تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

وفي سنة ثلاثين وست مئة

رجع الملك الكامل من البلاد الشرقية بعد ترتيب أمورها، ورجع إلى ديار مصر، ورجع كل ملك إلى بلده.

وفيها استولى الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب على شيزر

وكانت بيد شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين عثمان بن الداية، وكان سابق الدين وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي، ثم اعتقل الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد لسابق الدين عثمان بن الداية وشمس الدين وأخيه فأنكر السلطان صلاح الدين عليه ذلك، وجعله حجة لقصد الشام وانتزاعه من الملك الصالح، فاتصل أولاد الداية بخدمة صلاح الدين وصاروا من أكابر أمرائه، وكانت شيزر إقطاعا لسابق الدين المذكور فأقره صلاح الدين عليها وزاده أبا قبيس لما قتل صاحبها خماردكين، ثم ملك شيزر بعده ولده مسعود بن عثمان، حتى مات، وصارت لولده شهاب الدين يوسف المذكور إلى هذه السنة، فسار الملك العزيز صاحب حلب بأمر الملك الكامل وحاصر شيزر، وقدم عليه وهو على شيزر الملك المظفر صاحب حماة مساعدا، فسلم شهاب الدين يوسف شيزر إلى الملك العزيز ونزل إلى خدمته فتسلمها في هذه السنة، وهنأ يحيى بن خالد القيسراني الملك العزيز بقوله: <البسيط>

يا مالكا عمّ أهل الأرض نائلهوخصّ إحسانه الداني مع القاصي
لما رأت شيزر آيات نصرك فيأرجائها ألقت العاصي إلى العاصي

ثم ولى الملك العزيز على شيزر، وأحسن إلى الملك المظفر صاحب حماة، ورحل كل منهما إلى بلده.

وفيها استأذن الملك المظفر صاحب حماة الملك الكامل في انتزاع بارين من أخيه الناصر قليج أرسلان لأنه خشي أن يسلمها إلى الفرنج لضعف قليج أرسلان عن مقاومتهم، فأذن له الكامل في ذلك، فسار الملك المظفر من حماة وحاصر بارين وانتزعها من أخيه قليج أرسلان بن المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ولما نزل قليج أرسلان إلى أخيه الملك المظفر أحسن إليه وسأله في الإقامة عنده بحماه، فامتنع وسار إلى مصر فبذل له الكامل إقطاعا جليلا، وأطلق له أملاك جده بدمشق، ثم بدا منه ما لا يليق من الكلام، فاعتقله الملك الكامل إلى أن مات قليج أرسلان في الحبس سنة خمس وثلاثين وست مئة قبل موت الكامل بأيام.

وفيها توفي مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين بن علي بن كوجك وقد تقدم ذكر ملكه إربل بعد موت أخيه زين الدين في سنة ست وثمانين وخمس مئة لما كان في خدمة السلطان صلاح الدين في الجهاد بالساحل فبقي مالكا لها من تلك السنة إلى هذه السنة، ولما مات مظفر الدين المذكور لم يكن له ولد فأوصى بإربل وبلادها للخليفة المستنصر، فتسلمها الخليفة بعد موت مظفر الدين.

وكان مظفر الدين شجاعا عسوفا في استخراج أموال الرعية، وكان يحتفل بمولد النبي ﷺ وينفق فيه الأموال الجليلة.

وفي هذه السنة وقع من كيقباذ بن كيخسرو ملك الروم التعرض إلى بلاد أخلاط فرحل الملك الكامل بعساكره من مصر، واجتمعت عليه الملوك من أهل

بيته، ونزل شمالي سلميّة في شهر رمضان هذه السنة، ثم سار بجموعه ونزل على النهر الأزرق في حدود بلد الروم وقد ضرب في عسكره ستة عشر دهليزا لستة عشر ملكا في خدمته منهم إخوته الملك الأشرف موسى صاحب دمشق، والمظفر غازي صاحب ميّافارقين، والحافظ أرسلان شاه صاحب قلعة جعبر، والصالح إسماعيل أولاد الملك العادل، والملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين، كان قد أرسله ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب مقدما على عسكر حلب إلى خدمة السلطان الملك الكامل، والملك الزاهر داود ابن السلطان صلاح الدين صاحب البيرة، وأخوه الملك [المفضل] موسى صاحب سميصات، وكان قد ملك سميصات بعد أخيه الملك الأفضل علي، والملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة، والملك الصالح أحمد بن الظاهر صاحب عين تاب، والملك الناصر داود صاحب الكرك بن الملك المعظم عيسى بن العادل، والملك المجاهد شير كوه صاحب حمص ابن محمد بن شير كوه وكان قد حفظ كيقباذ ملك الروم الدربندات وشحنها بالمقاتلة فلم يتمكن السلطان من دخول بلاد الروم من جهة النهر الأزرق، وأرسل بعض العسكر إلى حصن منصور، وهو من بلاد كيقباذ فهدموه، ورحل السلطان وقطع الفرات إلى السويداء وقدم جاليشه تقدير ألفي وخمس مئة فارس مع الملك المظفر صاحب

حماة، فسار المظفر بهم إلى خرتبرت، وسار كيقباذ إليهم واقتتلوا فانهزم العسكر الكاملي وانحصر المظفر في خرتبرت مع جملة من العسكر، وجدّ كيقباذ في حصارهم والملك الكامل في السويداء وقد أحسّ من الملوك الذين في خدمته بالمخامرة والتقاعد، فإن شيركوه صاحب حمص سعى إليهم، وقال: إن السلطان ذكر أنه متى ملك البلاد الرومية فرقها على ملوك أهل بيته عوضا عما بأيديهم من الشام، ويأخذ الشام جميعه وينفرد بملكه وملك مصر، فتقاعدوا عن القتال، وفسدت نياتهم وعلم الملك الكامل بذلك فما أمكنه التحرك إلى قتال كيقباذ، فنزل إليه الملك المظفر فأكرمه كيقباذ وخلع عليه وتسلم كيقباذ خرت برت من صاحبها وكان من الأرتقية قرايب أصحاب ماردين، وكان قد دخل في طاعة الملك الكامل، وصارت خرت برت من بلاد كيقباذ، وكان نزول المظفر صاحب حماة من خرت برت يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة، ووصل بمن معه إلى الملك الكامل وهو بالسويداء من بلاد آمد، ففرح به وقوّى نفرة الملك الكامل يومئذ من الناصر داود صاحب الكرك فألزمه بطلاق بنته، فطلقها الناصر داود، وأثبت الملك الكامل طلاقها منه.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.