من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو بكر أحمد بن نصر الزقاق الكبير
أخذ من الدنيا بقصاصها، وسهر الليالي والكواكب تنظر الأيام من أخصاصها. وقام على قدم العبادة ثم ما زال، ولا زال وللشمس كل يوم زوال، فصار ذلك دأبا له لا يتكلّفه، وديدنا ضرب له موعد لا يخلفه، هذا إلى استجلاب خواطر، واستنزال مواطر، وفتح قلوب مقفلة ضاعت مفاتيحها، وتنوير بصائر ما أضاءت مصابيحها، وإرشاد طائر، وقول حق في دهر هو السلطان الجائر، فاتسع تصريفه، وسمع منه ما يجري به القلم وصريفه. وكان من أقران الجنيد، وأكابر مشايخ مصر.
قال الكتاني: لما مات الزقاق انقطعت حجّة الفقراء في دخولهم مصر.
ومن كلامه: "من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض" وقال: "جاورت بمكة عشرين سنة، فكنت أشتهي اللبن فغلبتني نفسي، فخرجت إلى عسفان، واستضفت حيا من أحياء العرب، فنظرت إلى جارية حسناء، بعيني اليمنى، فأخذت بقلبي!، فقلت لها:
قد أخذ كلّك كلّي، فما فيّ لغيرك مطمع. فقالت لي: تقبح بك الدعوى العالية، لو كنت صادقا لذهبت عنك شهوة اللبن!.
قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها. فقالت لي: مثلك من نظر لله ﷿، فرجعت إلى مكة، وطفت أسبوعا، ثم نمت، فرأيت في منامي يوسف الصّدّيق - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام -.
فقلت: يا نبي الله! أقرّ الله عينيك بسلامتك من زليخا.
فقال لي: يا - مبارك! أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانية!. ثم تلا عليه
السلام: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، فصحت من طيب تلاوته، ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة!.
وقال الزقّاق: " كنت مارّا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر.
وقال أبو علي الروذباري: دخلت يوما على أبي بكر الزقاق، فرأيته بحالة عجيبة، فسكتّ ساعة حتى رجع إلي، فقلت له: ما لك أيها الشيخ!؟. فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات، وإذا شخص يغني، يقول:
أبت غلبات الشوق إلا تطرباإليك ويأتي العذل إلا تحببا
وما كان صدى عنك صدّ ملامةولا ذلك الإقبال إلا تقربا
ولا كان ذاك العدل إلا نصيحةولا ذلك الإغضاء إلا تهيّبا
عليّ رقيب منك حلّ بمهجتيإذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا
فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبا لا أدري ما لحقني إلى الساعة، فلما أفقت، قال لي: لا عليك، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه، وإنما هو زيادة بلاء صبّ مني عليك، فقمت وتركته.
وقال الزقاق: كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، وأجلس عند الجنيد، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان: اذهب بنا إلى الجنيد نسأله؟. قال الزقاق: فتبعتهما، حتى دخلا سقاية يتطهران، فرأيت منهما شيئا كرهته لهما، فقلت: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أخطأت فراستي فيهما، فخرجا، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد، فقال أحدهما: بماذا يرد خاطر الانزعاج؟. وقال الآخر: كلّ باد يعود إلى باديه. فقلت في نفسي: يا ترى ما يفعل هؤلاء؟. فأقبل عليّ الجنيد، وقال: أين المغتاب لنا؟. فقلت في نفسي: علم بي، وتكلّم على خاطري. ثم قال الثانية: أين المغتاب لنا؟. سلنا نجعلك في
حل. فقلت: يا سيدي! ما قلته إلا غيرة. فقال: يا أبا بكر! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه، وأظهرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان في وقت بدوّهم، استخرجهم من الذرّ لخاصّته، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته، وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استحجبوه غطّاهم، لا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار، فهم به ينظرون، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون. فنظرت، فلم أرهم!.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع