تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

خاتمة تتعلق بما تقدم

اعلم أن الأرض جسم بسيط قام البرهان على أن طبعها بارد يابس، وهي كما زعموا متحركة إلى الوسط. وزعموا أن شكل الأرض قريب من الكرة، والقدر الخارج <> محدّب، لأنهم اعتبروا خسوفا واحدا، فوجدوا في البلاد الشرقية والغربية في أوقات مختلفة، فلو كان طلوعه وغروبه دفعة واحدة، لما اختلف بالنسبة إلى البلاد.

وإنما خلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك، إذ لولاهما لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها، وحدوث المعادن والنبات في بطنها.

وزعموا أنها ثلاث طبقات: طبقة قريب من المركز، وهي الأرض الصرفة، وطبقة طينية، وطبقة انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى. والهواء والماء يحيطان بها من جميع الجهات. والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر، لكل تسعة عشر فرسخا درجة. ثم إن البحر المحيط أحاط بأكثر وجه الأرض، والمكشوف منها قليل ناتئ عن الماء على هيئة بيضة غاطسة في الماء، خرج من الماء محدّبها، وليست منظمة ملساء، ولا مستديرة، بل كثيرة الارتفاع والانخفاض. أما باطنها فكثير الأودية والأهوية والكهوف والمغارات، ولها منافذ وخلجان كلها ممتلئة مياها وبخارات ورطوبات دهنية ينعقد منها الجواهر المعدنية. وتلك الأبخرة والرطوبات دائما في الاستحالة والتغير والكون والفساد. أما ظاهرة فإنها كثيرة الجبال والأودية والجداول والبطائح والآجام والدحال والغدران، وفيها منافذ

وخلجان تجري بعضها إلى بعض في دائم الأوقات، والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع عنها في شيء من الأوقات، ولكن في أماكن مختلفة البقاع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، مثل الليل والنهار <> والصيف والشتاء، وفي بلدان شتى.

والمعادن والنبات والحيوان قائم في الكون والفساد، فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان، باختلاف صورتها ومزاجها وأجناسها وألوانها وأنواعها لا يعلم تفصيلها إلا الله، وهو صانعها ومدبرها، وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، إلاّ في كتاب مبين.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.