من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
ولاة الأندلس
وما زالت الولاة بالأندلس أيام بنى أمية تليها من قبلهم ومن قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر؛ فلما اضطرب أمر بنى أمية في سنة ست وعشرين ومائة بقتل الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، واشتغلوا عن مراعاة أقاصى البلاد، وقع الاضطراب بإفريقية، والاختلاف بالأندلس أيضاً من القبائل، ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشى يجمع الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطب، ففعلوا، وقدموا يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى أميرا، فسكنت به الأمور، واتفقت عليه القلوب، واتصلت إمارته إلى سنة ثمان وثلاثين بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين؛ وكان ذهاب دولتهم جملة بقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في بعض نواحى الفيوم من أعمال مصر، في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة بعد بيعة أبي العباس السفاح بتسعة أشهر.
وكان ممن هرب إلى الأندلس من بني أمية عبد الرحمن بن معاوية، ونحن نذكر تاريخ وصوله إليها، وسبب ولايته عليها ومن وليها بعده من أولاده وغيرهم، إلى آخر ما عندنا، ثم نذكر ما بعد ذلك على ما شرطناه إن شاء الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله تعالى وجل.
أول أمراء بنى أمية بالأندلس عبد الرحمن، بن معاوية بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، يكنى أبا المطرف، مولده بالشام سنة ثلاث عشرة ومائة، وأمه أم ولد اسمها راح؛ هرب لما ظهرت دولة بنى
العباس، ولم يزل مستتراً إلى أن دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة في زمن أبي جعفر المنصور، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف ابن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس فهزمه، واستولى عبد الرحمن على قرطبة يوم الأضحى من العام المذكور، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. كذا قال لنا أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الفقيه: يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة. ورأيت في غير موضع يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبدة، فالله أعلم.
وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قضاته: معاوية بن طليح الحضرمى الحمصى. وله أدب وشعر.
ومما أنشدونا له يتشوق إلى معاهده بالشام قوله:
أيها الراكب الميمم أرضىأقر من بعضى السلام لبعضى
إن جسمي، كما علمت، بأرضوفؤادى ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقناوطوى البين عن جفوتى غمضى
قد قضى الله بالفراق علينافعسى باجتماعنا سوف يقضى
؟ ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن ثم ولى بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يكنى أبا الوليد، وسنه حينئذ ثلاثون سنة، فاتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ثمانين ومائة؛ وكان حسن السيرة متحيزاً للعدل، يعود المرضى ويشهد الجنائز، أمه حوراء.
ولاية الحكم بن هشام: ثم ولى بعده ابنه الحكم، وله اثنتان وعشرون سنة، يكنى أبا العاص، أمه أم ولد اسمها زخرف؛ وكان طاغياً مسرفاً، وله آثار سوء قبيحة، وهو الذي أوقع بأهل الربض الوقعة المشهورة فقتلهم، وهدم ديارهم ومساجدهم؛ وكان الربض محلة متصلة بقصره، فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك، فسمى الحكم الربضى لذلك؛ واتصلت ولايته إلى أن مات في آخر ذي الحجة سنة ست ومائتين.
ولاية عبد الرحمن بن الحكم: ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن، يكنى أبا المطرف، وله ثلاثون سنة، وأمه أم ولد اسمها حلاوة، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتبن؛ وكان وادعاً محمود السيرة.
ولاية المنذر بن محمد: ثم ولى بعده ابنه المنذر بن محمد، ويكنى أبا الحكم. وأمه أم ولد اسمها أثل، وكان مولده في سنة تسع وعشرين ومائتين، فاتصلب ولايته سنتين غير خمسة عشر يوماً، ومات وهو على قلعة يقال لها بباشتر محاصراً لعمر بن حفصون:
خارجي قام هناك وتحصن. وكان موته في سنة خمس وسبعين ومائتين؛ وقد انقرض عقب المنذر.
ولاية عبد الله بن محمد: فولى بعده أخوه عبد الله بن محمد، وكان مولده سنة ثلاثين ومائتين؛ يكنى أبا محمد. أمه أم ولد اسمها عشار، طال عمرها إلى أن ماتت قبل موته بسنة وشهر؛ وكان وادعاً لا يشرب الخمر، وفي أيامه امتلأت الأندلس بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، فلم يزل كذلك طول ولايته إلى أن مات مستهل ربيع الأول سنة ثلاث مائة.
ولاية علي بن حمود الناصر: تسمى بالخلافة، وتلقب بالناصر، ثم خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه وقدموا عبد الرحمن، بن محمد، بن عبد الملك، بن عبد الرحمن الناصر، وسموه المرتضى، وزحفوا إلى أغرناطة من البلاد التي تغلب عليها البربر، ثم ندموا على إقامته لما رأوا من صرامته، وخافوا عواقب تمكنه وقدرته، فانهزموا عنه، ودسوا عليه من قتله غيلة، وخفى أمره، وبقي علي بن حمود بقرطبة مستمر ألا مر، عامين غير شهرين، إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة ثمان وأربع مائة. وكان له من الولد، يحيى، وإدريس.
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع