تجاوز إلى المحتوى

من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)

ولاية الحكم المستنصر

ثم ولي بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ويلقب بالمستنصر بالله، وله إذ ولي سبع وأربعون سنة، يكنى أبا العاص، أمه أم ولد اسمها [مرجان] وكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم، محباً لها، مكرماً لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله هنالك، بإرساله عنها إلى الأقطار، واشترائه لها بأغلى الأثمان، ونفق ذلك عليه، فحمل إليه، وكان قد رام قطع الخمر من الأندلس، وأمر بإراقتها، وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله فقيل له: إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك.

وفي أمره بإراقة الخمور في سائر الجهات يقول أبو عمر يوسف بن هارون الكندي قصيدته المشهورة فيها، متوجعاً لشاربها، وإنما أوردناها تحقيقاً لما ذكرنا عنه من ذلك، وهي قوله:

بخطب الشاربين يضيق صدريوترمضني بليتهم لعمري
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وهل هم غير عشاق أصيبوابفقد حبائب ومنوا بهجر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
أعشاق المدام لئن جزعتملفرقتها فليس مكان صبر
سعى طلابكم حتى أريقتدماء فوق وجه الأرض تجري
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
تضوع عرفها شرقاً وغرباًفطبق أفق قرطبة بعطر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فقل للمسفحين لها بسفحوما سكنته من ظرف بكسر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وللأبواب إحراقاً إلى أنتركتم أهلها سكان قفر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
تحريتم بذاك العدل فيهابزعمكمو فلم يك عن تحر
فإن أبا حنيفة وهو عدلوقر عن القضاء مسير شهر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فقيه لا يدانيه فقيهإذا جاء القياس أتى بدر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وكان من الصلاة طويل ليليقطعه بلا تغميض شفر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وكان له من الشراب جاريواصل مغرباً فيها بفجر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وكان إذا انتشى غنى بصوت المضاع بسجنه من آل عمرو
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
أضاعوني وأي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»
فغيب صوت ذاك الجار سجنولم يكن الفقيه بذاك يدري
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فقال وقد مضى ليل وثانولم يسمعه غنى "ليت شعري"
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
أجاري المؤنسى ليلاً غناءلخير قطع ذلك أم لشر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فقالوا إنه في شجن عيسىأتاه به المحارس وهو يسرى
فنادى بالطويلة وهي ممايكون برأسه لجليل أمر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
ويمم جاره عيسى بن موسىولاقاه بإكرام وبر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
وقال: أحاجة عرضت فإنيلقاضيها ومتبعها بشكر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فقال: سجنت لي جاراً يسمىبعمرو قال: يطلق كل عمرو
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
بسجنى حين وافقه اسم جار الفقيه ولو سجنتهم لو تر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فأطلعهم له عيسى جميعاًلجار لا يبيت بغير سكر
فإن أحببت قل لجوار جاروإن أحببت قل لطلاب أجر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
فإن أبا حنيفة لم يؤب منتطلبه تخلصه بوزر
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
نوافعها من أجل النهى سراًوكم نهى نواقعه بجهر

وقد وقع لنا معنى هذا الخير الذي نظمه يوسف بن هارون عن أبي حنيفة بإسناد حدثنا الخطيب أبو بكر بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ قراءة علينا بدمشق من كتابه قال: أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: أخبرنا أبو الليث نصر بن محمد الزاهد النجاري، قدم علينا قال: أخبرنا محمد بن محمد بن سهل النيسابوري قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد الشعبي قال: أخبرنا أسد بن نوح قال: أخبرنا محمد بن عباد قال: أخبرنا القاسم بن غسان قال: أخبرنا عبد الله بن رجاء الغداني قال:

كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكافي يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحم فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه تغزل بصوت وهو يقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم.

وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل يوم، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس.

فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلة واستأذن على الأمير، فقال الأمير: انزلوا له وأقبلوا به راكباً، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعلوا، فلم يزل الأمير يوسع له في محله وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته فقال: نعم وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى،

أضعناك؟ فقال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان.

وكان الحكم المستنصر مواصلاً لغزو الروم، ومن خالفه من المحاربين فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد انقرض عقبه].

النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ولاة الأندلس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.