تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أحمد بن أبي الفتح محمود الشيباني كمال الدين، أبو العباس

الصفحة ١ من ٢

بحر يقذف الدر، وأفق يطلع النجوم الغرّ، وكان للدنيا جمالا، وللدين كمالا، جعل للبيان سحرا، وللطيب شحرا، وقدمته الدولة على الرؤساء، وعظمته على الخلطاء والجلساء، وكانت الملوك تنزله منزلة لسانها ويمينها، وتحله محلة ترجمانها وأمينها، وظلت تصرف به البأس والندى، ويتصرف في الأولياء والعدى آونة تحسب نسيبه سؤالا، ويجود بسيبه نوالا، وآونة تحز بقصبه الغلاصم، ويجر بكتبه لجذّ الأيدي والمعاصم، وطالما فتحت به المعاقل الأشبة، وساقت سرجها السوام في رياض النجوم المعشبة، ثم قفلت الممالك بأقاليده، وقفلت المسالك بتقاليده واصطفته الرئاسة لقربها، وأصفت له السياسة موارد شربها، وكتب كتب السر أكثر عمره، وصرف ديوان الإنشاء مدة بأمره وكان بدمشق عينا لأعيانها، وزينا وحلية لبيانها، راقيا للإيوان، رائسا للديوان، وكان عمّي ثم أبي لا يعتمد كل منهما إلا على أمانته، ولا يرنح فكره إلا بإيضاحه وإبانته، وخطه أبهج من الروض الأريض، وأزين من النقش المخضر على معاصم الغواني البيض، وله من كثرة الاطلاع ما حقق له المآرب، وصدق أنه الشمس ضوؤها يغشى المشارق والمغارب، ولم يكن أكثر منه اتّضاعا في ارتفاع، وتنازلا وهو في اليفاع، لا يجد في نفسه حرجا لأحد، ولا مضضا ممن أنكر حقه وجحد، لا يضره أي مكان حله، ولا يضره لبس عباءة أم حلة، وكان يتعرف إلى الله عساه ولعله، ويتعرض لقضاء حوائج الناس لله لا لعلة، هذا بلا تكلف يشق عليه في عرضه مطلوب، أو يشق به لعرضه أردية أو جيوب، مع ملازمته تلاوة يؤنس بها جانب الجامع المعمور، ومرآة يشرق بها وجه النهار ويعمر قلب الديجور، وعمل زاك صحب به الأحياء، وجاور سكان القبور.

ومن نثره قوله:

طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره، وحلى المناصب العالية بجلي أنواره، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره، وهامت الأفكار في أودية محامده وما بلغت وصف محله ومقداره، وافتخر قلم الفتيا براحته، فتباعد السيف عن قربه خوفا من مهابته، وسدد إلى الحق سهام أحكامه، فأصابت الأغراض وعالج الأفهام بإفهام كلامه، فشفى صحيحه الأمراض، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة، ونشر هذه الروضة الخضرة، فرسم بالأمر العالي أن يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق، فليكتب بها دروس فضله التي لا تدرس الأيام آثارها، ويغرس في قلوب طلبتها حب فوائده ليجتني ساعة غرسها ثمرها، لتصبح هذه المدرسة كنيفا ملئ علما، وقليبا حشي فهما، وفلكا تبدي شمسا وتخفي نجما، وكنانة تخرج من طلبتها في كل حين سهما.

قلت: هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، وقد أخذت الأمينية له من نجم الدين بن سني الدولة.

عدنا إلى ابن العطار:

ومن إنشائه رسالته التي سماها «رصف الفريد في وصف البريد»:

أما بعد حمد الله البر، المسير في البحر والبر، والصلاة على من علا البراق،

واخترق السبع الطباق، وعلى آله وصحبه الذين سبقونا بالإيمان، وعلى التابعين لهم بإحسان:

فإنه لما كانت النفوس مولعة بحب العاجل، متطلعة إلى الاطلاع على المستقبل من الأمور والآجل، لم تزل أنفس الخلفاء والملوك وأنفس الأكابر من الأمراء والعظماء به كلفة صبّة، وإلى استعلام أحوال ممالكها وعساكرها ورعاياها منصبة، وعلم مثل ذلك من خلق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فبردهم في الآفاق ضاربة، وطلائعهم تارة بالمشارق طالعة وآونة في المغارب غاربة، كرة في أبحار السراب تعوم، وأخرى بالآفاق كأنها نجوم:

تروح فتغدو في الصباح طريدةوتغدو فتبدو في الظلام خيالا

تستطلع لهم خبرا، وتطوي وتنشر بساط الأرض وردا وصدرا، وتعوض أسماعهم بما تنقله إليهم أثرا، عما فات أعينهم مشاهدة ونظرا:

فلهم وإن غدت البلاد بعيدةطرف بأطراف البلاد موكل

من كل فتى قد هجر الكرى، وأشبه البدر فلا يمل من طول السرى:

وخلّف الريح حسرى وهي جاهدةومرّ يختطف الأبصار والنظرا
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «جاء المشمر والأفراس يقدمها»

قد أعدّ للسفر في ليله ونهاره من الخيل كل أشقر صباح، وأشهب مساء، وأصفر أصيل، وأدهم ليل:

وألجم الصبح بالثرياوأسرج البرق بالهلال

وسابق الضلال فهي تزور عنه ذات اليمين وذات الشمال، فلا تزال من ورائه

مشرقا قبل الزوال، ومغربا بعد الزوال، موكل بفضاء الأرض يذرعه متوقع أن كل بلد يقطعه:

وكأنما اتخذ البروق أعنةوكأنما اتخذ الرياح جناحا

فمما أنبأ الكتاب العزيز من تطلع المرسلين والأنبياء، إلى سرعة الاطلاع من الأمور والأنباء، ما ورد في قصة سليمان ﵇ من طلبه سرعة إتيان عرش بلقيس، ووصوله قبل ارتداد طرفه إليه، وقد نقل عن نوح ﵇ استبطاؤه الغراب وإردافه له بالحمام؛ هذا وقد ضرب المثل ببكور الغراب، وخروجه في الظلام؛ ولولا اعتقاد موسى الكليم ﵇ أنه للباري ﷻ أرضى، لما قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ وفي سيره، بأهله ومسراه، ناداه ربه بالوادي المقدس: إني أنا الله؛ وما انعقد على رهن السباق والإجماع، إلا لما فيه من فضيلة الإسراع؛ ولم يكن الشيطان الرجيم بمطرود، لو جرى على سجيته في العجلة، وبادر في السجود، ولا سيما وقد خلق الإنسان من عجل؛ وما يعلو المدرك المسرع من أنوار الجذل، وما يغشى المبطئ من فتور الخجل، ومن كمال فضيلتي الحج والعمرة، ما هو واجب أو مستحبّ من الرمل وشتان ما بين المبطئة والسريعة، ويا بعد ما بين الساقة والطليعة:

وربما فات قوما جل أمرهممن التأني وكان الحزم لو عجلوا

وكثيرا ما قيل في القوم: وعداك ذمّ، وتخطاك لوم، وتحرك تعش، وسر في البلاد تنتعش؛ وقال ﷾ لخلقه: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ هذا وأشرف الدراري الكواكب السواري، وما الجواري في البحر كالسواري، وهل أجن إلا الماء الواقف؟ وهل طاب إلا الماء الجاري؟:

وإن لزوم عقر البيت موتوإن السيرفي الأرض النشور

والقعود مع العيال قبيح، ومن يمن النجاح سرعة التسريح:

والمهد أسكن للصبيبحيث جاء به ومرّا

وبفضيلة السير في البلاد والانتقال، بلغ البدر درجة الكمال، وأمنت الشمس المنيرة من الملال:

والصقر ليس بصائد في وكنهوالسيف ليس بضارب في جفنه

ولولا ضرب إخوة يوسف في الأرض، لما نجا أبوهم من حزنه، وقد جعل الله رحلتي الشتاء والصيف للإيلاف، وركني الحج والعمرة للسعي والطواف، وفي استخلاف من لا يستطيع التحيّز للضرورة خلاف:

والمرء ما لم يفد نفعا إقامتهغيم حمى الشمس لم يمطر ولم يسر

وسعة الخطوة دليل الإقبال، وسبيل إلى بلوغ الآمال، ولا ريب أن العز في النقل، وفي بلاد من أختها بدل:

لو كان في شرف المثوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يوما دارة الحمل

والحركة ولود، والسكون عاقر، وقد ورد أن الله رحيم بالمسافر، وأنه للخضر ﵇ خليفة، وناهيك شرفا بهذه الرتبة المنيفة، ولا إنافة على رتبة الخلافة؛ والسيف إن قرّ في الغمد صدي، والليث لولا الوثوب ردي، ولو يستوي بالقيام القعود لما ذكر الله فضل الجهاد، ولولا انتقال الدّرر عن البحور، لما عوضت من الحور بالنحور، وكثيرا ما ورد في الكتاب العزيز النهي عن التباطؤ، والحث على الإسراع:

وليست فرحة الإيّاب إلالموقوف على ترح الوداع
إن فيه اعتناقة لوداعوانتظار اعتناقة لقدوم

وهذا وكم بين رتبة الاتباع ورتبة الاختراع والابتداع، وبين جمود الروية وتوقد الابتداء وكلالة الرقاد وحدة الانتباه، وشتان ما بين عقلة المشيب ونشطة الشباب، وحسبك بأنك ﴿تَرَى اَلْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ﴾، وقد علمت فائدة الإسراع بمن لا علم عنده ومن عنده علم الكتاب، وبحركة النبض يستدل على حال القلب، ولولا إدامة الترويح عليه لغم من الكرب، ولا يقاس موقف المأموم بمقام الإمام، وإذا كانت الشجاعة في الإقدام، كذلك السلامة في الانهزام، وقد جعل الله ﷾ الأفلاك دائمة الحركات، وأرسل الرياح مبشرات، وللسحائب مسيرات، وبأرزاق العباد جاريات، وأقسم ﷾ بالعاديات وبالمرسلات، وللإسراع سخر لمحب

الخير ﵇ الريح والطير، هذه غدوها شهر ورواحها شهر، وهذه تستطلع له أنباء الملوك فتستنزلهم على حكم الذل والقهر، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد، فبلغت بهما في الوقت القريب ما تريد من غاية المرام البعيد، وقربت لهم مستبعدات المطالب، وأطلعتهم بسرعة الإعلام على نهايات العواقب، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق، ما لم يكن أحد من البشر بطائق، وارتفعت محلقة في الهواء، وحلقت مسخرة في جو السماء، وما خفقت بأجنحتها إلا وقد وافت بالبشرى مخلقة وما أخفقت، وما خضبت كفها وتطوقت إلا للسرور وصفقت، وما حفظت العهود من الأسرار، وما ردها الحنين إلى الأوكار، وما قطعت مسافة في ساعة من نهار، وما وما وما، ولا عرجت طائرة نحو السماء إلا وقد ذكرت عهودا بالحمى، إلا أن بطائقها ربما نقلت من جناح إلى جناح، وحصل بنقلها أعظم خطر وأوفر جناح، وكشف خدرها، وأذيع سرها، فغدت مذاعة السرائر، وكانت محجوبة عن مقلة كل طائر، وذاك حافظ لما استودع من الأمانة المؤداة، أمين على ما حمل من النفقات والمشافهات، إلى الأجانب وأهل المودات، حريص على إيصال كتبها، صائن لها في حربها، صيانة الصوارم في قربها، والعيون بهدبها، يوصلها بطيها مختومة بخاتم ربّها، فهو السهم الخارج عن كبد القوس، لا يزيغ عن الغرض، وتلك ربما جرحها الجوارح، وعرض لها بالبنادق من اعترض؛ وصدها عن بلوغ المرام، غموم الغمام، وعموم الظلام، وقطع طريقها، وحتم تعويقها، وقضى وحكم عليها بالتأخير، لأنها فيهما لا تطير، وذاك في الليل والنهار، والصحو والغيم يسري ويسير، ولذلك لا تسرح الحمام في المهام، إلا ويرسل تحتها البريد، مؤرخ بتاريخها فهو لها وعليها سائق وشهيد، وهي وإن شهد لها المترنم المنتدم، بالفضل والتقدم، والفضل

للمتقدم، فربما تقدمها البريد وسبق، وكثيرا ما توافيا فكأنما كانا على ميعاد فجاءا معا، في طلق كفرسي رهان، وشريكي عنان، وافتن فيه الناظرون وهو يحضر، فإصبع يومئ إليه بها وعين تنظر، هذا وكم شابت لقعقعة لجامه النواصي، وزينت لمقدمه البلاد والصياصي، وسرى وجفن البرق خوفا وطمعا يغامز ويختلج، فلذلك تارة ترد بما النفوس به تبتهج، وتارة بما الصدور به تنحرج، وتشاهد بما ينزل من السماء وما في الأرض يلج، وسرى وعيون القطر دامعة، وسيوف البرق لامعة، وسيول العيون للطرف قاطعة، ونبال الوبل في أكباد الأرض صادعة، ووافى المنازل والخيول بها طالعة، وبعد أن أصبحت طائرة أمست تحته واقعة، وكم حال دون مرامه من أوجال أو حال، وعلق لثق ووهق زلق، يمنعه في سوقه من استرسال، بأوثق شبحة وشكال، وعام في أملاق إلى الذقن لا إلى الوسط، وتقطر فوافى ويده مغلولة إلى عنقه وكانت مبسوطة كل البسط، أو بات بعد أن كان راكبا نازلا، وبعد أن كان محمولا لسرجه وجرابه على كتفه حاملا، وسرى وطرفه بالسماء موكل، ونزل بمنزل ليس له بمنزل، وليس به ما يشرب ولا به ما يؤكل:

بمهمه فيه السراب يلمحوليله بجوه مطرّح
يدأب فيه القوم حتى يطلحواثم يظلون كما لم يبرحوا

كأنما أمسوا بحيث أصبحوا

يمشي زميلا للظلام وتارةردفا على كفل الصباح الأشهب

ويعدو كالحبال يمشي إلى ورا، ويغدو فلا يسأل عن السّليك ولا عن

الشنفرى، أو جاءت به عنس من الشام تلق، بعد أن كان يطوي الأرض بسوقه ويخترق، وقد فلى الفلا، وقيل له: هكذا هكذا وإلا فلا:

يوما بحزوى ويوما بالعيق ويوما بالعذيب ويوما قصر تيماء
وتارة ينتحي نجدا وآونةشعب الغوير وأخرى بالخليصاء

فكم قطع أرضا وركب ظهرا ووجد رفقا، ولم يكن كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وقلما جهز إلا في مصلحة من مصالح المسلمين العامة، الشاملة للأمة المحمدية من الخاصة والعامة؛ ما آب من سفر إلا إلى سفر وما سفر في مهم إلى بلد فقيل: إنه سفر ولكنه ظفر:

كأنّ به ضغنا على كلّ جانبمن الأرض أو شوقا إلى كل جانب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

ورد مبشرا وللمسار في الوجود مسيرا، فأزال العناء، وأنال المنى، وأفاد الغنى، وانثالت عليه الجوائز والتشاريف من ههنا ومن ههنا:

ما درت الشمس إلا جاء يقدمهاوفي المغارب منه قبلها أثر

وكاد لشدة إحضاره، يسبق أذني جواده في مضماره، فتراه لسرعة سيره، لا يرتد طرفه عن أمد حتى يتعداه إلى غيره، فهو أبدا يسبق طرفه إلى ما يرمق، وما يستولي طرفه على أمد إلا ويتجاوزه ويسبق، فيكاد يأخذ مغربا من مشرق، فيبلغ غاية الأقطار، ويخترق من الآفاق حجب الأستار، حتى يقال: إنه ما سار ولكنه طار، وفي الأرض طار:

قال له البرق وقالت له الريح جميعا وهما ما هما
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قال له البرق وقالت له»
أأنت تجري معنا؟ قال: إننشطت أضحكتكما منكما
أنا ارتداد الطرف قد فتّهإلى المدى سبقا فمن أنتما

ولم يزل البريد مرتبا فيما تقدم وسلف من الأيام؛ ومعاوية أول من أحدثه في الإسلام، وأحكم أمره الذي حكم البلاد شرقا وغربا، ونظر إلى السحابة فقال:

أمطري أنى شئت، فخراجك إليّ يجيء؛ وعلم أنه من أعظم مهمات الملك العظام، فقال: ربما فسد بحبسه ساعة تدبير عام:

فدانت له الدنيا فأصبح جالساوأيامه فيما يريد قيام

لا سيما في هذا العصر، وعدو الدين قد أمر أمره، واستشرى شره، وامتدت أطماعه في البلاد، وسرى فيها منه الفساد، مسرى السم في الأجساد، وهو أولى الأمور التي لا يستأذن عليه، وقد وافى مسرعا، والذي يقال له: لعا، إذا قيل لسواه لا لعا:

وجاء منه بقرطاس يخب بهفأوحش القلب من قرطاسه فزعا

وقد أقام الله بهم للإسلام، بالديار المصرية والشام، كل شهم أمضى من سهم، وأبعد غاية من نجم:

إذا جارته شهب الأفق قالت:أعان الله أبعدنا مرادا

محمود الطرائق، مقبول الخلائق عند الخلائق، خفيف الحركات، مسارع إلى الحركات، قصيف يرجح به ظله، خفيف على ظهر المطية حمله، وإذا كان الناس أرواحا وأجساما، فهو روح كله، عارف بالآداب، والسلوك، للمثول بين يدي الأمراء والسلاطين والملوك، عذب العبارة، خفي الإشارة، منجح السفارة، كتوم الأسرار، موفق الإيراد والإصدار، صادق اللهجة، ثابت العدالة، مليّ بأداء

السلام وإبلاغ الرسالة، ليست معرفته على آداب السفر مقصورة، جامع بين أدب النفس وأدب الدرس، حسن الاسم، وضي الرسم، سوي الوسم، سريع إلى الداعي، مبادر إلى امتثال الأوامر والدواعي، ما يفوه بالجواب إلا ورجله في الركاب، فهم، متى رسم لهم بالسفر يسارعون، وإلى الإجابة يهرعون، وعلى الخدمة أنفسهم يعرضون ﴿كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿وَاَلسّابِقُونَ اَلسّابِقُونَ أُولائِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ﴾

لا يستقر بهم ربع ولا سكنكأنهم فوق متن الريح نزّال

ما ندب منهم ندب لهم إلا وبادر مطيعا، وما غاب إلا ثاب سريعا، فما ماثله في السير ذكوان، ولا ضاهاه حذيفة بن بدر وقد ساق هجان النعمان:

ألف النوى حتى كأن رحيلهللبين رحلته إلى الأوطان

والله ﷾ يطوي البعيد لمن يشاء من خلقه، ويسهل العسير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

إلا أن حضور النيات التي بها انعقاد الأمور الدينيات، لا يحصل إلا بالثبات والأناة، والطمأنينة في الركوع والسجود كمال الفرض ﴿فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ اَلنّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ﴾ وكما ورد في التنزيل النهي عن

التباطي، ورد النهي عن التسرع وسببه، فقال عز من قائل: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ونهى عن العجلة تارة في الخير وتارة في الشر، قولا جزما، فقال ﷾: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾، ولا ريب أن الثبات من الله تعالى، والعجلة من الشيطان الرجيم، وأن الله ﷿ امتنّ بالتثبت على النبي الكريم، فقال ﷾: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللّهِ قِيلاً﴾: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ وإن ورد عن سليمان ﵇ طلب الإسراع في الكتاب المبين، فكذلك ورد عنه التثبت في قوله تعالى: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْكاذِبِينَ﴾ وبماذا يصف الواصف، أو ينعت الناعت، فرق ما بين العجلة والتأني؟ وبين البروج المتقلبة والبروج الثوابت؟ وبالتأني يحصل التأتي، ويكون المرء من أمره على بصيرة، ويشاهد في مرأى مرآة فكره صورة الخيرة، ويأمن من تردد الحيرة، وقد قيل: أصاب متأن أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، وحصل على أنكاد وأي أنكاد، ولولا التأني قبل إرسال السهم لم تحصل به النكاية، ولولا التثبت قبل إطلاقه ما وصل إلى الغرض ولا بلغ الغاية، فالعجلة والندامة فرسا رهان وشريكا عنان، وإن حمد المجلي يوم الرهان؛ وما

زالت ثمرة العجلة الندامة، وربما كانت الهلكة في العجلة، وفي التؤدة السلامة، وفي الثبات والأناة ما لا يحصر من أمر العواقب في سائر الحالات؛ وأسرع السحب في الجهام، وما الإقدام في كل أمر من الشجاعة، ولا الثبات من الإحجام:

والحرب ترهب لكن الأناة لهاعند التأيّد أضعاف من الرهب
لا يا من الدهر بأس الجمر لامسهوقد يروح سليما لامس اللهب

والتسرع خرق، والأناة حلم ووقار، والتثبت دليل القدرة من الله ﷿ مثبت القلوب والأبصار، وفرق ﷾ بين الشجرة الثابتة والشجرة التي ما لها من قرار.

وما كان الثبات في شيء إلا زانه، ولا التسرع في أمر إلا شانه؛ ومع العجل الزلل، ومع الزلل الخجل، ومع الخجل الوجل، ومع الوجل الخلل الجلل.

وللثبات وثبات وأي وثبات، وقليلا ما حصل النصر والظفر إلا بالكمين والبيات؛ وقد حكم الصادر والوارد، والمداني والشارد، وأقر المعترف والجاحد، واعترف الصديق والعدو والحاسد، وسار في الأقطار والآفاق، وبلغ من بمصر والشام والروم والعراق:

وسار به من لا يسير مشمراوغنى به من لا يغني مغردا

ما حصل للإسلام والمسلمين من الانتفاع، ولعدو الدنيا والدين من الوهن والضعف والاندفاع، بثبات المقر العالي الجمالي، كافل الممالك الشريفة الشامية، أعز الله أنصاره، ومقامه على المرج، مع قوة الهرج وكثرة المرج، وأنه قام بذلك للدين نصيرا، وللملك ظهيرا، وأخذ هو ومن أقام بخدمته من العساكر

الشامية بقوله ﷾: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اَللّهَ كَثِيراً﴾:

سديد الرأي لا فوت التأنييلم به ولا زلل العجول
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «أما تحية الطرف الكحيل»
يعيب مضاءه وقفات حلمكعيب المشرفية بالفلول

وقد كان العدو المخذول يظن أنه يركن إلى الإحجام، ويتربص الدوائر والعرصات من سهام الأيام، فأخلف الله ظنه، وعجل هلاكه، وضعفه ووهنه، وتحقق أنه الطود الذي لا يلتقى، والسور الذي أحاط بالشام فما إن يتسوّر ولا يرتقى، فأجفل إجفال الظليم، وطلب النجاة لنفسه ولم يلو على مال ولا حريم، وحفظ الله تعالى بثباته الإسلام، ورفه خواطر أهل الديار المصرية، وصان أهل الشام، وعادت العساكر المصرية إلى بلادها، عود الصوارم إلى أغمادها، والأجفان إلى رقادها، والجنوب إلى مهادها، وافتدى بالسلطان الشهيد قدس الله روحه كما مضى وسبق، وجاءت النصرة بحمد الله تعالى كما أراد لا كما اتفق، وأصبح وأمسى يثني عليه عدوه، فيقول حاسده: صدق؛ وبدل الله المسلمين بالأمن بعد الأوجال ﴿وَرَدَّ اَللّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اَللّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتالَ﴾. وكان من خبر كذا وكذا.

قلت: ولشهاب الدين محمود في معنى ذلك:

أما بعد حمد الله، ميسر أسباب النجاح، وجاعل قوائم العاديات في مصالح الإسلام كقوادم ذات الجناح، فهذه تطوى لها الأرض كما تطوى لذي الصلاح، وتلك يتسع لها مجال الفضاء كما يتسع لمرسلات الرياح، وربما تساويا في سرعة

القدوم، وامتازت الخيل في سرى الليل بمشابهة الفلك ومشاركة النجوم، إلا أن الخيل يعينها قوة راكبها وثباته، ويغريها بالسبق حدة عزم راكضها وثباته، ويطوي لها شقة الأرض حسن صبره على مواصلة السرى، ويقرب لها النازح طول هجره لطيف الكرى، حتى إن بعض راكبي بريدها يكاد يعثر طوق ليله بذيل صاحبه، ويلتبس على ناظره ومنتظره غدوه في المهمات برواحه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي كان الرعب يتقدمه مسيرة شهر إلى العدى، والوحي يأتيه من السماء بخبر من راح لحربه أو اغتدى.

فإنه لما كان البريد جناح الممالك، ورائد المهمات الإسلامية فيما قرب أو نأى من المسالك، وبه تنفذ المهمات في أوقاتها، وتتوافق الحركات فيما يتعين من ميقاتها، وتعرف أحوال الثغور على اتساع أطرافها واختلاف جهاتها، كان المبرز في ذلك من عرف منه السبق وألف، وسلم له التقدم في السرعة من نظرائه فما ارتيب في ترجحه ولا اختلف، فكأنه شهاب يتوقد في سمائه، أو برق تألق في أذيال الغمام بسرعة وميضه وانطوائه.

ولما كان فلان ممن جلى في هذه الحلبة، وبرز في ارتقاء هذه الرتبة، فبلغ إليها غاية لا يشق غبارها المثار، ونشر منها راية لا يتعلق منها الريح الخوافق بسوى مشاهدة الآثار، فسار على البريد في قوة الهواجر المثبطة وشدتها، وقصر الليالي المعينة على السوق وتقارب مدتها، من دمشق المحروسة إلى الديار المصرية في يومين ونصف، فكان له بذلك مزية على أقرانه، ودرجة لا يرتقي إليها إلا من جاراه إلى مثلها في ميدانه؛ وسأل من علم ذلك أن يكتب له خطه بما علمه، وأن يشهد له بما تحققه من هذه الحركة التي رفعت بين الأكفاء علمه.

عدنا إلى ابن العطار:

ومنه رسالته في البندق أولها:

أما بعد حمد الله على ما أسبغ من نعمائه، ووالى من آلائه، وأباح الإنسان من شرائه، وفسح له فيما يتدرب به ليوم هيجائه، ويعده من قوة لدفع الصائل عليه من أعدائه، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه وخلفائه وحلفائه، ما مدّ الكف الخضيب وتر البرق لقوس الغمام، وحلق طائر الفجر نحو الغرب من وكر الظلام، فإن الصيد مما اتفقت الشرائع المختلفة على تحليله، ولهجت النفوس الأبية، بتقديمه على سائر الملاذ الرياضية، وتفضيله مع أنه الراحة التي لا تنال إلا بتجشم التعب، والمسرة التي لا تدرك إلا بعد النصب واللغب، وألذه من القلوب موقعا، وأمكنه من النفوس موضعا، ما أدركه المرء بنفسه واكتسابه، لا بمشاركة بزاته وفهوده وكلابه؛ ولذلك أجهد نفوسهم فيه كثير من الملوك والخلفاء، ولم يرضوا بالصيد من وجه الأرض، فعمدوا إلى الصيد من كبد السماء، ولم يجدوا ذلك إلا في صرع الطائر الجليل، الذي لا يشترك فيه صغير مع كبير، ولا حقير مع جليل، ولو لم يكن فيه مع حصول المراد، إلا السلامة من التقطر عن الجياد، لكان أولاها بالاختيار، وأحقها عند الاختبار، وأنفوا من بقايا كسائر، كأشلاء الذئاب، وفضلات ما أكلته الفهود، وولعت به الصقور، وولغت فيه الكلاب، فعمد كل منهم إلى الانفراد في رمائه، وصرع كل طائر يتخبط في ذمائه، مخلّق بدمائه، مراصد بارتقائه لعيون الأوتار في التفافه وتحليقه، حذر في حالتي اجتماعه وتفريقه، وتغريبه وتشريقه، وإذا فكر اللبيب فيما أودعه الباري ﷻ من القوى فيها، ظهر له أسرار ما أخفاه من بدائع صنعه بين قوادمها وخوافيها.

فمنها التّم، الذي هو أتمها صورة، وأعظمها سورة، قد علا على الغيوم لرمي بنادق النجوم، وخاض بحر الظلام، وعبّ فيه، وأخذ منه قطعة بساقيه وقطعة بفيه، حتى ورد على جبال من برد، فاكتسب منها رياشه، واكتسب من بياضها أرياشه.

ثم الكيّ، الذي هو في طيرانه، واعتنانه في مضماره واستنانه، كالفارس في ميدانه، كأنه النجم في حالة الرجم، لو عارضه السماك لاقتلعه، أو الحوت لابتلعه.

ثم الإوز، الذي يمشي متبخترا، وينقر متحذرا، كأنما يدوس على مثل حد السيف ويمتاز على أبناء جنسه برحلة الشتاء والصيف، يبيت على فرد رجل واحدة، ويرمق موهما أن عينه راقدة، وليست براقدة.

ثم اللغلغ، الذي يوافي من بلاد الخزر، ولا يتقي من البندق سهام القدر، ولا يخشى أن تصيبه عين من الوتر، لا يحارب إلا بسحر الجفون من خزر العيون، ولا يستجن إلا من تدبيج الصدر بزرد موصون.

ثم الأنيسة، تتهادى تهادي الطاووس، وتختال اختيال العروس، حتى تلتقط حبات القلوب، وتصيد سوافر النفوس؛ كم قطعوا في طلبها من أنهار نهار، وسمحوا بإنفاق أكياس النجوم من خزائن الليل وما فيها من درهم ودينار، فما فازوا بوصالها، ولا ظفروا إلا من على وجه الماء بطيف خيالها.

ثم الحبرج، الذي تهادى في مشيته غير مروع، وكأنما على كتفيه بقايا من صدأ الدروع، لم يتدرع بمقاصة الأنهار، ولا أوى إلى ظل الأشجار، بل برز كأنه مناجز، يشير ألا هل من مبارز.

ثم النّسر، الذي علا عليها شأنا، وغدا لها سلطانا، وسار فيها بالعفاف عن دمائها أجمل السير، وتحصن من قنة الجبل بقبة السماء، فأصبح صاحب القبة والطير، حتى لقد ضج الأبد من عمر لبد، لما طالت صحبته له على رغمه واستعان به النمروذ في الصعود إلى السماء على زعمه، فما ظنك بفتية تقصد صرع من هذه قواه، ومن جملة أنجم السماء أخواه، لو صارعه عقاب الجو لصرعه، أو عارضه أحد النسرين لما قدر أن يطير معه.

ثم العقاب، التي اشتهر منها الشهامة والضراوة، حتى اشتهر ما بينها وبين الحية من العداوة، فإنها توسد فرخها لحوم الأرانب، وما عنقاء مغرب عندها إلا كبعض الجنادب، وطالما حلق وراء كل جيش عصائب منها تهتدي بعصائب، من كل لقوة ذي دكنة وقوة، تخال الغواني ضمختها بالغوالي، أو درعتها الغوادي مدرعة الليالي:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع