من «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» لأبي عبد الله الحميدي (ت ٤٨٨هـ)
ولاية الحكم المستنصر
ثم ولى بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ويلقب بالمستنصر بالله، وله إذ ولى سبع وأربعون سنة، يكنى أبا العاص؛ أمه أم ولد اسمها مرجان، وكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم، محباً لها، مكرما لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله هنالك؛ وذلك بإرساله عنها إلى الأقطار، واشترائه لها بأغلى الأثمان، ونفق ذلك عليه فحمل إليه، وكان قد رام قطع الخمر من الاندلس وأمر بإراقتها وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله، فقيل له إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك. وفي أمره بإراقة الخمور في سائر الجهات يقول أبو عمر يوسف بن هارون الكندي قصيدته المشهورة فيها، متوجعاً لشاربها، وإنما أوردناها تحقيقاً لما ذكرنا عنه من ذلك، وهي قوله:
بخطب الشاربين يضيق صدريوترمضني بليتهم لعمري
وهل هم غير عشاق أصيبوابفقد حبائب ومنوا بهجر
أعشاق المدامة إن جزعتملفرقتها فليس مكان صبر
سعى طلابكم حتى أريقتدماء فوق وجه الأرض تجرى
تضوع عرفها شرقاً وغرباًوطبق أفق قرطبة بعطر
فقل للمسفحين لها بسفحوما سكنته من ظرف بكسر
وللأبواب إحراقاً إلى أنتركتم أهلها سكان قفر
تحريتم بذاك العدل فيهابزعمكم فإن يك عن تحري
فإن أبا حنيفة وهو عدلوفر عن القضاء مسير شهر
فقيه لا يدانيه فقيهإذا جاء القياس أتى بدر
وكان من الصلاة طويل ليليقطعه بلا تغميض شفر
وكان له من الشراب جاريواصل مغرباً فيها بفجر
وكان إذا انتشى غنى بصوت المضاع بسجنه من آل عمرو
أضاعوني وأي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
فغيب صوت ذاك الجار سجنولم يكن الفقيه بذاك يدرى
فقال، وقد مضى ليل وثانولم يسمعه غنى: ليت شعري!
أجاري المؤنسى ليلاً غناءلخير قطع ذلك ام لشر
فقالوا إنه في سجن عيسىأتاه به المحارس وهو يسرى
فنادى بالطويلة وهي ممايكون برأسه لجليل أمر
ويمم جاره عيسى بن موسىفلاقاه بإكرام وبر
وقال: أحاجة عرضت فإنيلقاضيها ومتبعها بشكر
فقال: سجنت لي جاراً يسمىبعمر وقال: يطلق كل عمرو
بسجنى حين وافقه اسم جار الفقيه ولو سجنتهم بوتر
فأطلقهم له عيسى جميعاًلجار لايبيت بغير سكر
فإن أحببت قل لجوار جاروإن أحببت قل لطلاب أجر
فإن أبا حنيفة لم يؤب منتطلبه تخلصه بوزر
نواقعها من أجل النهي سراوكم نهى نواقعه بجهر
وقد وقع لنا معنى هذا الخبر الذي نظمه يوسف بن هارون عن أبي حنيفة بإسناد؛ حدثناه الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ، قراءة علينا بدمشق من كتابه قال: أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: نا أبو الليث نصر بن محمد الزاهد البخاري قدم علينا، قال: نا محمد بن محمد بن سهل النيسابوري، قال: نا أبو أحمد بن محمد بن أحمد الشعيبي، قال: نا أسد بن نوح، قال: نا محمد بن عباد، قال:
نا القاسم بن غسان، قال: أخبرني أبي قال: أخبرني عبد الله بن رجاء الغداني، قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه، أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت وهو يقول:
أضاعوني واي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل يوم، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلة واستأذن على الأمير، قال الأمير: ائذنوا له، وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى؟ أضعناك؟ فقال: لا. بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار، ورعاية الحق؛ وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان.
وكان الحكم المستنصر مواصلاً لغزو الروم، ومن خالفه من المحاربين، فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ست وستين وثلاث مائة؛ وقد انقرض عقبه.
؟؟
النص من طبعة الدار المصرية للتأليف والنشر بالقاهرة (١٩٦٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع