من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
وفي سنة أربع وثمانين وخمس مئة
شتّى السلطان في عكّا، وسار بمن معه إلى كوكب وجعل على حصارها الأمير قيماز النجمي، وسار منها في ربيع الأول ودخل دمشق وفرح الناس
بقدومه، وكتب إلى الأطراف باجتماع العساكر، وأقام في دمشق خمسة أيام، وسار منها في ربيع الأول من السنة ونزل على بحيرة قدس غربي حمص وأتته العساكر بها، فأولهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب سنجار ونصيبين، ولما تكاملت العساكر رحل ونزل تحت حصن الأكراد وشن الغارات على بلاد الفرنج، وسار من حصن الأكراد فنزل على انطرطوس سادس جمادى الأولى [فوجد الفرنج قد أخلوا انطرطوس، فسار إلى مرقيّة
فوجدهم قد أخلوها أيضا، فسار إلى تحت المرقب وهو للاسبتار فوجده لا يرام، ولا لأحد فيه مطمع، فسار إلى جبلة ووصل إليها ثامن جمادى الأولى]، وتسلمها ساعة وصوله، فجعل لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية
صاحب شيزز، ثم سار السلطان إلى اللاذقية ووصل إليها رابع عشري جمادى الأولى ولها قلعتان فحصر القلعتين وزحف إليها فطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلم القلعتين، ولما تسلمهما سلمهما إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [فعمرها وحصن قلعتيها]، وكان تقي الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها كما فعل بقلعة حماة.
ثم رحل السلطان عن اللاذقية سابع عشري جمادى الأولى إلى صهيون
وحاصرها وضايقها وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يؤدون، فأجابوا إلى ذلك وتسلم السلطان قلعة صّثيون وسلمها إلى أمير من أصحابه يقال له ناصر الدين منكورس صاحب قلعة أبي قبيس، ثم فرق عساكره في تلك الجبال فملكوا حصن بلاطنس، وكان الفرنج الذين به قد هربوا وأخلوه، وملكوا حصن [العيذو] وحصن هونين.
ثم سار السلطان عن صهيون [ثالث] جمادى الآخرة، ووصل إلى قلعة بكاس فأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشّغر فحاصرها السلطان ووجدها منيعة وضايقها فأرمى اللّه في قلوبهم الرعب وطلبوا الأمان، وتسلمها يوم الجمعة [سادس عشر] جمادى الآخرة، وأرسل السلطان ولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب فحصر [سرمينية] وضايقها واستنزل أهلها على قطيعة قررها
عليهم وهدم الحصن وعفى أثره، وكان في هذه وفي جميع الحصون المذكورة من [أسرى] المسلمين الجم الغفير فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة.
ثم سار السلطان من الشّغر إلى برزية ورتب عسكره ثلاث فرق وداومها بالزحف وملكها باليف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة وسبى وقتل من أهلها غالبهم، قال ابن الأثير في "الكامل":
كنت مع السلطان في فتحه لهذه البلاد طلبا للغزاة فنحكي ذلك عن مشاهدة.
ثم سار السلطان ونزل على جسر الحديد وهو على العاصي بقرب أنطاكية، فأقام عليه أياما حتى تلاحق به من تأخر من العسكر.
ثم سار إلى دربساك ونزل عليها ثامن رجب هذه السنة، وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان على شرط أن لا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط، وتسلمها تاسع عشر رجب.
ثم سار إلى بغراس وحصرها وتسلمها بالأمان على حكم أمان دربساك، وأرسل بينمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح وبذل إطلاق كل أسير عنده فأجيب إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر، وكان صاحب أنطاكية [حينئذ أعظم ملوك الفرنج في هذه البلاد، فإن أهل
طرابلس سلموا إليه طرابلس بعد موت القومص صاحبها على ما ذكرناه فجعل بينمد صاحب أنطاكية] ابنه في طرابلس.
ولما فرغ السلطان من أمر هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ودخلها ثالث شعبان، وسار منها إلى دمشق وأعطى عماد الدين زنكي <بن مودود> دستورا وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية، وجعل طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره، وزار الشيخ أبا زكريا المغربى
وكان مقيما هناك وكان من عباد اللّه الصلحاء وله كرامات ظاهرة وكان مع السلطان الأمير أبو فليتة قاسم بن مهنا الحسيني صاحب مدينة الرسول ﷺ وشهد معه مشاهده وفتوحاته، وكان السلطان يتبرك برؤيته ويتيمن بصحبته، ويرجع إلى قوله، ودخل السلطان دمشق في [شهر]
رمضان، فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فقال السلطان:
العمر قصير والأجل غير مأمون، وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحصرها وخلى أخاه العادل بتلك الجهات فباشر ذلك، فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسليمها فسلّموها وهي: الكرك والشّوبك وما بتلك الجهة من البلاد.
ثم سار السلطان من دمشق المحروسة في منتصف رمضان إلى صفد
وحصرها وتسلمها بالأمان.
ثم سار إلى كوكب وعليها قيماز النّجمي يحاصرها فضايقها السلطان وتسلمها بالأمان في منتصف ذي القعدة وسير أهلها إلى صور، وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين، ظهر ذلك فيما بعد.
ثم سار السلطان إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى، ثم سار إلى عكّا فأقام بها حتى انسلخت السنة.
وفيها، أرسل قزل بن إلدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن السلطان ملك شاه السّلجوقي ويحذره عاقبة طغريل، فأرسل الخليفة عسكرا إلى طغريل، والتقوا ثامن ربيع الأول هذه السنة قرب همذان، فانهزم عسكر الخليفة فغنم طغريل أموالهم وأسر مقدمهم الوزير جلال الدين.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع