تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

دولة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان

الداخل الحق المطرّف، رجل العالم، وبطل بني آدم، خلص من لهوات

القواضب، وهفوات العدو المغاضب، وعبر الفرات يشقها عوما بذراعه، ثم الفلاة يقطعها فردا من أصحابه وأتباعه، حتى أتى المغرب، وبلغه اختلاف المضرية واليمانية بالأندلس، فبعث بدرا مولاه، ليستميل أي الفريقين والاه، فأتى اليمانية إثر نوبة كانت للمضرية عليهم، فاستمالهم، ووعدهم عنه، ومنّى آمالهم، ولما أراد الحرب عقد نقيبه عبد الله بن خالد لواءه، وكان أبوه خالد عقد لواء مروان بن الحكم يوم المرج، فكشف لأواه فتيمن بتلك النقيبة ولهذا خص بعقد اللواء نقيبه. وخرج يوسف بن عبد الرحمن فيمن بقي من طاعته،

ووفى بأس التفرق من جماعته، وكان الزمان ربيعا [ص] جاء إثر جدب، ما مر النسيم على مخلصه، ولا رم شعث الناس إلا ما كل نقله، وسارا على نهر أشبيلية، كل منهما على ضفة منه، ثم تقابلا مقابلة كادت تكون اجتماعا وتراسلا، لا لشئ إلا خداعا، وكان ذلك يوم عرفة، فبات يوسف بن عبد الرحمن همّه ذبح الجزر وتهيئة الطعام، وعبد الرحمن الداخل همّه في تسوية الصفوف، وإثارة القتام، فلما أصبح يوم الأضحى جازت خيل عبد الرحمن النهر، وجادت بالحديد مثقلة الظهر، وتناوش الفريقان الحرب، يشعبون شعب رماحهم، ويهيجون شعب صفاحهم.

وكان عبد الرحمن على فرس سابق، فخاف أهل معسكره أن ينهزم، وحار من كان له بينهم، وقالوا: شاب غر وتحته فرس يرمي به المرامي، نخاف إن عضت الحرب أن يطير عليه على بعض الموامي، فلما نمي إليه هذا الخبر، استدعى بغلا أشهب كان معه، وركب عليه لا يفارق موضعه، فاطمأنوا إلى الثبات، وارجحنوا كالجبال لولا الوثبات، فانهزم يوسف هزيمة لم ير بعدها جدا مقبلا، ولا حدا إلا مقللا، ودخل الداخل قرطبة، وحل بها صدر المرتبة، ثم كان آخر أمر يوسف بن عبد الرحمن مع عبد الرحمن أنه انتظم في جنده، وارتطم بالأرض خضوعا تحت بنده.

قال صاحب المقتبس: ولما كان يوم المضارة واستحر القتل، مشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل بن حاتم، وكلاهما من عسكر يوسف بن عبد الرحمن، فقال له: يا أبا جوشن، اتق الله، فوالله ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج، وإن عاد ذلك لباق علينا إلى اليوم، وإن الأمور لنهتدي إليها بالأشباه والأمثال، أموي وفهري، وقيس ويمن، ووزير الفهري ذلك اليوم قيسي وهو زفر بن الحارث، ووزير هذا اليوم أنت، وأنت قيسي، ويوم عيد في يوم جمعة، ويوم المرج يوم عيد في يوم جمعة، الأمر والله علينا ما أشك فيه، فاتق الله واغتنم بنا تلافيه، فلم يفد كلامه.

وفي هذه الوقعة يقول ابن السنبسية:

أهداك ربك رحمة لعبادهلما تضرّمت البلاد وقودا [ص]
فسلقت أطراف الأسنة في العدىحتى روين فما يرون مزيدا
والخيل تعثر بالقنا وكأنّمافوق السنابك إذ حنين قيودا
والمشرفية لن تبيد صقالهامثل الكواكب يتّقدن وقودا
حتى أطرن جماجما مكنونةتحت المغافر فانكفأن سجودا

كان عبد الرحمن يدعو إلى أبي جعفر المنصور، حتى دخل الأندلس عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، ووافى عبد الرحمن فآواه وعززه وكرم مثواه، فلما حضر له الجمعة وسمع الدعاء لأبي جعفر المنصور أنكره، وقال: إن من الحكم جهلا، وأي هوادة بيننا وبين هؤلاء عدوا علينا فلم يرقبوا إلا ولا ذمة، واستحلوا منا كلّ حرمة، وأخرجونا من أرض الله الواسعة فألجأوا فلّنا إلى هذه القاصية الشاسعة، ثم ها نحن الآن نسايرهم فيها ونمد لهم خيط باطلهم بالدعاء لهم، أعطي الله عهدا، لئن لم تحول الدعوة لهم إلى البراءة منهم، لأنقلبن على وجهي مبادرا في هذه الأرض العريضة، وقد كان من هوى عبد الرحمن الداخل، إلا أنه آثر الأناة إلى أن استضاء برأي ابن عمه، فترك الخطبة لأبي جعفر وتفرد بالدعاء لنفسه، وذلك بعد سنة من دخوله الأندلس.

ثم شرع في تعظيم قرطبة، فجدد مغانيها وشيد مبانيها، وحصّنها بالسور حتى أشرف بناؤه، وابتنى بها قصر الإمارة والمسجد الجامع، وكان سلف المسلمين قد اقتصروا عند افتتاحهم لقرطبة، حتى اتخاذهم مسجدهم الجامع، فيما خصهم من سطر الكنيسة العظمى بها المعروفة بشنت، بحيث كما كان بدمشق، ودام الأمر على هذا تهالك الولاة بالأندلس على الإمارة، وهويهم في ضلال الشحناء إلى أن جمع شتاتهم عبد الرحمن الداخل، وسمت نفسه إلى ما تسمو إليه أنفس الخلفاء، فصالح النصارى على شطرهم بمواضع مما كان أخذ

بالعنوة من كنائسهم، وذلك سنة تسع وستين ومائة، ثم لما وسع قناءه، ووسع بناءه، تخطى بنظره إلى مساجد الكور بالأندلس، ثم ابتنى منية الرصافة متنزها له، تشبها [ص] بجده هشام، واتخذها قصرا حسنا، ودحا بها جنانا واسعة، نقل إليها غرائب الغراس وأكارم الشجر، من كل ناحية مما أتت به رسله من الشام، فمثلت أشجارا معتمة أثمرت بغرائب الفواكه، وعجائب الثمرات، ورأى أول ما نزل هذه الرصافة نخلة فذة ذكرته باغترابها غربته، وبنأيها عن أشباهها أحبته، فقال:

تبدّت لنا وسط الرصافة نخلةتناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فقلت شبيهي في التغرب والنّوىوطول انثنائي عن بنيّ وعن أهلي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
نشأت بأرض أنت فيها غريبةفمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
سقتك غوادي المزن من صوبها الذييسحّ ويستمري السماكين بالوبل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

وحكى صاحب المقتبس ما معناه: أن عبد الرحمن الداخل في سنة ثلاث وستين ومائة، أشاع الرحيل إلى الشام لانتزاعها من يد الدولة العباسية وإدراك ثأره، وذكر أن كتب جماعة ممن بها من أهل بيته ومواليه وشيعته، توالت عليه بضعف المسوّدة، وفتور فورتهم، ونقل ذلتهم على الناس، فعمل على أن يستخلف ابنه سليمان الأندلس في طائفة، ويذهب بعامة من أطاعه وكمل من ضروب المماليك أربعين ألفا، فاخترم دون ذلك.

وتوفي يوم الثلاثاء لستة بقين من ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر، ومولده قريب تدمر من الشام سنة ثلاث عشرة ومائة، ولبث من يوم بويع إلى أن مات ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، ودفن في القصر، وصلى عليه ابنه عبد الله بن عبد الرحمن المولود ببلنسية، وكان يقال له صقر قريش، وكان أصهب خفيف العارضين، بوجهه خال، طويل القامة، نحيف الجسم، له ضفيرتان. وحكى الحافظ أنه كان أخشم، لا يشم رائحة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.