من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
كم بذي الدوح أثلة من قضيب
ثم أوقع بعد ذلك بابن الصاحب، ثم استوزر جلال الدين بن يونس، وخلع عليه، ومشت القضاة وأرباب الدولة في خدمته، وكتب إليه ......
الأنصاري: إن المملوك قديما ولي أمير المؤمنين، وقد تاب على يد ابن الجوزي، وترك الخدمة، فوقع عليها: (ما يصلح للمولى على العبد حرام) وكتب إليه رجل يسأل المساواة بابن ساوا، فوقع عليه: (ابن ساوا لا يساوى)، ثم إنه نقم عليه، وقتله شر قتلة، وكتب إليه عن السلطان [ص] صلاح الدين:
الفتى في لظى فإن أحرقتنيفتيقن أن لست بالياقوت
كل من جاءك يدّعي النسج لكنليس داود فيه كالعنكبوت
فكتب جوابه:
نسج داود لم يفد صاحب الغار وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في حومة النار مزيل فضيلة الياقوت
واستبصر في بعض أوقاته بمن أجابه إلى موعد أخلفه في ميقاته، فكتب إليه بيتي أسامة بن منقذ:
ومماذق رجع النداء جوابهفاذا عرا خطب فأقعد من دعي
مثل الصدى يخفى عليّ مكانهأبدا ويملأ بالإجابة مسمعي
وقد ذكره ابن واصل قال: كان الناصر عظيم الهيبة، عالي الهمّة، وافر العقل، حسن السياسة، متيقظا لا يفوته أمر مما يجري في بلاده وغيرها من بلاد الإسلام، وكان له أصحاب أخبار يطالعونه بما يحدث من الأمور في كل صقع،
فخافه الناس خوفا شديدا وهابوه، وكان الإنسان في العراق، لا يجسر أن يجري في بيته وخلوته ما يخاف الإنكار عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به، أن ينقل خبره إلى الخليفة، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة، واتسع ملكه جدا، واستولى على خوزستان والجبل، وفتح كثيرا من بلاد العجم، وقامت للدولة العباسية حشمة لم يكن مثلها موجودا إلا في الزمن القديم قبل استيلاء الملوك على العراق، لكن الفقهاء أهينوا في زمانه، إهانة بالغة، لاستظهار الشيعة به عليهم، فقال صاحب المخزن:
أحبابنا نوب الزمان كثيرةوأمرّ منها رفعة السفهاء
هل يستفيق الدهر من سكراتهوأرى التهوّد بذلة الفقهاء
وفي جمادى سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة، حكم أهل النجامة أنه يكون هواء [ص] عظيم يهلك أكثر الناس فيه، وترمى الجدران، لاقتران الكواكب في برج الميزان، فدخل للناس منه رعب عظيم، واستعد بعض الملوك لعمل سراديب تحت الأرض، وأعد فيه الأقوات والعطر لأجل وخم الهواء، فقضى الله بأن الهواء انقطع تلك الليالي البتة، حتى إن ضوء الشمع ما كان يميل، فقال ابن المعلم شعرا منه:
قل لأبي الفضل قول معترفمضى جمادى وجاءنا رجب
وما جرت زعزع كما حكمواولا بدا كوكب له ذنب
يقضي عليها من ليس يعلم مايقضي عليه هذا هو العجب
فارم بتقويمك فالاصطرلاب خير من صفره الخشب
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع