع من غير عزمفهو بين التأخير والتقديم
وقوله:
أما ترى الليل قد ولّت مواكبهمهزومة واختفت خوفا كواكبه
وقد تجرّد سيف للصباح غدتمحمرّة من دم القتلى جوانبه
وقوله:
ما اصفرّت الأوراق إلا خيفةلما استبانت فرقة الأغصان
وكذا النسيم غدا عليلا إذ بدامتنقلا أبدا عن الأوطان
فاظفر بجمع الشمل قبل شتاتهما العيش إلا صحبة الإخوان
وقوله:
وافى الربيع فعاد الروض مبتسماوطالما انتحبت فيه سحائبه
والغصن من فوقه الشحرور تحسبهيتلو الزبور بأعلى الدير راهبه
وشاطيء الدهر قد دبت عوارضهوافترّ مبسمه واخضرّ شاربه
فصفّق الدوح لّما أن رأى عجبامن أجل ذلك شابت ذوائبه
وقوله:
لم أنس ليلة بات البدر يخدمناإلى الصباح ولم يشعر بنا الرقبا
والنهر لجينا والدجى سبح فمذ بداالصبح ياقوتا جرى ذهبا
وقوله:
وافى النسيم أما القطر فانثنتالأغصان ترقص من تيه ومن مرح
وأعين الروض تجري وهو مبتسموقد تفيض دموع العين بالفرح
وقوله:
وزهر في غصون الدوح تبدوفناهيك السماء بها النجوم
فإذا عجيب إذ أضحت رجومامتى استرق العبير بها النسيم
وقوله:
كأنما الدوح وقد طرّزتأيدي الصبايا بالنور أثوابها
مضارب من سندس مذهبقد مدّت الأغصان أثوابها
وقوله:
أما ترى الليل قد ولّت عساكرهوأقبل الصبح وامتدّت مواكبه
وجرّد الصبح سيفا للدجى فغدتمن سفكه الدما حمرا جوانبه
وأصبح الليل مصفرّا لهيبتهيجدّ في السير لا يبقي ركائبه
ممزق الذرع محلول الإزار وكمقد أحكمت سردها ليلا كواكبه
وقوله:
أصبحت أوجع من ورقاء فاقدةفي الدوح طول الليل لم تنم
بعد الأحبة لا تهوى المنام بلىإن سامحوها وزار الطيف في الحلم
وقوله:
رأيت الصبا لما استعنت بلطفهعلى حمل ما لا قيته يتعلّل
وقمت بحفظ العهد للنجم في الدجىفما باله في صحبتي يتنقل
وقلب الدجى ما زال للسر كاتماوها هو عما خلته يتحوّل
وقوله:
وربوع يكاد طيب شذاهايفضح المسك في نحور العذارى
أشرقت شمس نورها فسعينانحوها في الدجى نوم نهارا
وأتى القابسون نحو سناهافرأوا جلي نارها جلّنارا
وقوله:
سكوت كما تهب صبا صباحافرقّ لأنّه برّ كريم
فلا تعجب له إن مال عطفالأن الغصن يعطفه النسيم
وقوله:
لطفت شمائله فعدن شمائلامن أجلها عرف النسيم معطر
لو لم ينمّ عبيره بعنودهكان الرقيب للطفه لا يشعر
وقوله:
أصافح الأغصان أبغي الحيامستشفيا .... جربالها
وكيف لا يدركني جودهاوقد تعلّقت بأذيالها
وقوله:
ناجته في السرّ الحاظي على وجلأليس في الحال ما يغني عن السكرى
فقال لي كسر جفنيه فديتهمابحجلة قد عرفت السر والنجوى
وقوله:
يا معرضا عني وفي أغراضه لطفيفي بفضائل القرب
من دون سفك دمي بحبك عامدامعنّى نفسك بواعث العتب
وقوله:
كأنما النهر في ظل الغصون وقدألقى السحاب عليه حمرة الشفق
خدّ تكنفه قرط الحياء وقدمدّ العذار عليه خضرة الورق
وقوله:
كسى فصل الربيع الدوح بردايقيها لفحة الحر الشديد
وما خلعته لما رث إلاوقد طمحت إلى لبس الجديد
وقوله:
أنا مستجير بالدجىمن سلّ سيف صباحه
فعساه يكلأ ذا هوىكرما بظلّ جناحه
وقوله:
كأنّ سمانا والبدر فيهاوأنجمها محدقة إليه
حديقة نرجس من حول عينتدفّق ماؤها فطغى عليه
وقوله:
جاء فصل الربيع يخطر عجباعطفه بين نرجس وبهار
وبدت خجلة من الماء لمارمقته لواحظ الجلنار
وكأن الغدير إذ قابل الشمسلجين مرصّع بنضار
وكأن السماء إذ رأت الأرضعروسا جادت لها بنثار
فلهذا أضحى الأقاح وكلقابض بعزة على دينار
وذكت نكهة الصبا إذ أذاعتسر ما أودعت عن النوار
لا عجب تهدي إلينا شذاهامع صباها مجامر الأزهار
إذ رأينا بكل كأس شقيقدر مسك تذكيه شعلة نار
وقوله:
تبسم ثغر الروض بعد قطوبهسرورا بإقبال الربيع إليه
ألم تر أن الغصن إذ رقّت الصبايصفق مسرورا لها بيديه
وأن ثياب الورد وهي شقيقةيشققها حتى تمرّ عليه
وقوله:
خلت أن الغصون ترقص لمابشرتها النسيم بالأمطار
فلهذا ألقت لها ما عليهافهي من شدة السرور عواري
لبست في الشباب ثوب وقارورأت في المشيب خلع عذار
وقوله:
دمن تخال دماء خدود شقيقهاتجري وثغر أقاحها يتكلم
ويكاد نرجسها ويمنعه الحيامنا بأطراف الحياء يسلم
وقوله:
ودوحة حسن خلتها حين انبعثكواكب تبر في السماء زبرجد
إذا قبلتها الشمس ظنت لطافةبقية نار في بنادق عسجد
وقوله:
وما اشتقت أيام الصبا غير أننيتذكرت أحبابا بها ومآربا
تولوا فولى طيب عيشى لبينهمفلوا أنهم داموا لدام لي الصبا
وقوله:
أو ما ترى المنثور لما أن رأىطيب المقام بجنة وخلود
كسر الصليب وقد عدا ببنانهنحو السماء يشير بالتوحيد
وقوله:
تعوّدت طول الهجر منكم فلو طرالي الوصل يوما أنه الوصل
ولو شاهدتكم مقلتي لم أثق بهاوقلت مناما ما لبعضها أصل
وقوله:
فاحت فقلت لها دعيليس الهوى بتصنّع
أين الذهول إذا نطقتوأين فيض الأدمع؟
وقوله:
لئن شغلت روحي بغير هواكمفلا بلغت من وصلكم ما تمنّت
وإن مدّت الأيدي إلى غير فضلكمتروم نوالا من سواكم فشلّت
وقوله:
قم فاسقني ما راق فيصافي الكؤوس من الشراب
راحا ألذّ من ابتساممن حبيب في عتاب
وأرق من شكوى محبّمستهام باكتئاب
والشمس في أفق السماءتلوح من خلل السحاب
مرآة تبر دونهاما رقّ من حمر الشباب
وقوله:
بدا لنا الجلّنار في القضبوالطل يبدو عليه كالحبب
كأنما أكؤس العقيق بهقد ملت من برادة الذهب
وقوله:
غدا لكل معنى في الأنام يروقهويغريه برق باللوى وخفوقه
ويثنيه نشر الروض مرت به الصباسحيرا بريا عرفكم ويشوقه
مبشرة جاءت فكان لها يدوفضل عليه لا يؤدى حقوقه
فما الطلّ فوق الروض عند سقوطهولا المسك منثورا علينا سجيفه
بأطيب مما طمنت عن جنابكموفي طيها نشر ذكي عبوقه
فبالله عرّج سائق الظعن بالحمىفمنزلها وادي النقا وعقيقه
وإلا فدعها كيف شاءت وسيرهافأي طريق يممته طريقه
وقوله:
خانني ناظري وهذا دليلبرحيلي من بعده عن قليل
هكذا السفر إن أرادوا رحيلاقدموا أمامهم الحمول
وقوله:
لم حرمتم جفني الرقاد إلىأن خلت ما بين جفني سيفا
ما تمنيته اشتياقا ولكنأترجّى أن تبعثوا فيه طيفا
وقوله:
أوحشتني والله يا مالكيفي لذة الكاس على الورد
فقال لي ما غبت عني مذ غدايشرب من ريقي على خدي
وقوله وقد مرّ ببعض الكروم فرأى بها أعظما قد علقت، والرياح تلعب بها كلما خفقت، وكلما حركتها سمع من أصواتها مثل الأنين وأوجع من حسها ما يوجع الحزين، فتذكر ما كانت عليه تلك العظام الرفات، ثم ما حدث عليها من الآفات، وتأسف لها لو ردّ الأسف ما فات، والذي قاله:
سئمت دوام سكونها فتكلّمتشوقا إلى ما مرّ من لذّاتها
مرّ الصبا فتذكرت زمن الصبافغدت تنوح على زمان حياتها
وقوله:
أودعت سرها الأزاهير سراسرى فيه النسيم في الأسحار
وتلقت بعرفها الوفد حتىتنبهوا منها بقرب المزار
فأعادت من السقام شفاءحتى جاءت بأطيب الأخبار
مغور الرياض تبسم عجبامن بكاء السماء بالأمطار
نقطتها بلؤلؤ الطل ليلافحكته شمس الضحى في النهار
فسمته النسيم في الجو حتىجمعته من سندس في إزار
وكأن الغصون في الدوح أضحتمصغيات إلى هديل الهزار
فإذا ما انتهى إليها بثتتحدث الهوى بغير استتار
ثم شقت أثوابها من غير أمرثم فكت بقية الأزرار
وقوله:
رقّت معانيه وراق حديثه لطفافعاد هوى لكل مزاج
فكأن معناه الطيف ولفظهخمر يروق في صفاء زجاج
وقوله:
شكوت صبابتي فيه وشوقيفكاد لرقة الشكوى يهيم
فلا عجب إذا ما مال عطفالأن الغصن يعطفه النسيم
وقوله:
مقلة سوداء ألبستنيكحلا من غير كحل
قد أمنت القطع منهاإذ غدت همزة وصل
وقوله:
دنا السحاب فضم الروض فانبعثتدموعه تتوالى وهو لهفان
كالأم تحنو على المولود ترضعهثديها العذب سحا وهو هطمان
وقوله:
كأنما الروض إذا ما بداجبين وجه الكوكب النير
مطارف من سندس أخضرمموّه بالذهب الأحمر
وقوله:
عطف السحاب على الرياض فأقبلتتشكو إليه من أليم بعاده
فغدا يقبّلها ويبكي رحمةفتبسّمت بعود وداده
وقوله:
كأنما المريخ في جوّهشقيقة في روضة الأقحوان
ودمية الجوزاء في حلّة من سندس ما بين عقدي جمان
وقوله:
الغصن ربّاه النسيم بلطفهفكسى شمائله شريف طباعه
والنهر غذّاه صغيرا قبلهفزكا وطاب جنى لطيب رضاعه
وقوله:
والنهر قد عشق الغصون وقد غدايصف المحاسن من بديع جمالها
لكن درى أن النسيم يميلهاعن وصله فرضى بطيف خيالها
وقوله:
أما ترى الأغصان لما أتىالنسيم بالبشرى من المغرب
لم يرض من سندسها حلةحتى انجلت في ثوبها المذهب
وقوله:
وإذا رأيت الروض في عرصاتهتقيه بخديه الردا وعيونه
وألفيت فيه النهر قد جاء طالعايقبل أرضا بين أيدي غصونه
وقوله، وكتب بهما إلى ابن خاله أبي الحسن لما سافر نابلس:
فقدت مذ غبتم يا سادتي جلديوأنت سائر الأوقات في خلدي
عدمت قلبي وجسمي ذاب بعدكمسقما فصرت بلا قلب ولا جسدي
وقوله:
أقول والصبح حثيثا سرىفي طلب الليل على الأبلق
وطرّة الليل بها مفرقبغير سيف الصبح لم يفرق
والبدر إنسان لعين الدجىمنفذ في طرفه الأزرق
وقوله:
كيف للطّيف أن يزور محباوهو في طول ليله يقظان
يسرق النوم جفنه فإذاما كاد يغشاه هزّه الخفقان
وقوله:
خلت الغصون كأنها قد ألبستدرعا يزررها الصبا ويفكك
رش الندا أثوابها وكأنهابيد الشمائل والجنوب تفرك
وحدا النسيم الورق إذ باحت بهفالغصن وجدا بالهوى يتحرك
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع