تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

حسين بن علي المطري العزاوي

متقن لفضيلة، ومتيقن لخير فضيلة، ومجيد في صناعة يد وخاطر، وسرور سمع وناظر، قرأ كتب الحكمة ودرسها، وصور المشجرات بيده كأنه غرسها، وعرف من الموسيقا ما أخذه بدليل، واطّلع منه على علم جليل، وضرب بآلاته كلها لتكميل الأودات، لا للتكسب والمعيشة، وترجية زمان يؤمل أن يعيشه، وزيّن هذا كله بنزاهة نفس تعتاف حتى الجليل، ويعف حتى عن الخليل، إلى صفاء باطن ما تكدّر، وصدق وداد ما استحال مثل البكاء وتغير، صحبني بمصر وقدم على دمشق، وصوّر صور هذا الكتاب، وجاء فيه بعجائب التصور والاكتساب، وهو - أعانه الله - ممن قدّر عليه رزقه، إلا أن عفافه يقنعه، وحكمته عن المطالب تمنعه، ورياضته تشغله بحسن ما [ص] يقرره، وإحسان يده فيما يصنعه، وله أصوات جليلة، منها في قولي:

سعى بكأسيه كي أصلى بناريهبالخد والكأس يا سكري بخمريه
ظبي أغنّ أخذت المسك من فمهوالعنبر الرطب من خطّي عذاريه
يا سيف مقلته الوسنى غررت بنالما استبحت فؤادي في غراريه
لم يرض قلبي ولا عيني لمسكنهوا شوقتى منه لم يلمم بداريه

والغناء فيه زنكلا، ومنها قولي:

حدثاني عن الهوى العذريّواطنبا في عذاره العنبريّ
واستعيرا لمقلتيّ هجوعاواسألا للشجي صبر الخلي
وهبا لي من السلو قليلاأو دعاني مع كل صب غوي
قد أخذتم صبري فهلا أخذتملي فؤادي من طرفه البابلي

والغناء فيه عراق.

ومنها في قولي أيضا في عراق:

غن لها برامة ولعلعواذكر لها ما بالحمى والأجرع
وانزل بسكان الكثيب سحرةواقبس لهيب نارهم من أضلعي
واحمل إلى أهل الحمى تحيةمن عاشق في حبهم لا يدعي
ولا تسل سقيا الحمى صوب الحيايكفيه ما أسقيته من أدمعي

ومنها في قول لي وهو في عراق أيضا:

هواكم ماله سببسوى قلبي كما طلبوا
ألا يا عاذلي فيهمدع العشاق ينتحبوا
أتعجب من ضنى جسديوحالي كله عجب
وقالوا إنني مضنىوحق الله ما كذبوا

ومنها في قول أيضا

تجلت فلاح البدر تحت نقابهاوما ست ففاح الطيب طيّ ثيابها

[ص]

قضيب وما غصن النقا مثل قدهاولا لينه في الروض مثل شبابها
طلا الظبي لا يشرق لحاظ عيونهاكفى عينك الكحلاء صبغ خضابها
أأهلك فيها هكذا بصبابتيوأخشى أسود الغيل حول قبابها
نأيت إذا عن حب سمراء في الهوىإذا لم أخض بيض السيوف ببابها
يلذّ إليّ القتل صبرا بأرضهاإذا دفنوني بعد ذا في ترابها

والغناء فيه محير.

ومنها في قولي:

يا حبيبي وعينيخل هجري وبيني
أنت أوفى البرايالا تماطل بديني
ما أتى منك عنديفوق رأسي وعيني
فاسقني خمر ريقمن جنى الجنتين

ومنها في قولي:

في الحشا منك ناروأسى وادكار
طار قلبي اشتياقاما لقلبي قرار
أنت غصن رطيبأين منك الثمار
عيروني بحبيليس في الحب عار

والغناء فيهما محير.

ومنها في قولي:

لاموا عليك وما قلوبهم معيكلا ولا عبراتهم في مدمعي
يا من تلفت كالغزال بلحظهحسبي التفاتك يا غزال ومطمعي
هب أن شخصك لا يزال بناظريمن ذا الذي أغرى بذكرك مسمعي
يا هاجري كن كيف شئت فإنّنيوحياة عينك لست أملك أدمعي

والغناء فيه في الرمل

ومنها في قولي: ص]

أحبابنا ما هكذا كنتم لناما بيننا لا تشمتوا حاسدا بنا
وما في وفاكم من ضنى أوحضوركم لقد لذّلي في حبّكم ملبس الفنا
وأنتم بقيتم لا عدمنا وصالكمأو فى البرّية على هجركم عندنا
وقلتم بأنّا في غنى عن وصالكمعلى كّل حال مالنا عنكم غنى

والغناء فيه سيكا.

ومنها في قولي:

متيم فيك على نار الجوىتشب نيران حشاه بالهوى
بالله خفف عنه بعض ما بهلو أنه من جبل كان هوى
وخله إذا غوى في حالهفهل رأيت عاشقا وما غوى
إيه وردد طيب ذكراك لهوغن للعشاق إلا في النوى

والغناء فيه عشاق.

وحدثني ما معناه: أنّه كان قد صنع قانونا اقتناه، وكان ربما غنّى عليه وأخوه

الأديب أبو علي حاضر يسمعه، ويجني له من عوده ثمر السرور أجمعه، ثم فقد أخوه ذلك القانون، وطوى منه طرب المسامع والعيون، فأفكر فيه أيّة ذهب، وما الذي اختطف أوقاته به وانتهب، ثم وقع على الخبر في ذهابه وفجيعة أترابه بإطرابه، فإذا كان قد رأى صبيا فتنه بحسنه، واستماله بميل غصنه، جعل ذلك القانون صداقه وخلا معه، وعقد عليه عناقه، وبات معه مستبدلا من نظر الخلوة بجهر الخلوة، فساء ذلك أخاه، وثوّره ونحاه، وقال ما أحوجك إلى بلد يصونك، وإخراج العزيز الغالي من مكنونك، وهبك رأيت ظبيا سانحا أعجزك، وأنت أنت عن صيده وقد سنح، وإمساكه وقد جنح، وهل خلقنا لغير هذا، أو عرفت سهامنا إلى غيره نفاذا، ونحن نصل من الصيد إلى ما لا يصل إليه الطير ولا النشاب، ولا غيرهما من مثل هذه الأسباب، ثم حصره في أرجائه، وقسره في هجائه، فقال:

لي في دمشق أخ قليل عقلهلا بل سليب الذّهن كالمجنون

[ص]

أفعاله أبدا خراف كلّهالكن ينيك العلق بالقانون

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.