تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

حنين الحيري

مطرب لا يرتفع لديه رأس مطرق، ولا ينتفع منه أمل متشوق، من سراة أهل الغناء، وسراة الطرب للغناء، يكاد سامعه يخرج من إهابه ويحرق بالتهابه ما حرّك عوده إلا بغم، ولا بنت شفة إلا في نغم، لو سمعه جبل لتحرك، أو دخل

في أذن سوقة لظن أنه قد تملك، وهو القائل:

أنا حنين ومنزلي النّجفوما نديمي إلا الفتى القصف
أقرع بالكأس بطن باطيةمترعة تارة وأغترف
من قهوة باكر التّجار بهاباب يهود قرارها الخزف
فالعيش غض ومنزلي خصبلم تعد لي شقوة ولا عنف

قال إسحاق: قيل لحنين، أنت تغني من نحو خميسن سنة، ما تركت لكريم مالا ولا عقارا إلا أتيت عليه، فقال: بأبي أنتم، إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلوموني أن أغلي بها الثمن؟ وكان حنين قد رحل إلى عمر الوادي وحكم الوادي وأخذ منهما، وغنى لنفسه في أشعار الناس [ص] فأحكم الصنعة، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه من عصره، وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة، فبلغ حنينا خبره، فخاف أن يعرفه الناس فيستحلونه ويسقط هو، فلقيه فقال: كم منّتك نفسك من العراق، قال: ألف دينار، قال: فهذه خمس مئة دينار فخذها وانصرف.

قال: وكان بعض ولاة الكوفة في أيام بني أمية يذم الحيرة، فقال له رجل من

أهلها: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام، قال: وبماذا تمدح؟ قلت: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف، سهل وجبل، بادية وبستان، بر وبحر، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومأواهم وقدمتها - أصلحك الله - مخفّا فأصبحت مثقلا، ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا، قال: وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: تصير إليها، ثم ادع بما شئت من لذات العيش، فو الله لا أجوز بك الحيرة فيه، قال: فاصنع لي صنيعا، واخرج من قولك، قال: أفعل، فصنع لهم طعاما فأطعمهم من خبزها وسمكها، وما صيد من وحشها من ظباء، ونعام وأرنب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمتها، ولم يستخدم لهم عبدا ولا حرا إلا من مولداتها ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه فى شعر عدي بن زيد شاعرهم، وأعشى همدان، لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم بفواكهها، ثم قال: [هل] رأيتني استعنت على شيء مما رأيت، وأكلت وشربت، وشممت وسمعت، بغير ما في الحيرة؟ قال: لا، ولقد أحسنت في صفة بلدك، وأحسنت نصرته، والخروج مما ضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.

قال عبيد بن حنين الحيري: كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر، ثلاثة بالحجاز، وهو وحده بالعراق، فالذين بالحجاز ابن سريج والغريض ومعبد، وكان بلغهم أن حنينا قد غنّى في هذا الشعر:.

هلا بكيت على الزّمان الذاهبوكففت عن ذمّ المشيب الآيب
هلا وربّ مسوّفين سقيتهممن خمر بابل لذّة للشّارب
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهمبإناء ذي كرم كقعب الحالب
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
بزجاجة ملء اليدين كأنّهاقنديل فصح في كنيسة راهب
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال: فاجتمعوا فتذاكروا [أمر] جدّي، وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منّا، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز لا نزوره ولا نستزيره، اكتبوا إليه، فكتبوا إليه، ووجهوا إليه نفقة، وقالوا: نحن ثلاثة وأنت واحد، فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة من المدينة، بلغهم خبره، فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشدا ولا جمعا [من] يومئذ، ودخلوا المدينة، فلما صاروا ببعض الطريق، قال لهم معبد صيروا [إليّ]، قال ابن سريج: إن كان لك في اليسر والمروءة مالمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك، فقال: مالي من ذلك شيء، فعطفوا على منزل سكينة، فأذنت لهم إذنا عاما، فغصّت الدّار بهم، فصعدوا في السطح، وأمرت لهم بالأطعمة، فأكلوا، ثم سألوا جدّي أن يغنيهم صوته:

(هلا بكيت على الشباب الذاهب) فغناهم بعد أن قال لهم: ابدأوا أنتم [فقالوا]: ما كنا لنتقدمك حتى نسمع هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا، فازدحم الناس على السطح وكثروا يسمعونه، فسقط الرّواق على من تحته، فسلموا جميعا وأخرجوا أصحابه سوى حنين، فإنه مات وحده تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدّر حنين سرورنا، وانتظرناه مدة طويلة، كأننا كنّا نسوقه إلى منيّته.

[ومنهم]

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.