تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة المستنجد بالله

أبي المظفر يوسف بن عبد الله المقتفي، كان أبوه احتفر أوزارها، واحتقب سلمتها وإزارها، لم يهب أن هجر الفحشاء أوزارها، ولا خاف مهاجمة الأسود أو زارها، تحلى بالعدل ولزمه، وتجلى في الوبل كالازمة، فلم يزل يكفّر سيئات تلك الذنوب، ويغسل أدناس تلك العيوب بالذنوب، إلى أن نسيت القروح، وأسيت الجروح، وتداول الناس شكر المستنجد، وتحدث به المغير والمنجد، فكأنما بعث للأدواء مسيحا، ومن اللأواء مريحا، وللآلاء مميحا، وكان يتأمل القصص ويوقع عليها بيده، لحق يحقه بكلماته، وباطل يبطله بإزالة ظلاماته، يقوم الليل ويحييه بتهجده، ولا ينتقل إلا من موضع سريره إى مسجده، لا يعدو يمينه، ولا يعد ما ملكت يمينه مع اقتصار، وقصر طمع واختصار، لا يطلب الدنيا إلا لبذلها [ص]، ولا يجمع الأموال إلا لتشتيت شملها، وهو في هذا كله بقدر محدود، وظل لا ينقبض ولا ممدود، بل لا يأخذ شيئا إلا من حلّه، ولا يصرفه إلا في أهله، لا جرم أنه ضرب به المثل الشرود، وسحب له أمثل البرود، مع أنه استفاد من عدوه وانتقم، وشرب دمه والتقم، إلا أنه كان يغلب حلمه على غضبه، وجده على لعبه، فلهذا قيل إنه فريد وقته، ولم يمثل بعد سمت ذي وقار إلا بسمته، بويع يوم موت أبيه، فقبض على

جماعة من أهل الظلم، وأسقط ما استجد من المكوس، وأذهب لسعود أيامه النحوس، وكان المستنجد قد نشأ مع الأتراك وتكلم بلغتهم، ولعب معهم الصوالجة، وبعد خلافته بشهرين اصطدم في الميدان هو وقائماز الأرجواني أمير الحاج، فوقع قائماز وفرسه ميتين، وتوفي ابن هبيرة سنة ستين بالفالج، واستولى عضد الدين أبو الفرج بن المظفر بن رئيس الرؤساء بعده على الدولة، وأجرى على إقطاعه، وكان مائة ألف دينار، وتوفي على فراشه يوم السبت تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مائة، قيل مات على فراشه، وقيل إن بعض من كان أحفظهم من الأمراء بإمساك من كان أمسك من أصحابهم لتمهد دولته وتسلط ابن البلدي في ظلم الناس، راقبوا المستنجد حتى مرض، فهجموا عليه، وحملوه بفراشه إلى حمام وأغلقوها عليه وأوقدوها، فمات، ثم أخذ ابن البلدي ومثّل به، وألقيت جثته في دجلة.

ثم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.