من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وفي سنة تسع وخمسين وخمس مئة
سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا مقدمهم أسد الدين شير كوه بن شاذي إلى الديار المصرية ومعهم شاور، وكان قد سار من مصر هاربا من ضرغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده وبذل له ثلث أموال مصر بعد رزق جندها إن أعاده إلى الوزارة، فوصل شيركوه إلى مصر، وهزم عسكر ضرغام [وقتل ضرغام] عند قبر السيدة نفيسة، وأعاد شاورا إلى وزارته، وكان مسير أسد الدين في جمادى الأولى لهذه السنة، واستقر شاور في الوزارة، وخرجت إليه الخلع في مستهل رجب هذه السنة، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار أسد الدين واستولى على بلبيس والشرقية، فأرسل شاور يستنجد بالفرنج ليخرجوا أسد الدين شيركوه من البلاد، فسار الفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر، وحصروا شير كوه ببلبيس، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وبلغ الفرنج حركة نور الدين وأخذ حارم فراسلوا شير كوه في الصلح، وفتحوا له فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر، ووصلوا إلى الشام سالمين.
وفيها، في شهر رمضان فتح نور الدين محمود قلعة حارم وأخذها من الفرنج بعد مصافّ جرى بينه وبين الفرنج، فانتصر نور الدين وقتل وأسر من الفرنج عالما
كثيرا، وكان في جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، وغنم منهم المسلمون شيئا كثيرا.
وفيها في ذي الحجة، سار نور الدين وفتح بانياس وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين [وخمس مئة] إلى هذه السنة.
وفيها، توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في شعبان مقبوضا عليه، وكان قد قبض عليه قطب الدين في سنة ثمان وخمسين [وخمس مئة]. وكان قد تعاهد جمال الدين المذكور وأسد الدين شيركوه أنه من مات منهما قبل الآخر ينقله الآخر إلى مدينة الرسول ﷺ فيدفنه بها، فنقله شيركوه، وقد ذكرنا طرفا من أخباره مع الوزراء.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع