تجاوز إلى المحتوى

من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)

أحمد بن محمد بن دراج أبو عمر الكاتب المعروف بالقسطلي

ودراج كان كاتباً من كتاب الإنشاء في أيام المنصور أبي عامر وهو معدود في جملة العلماء والمقدمين من الشعراء المذكورين من البلغاء، وشعره كثير مجموع يدل على علمه، وله طريقة في البلاغة والرسائل فدل على اتساعه وقوته. وأول ما مدح من الملوك، فالمنصور أبو عامر بن أبي عامر مدبر دولة هشام المؤيد وأول شعر مدحه به فقوله يعارض أبا العلاء صاعد بن الحسن اللغوي بقصيدة أولها:

أضاء لها فجر النهى فنهاهاعن المدنف المضني بحر هواها
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «أضاء لها فجر النهى فنهاها»
[وضللها صبح جلا ليلة الدجىوقد كان يهديها إلى دجاها]
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «أضاء لها فجر النهى فنهاها»

وهي طويلة مستحسنة فساء الظن بجودة ما أتى به من الشعر، واتهم فيه وكان للشعراء في أيام المنصور أبي عامر ديوان يرزقون منه على مراتبهم ولا يخلون بالخدمة بالشعر في مظانها، فسعى به إلى المنصور وأنه منتحل سارق لا يستحق أن يثبت في ديوان العطاء فاستحضره المنصور عشي يوم الخميس لثلاث خلون من شوال سنة اثنتين وثمانية وثلاثمائة واختبره واقترح عليه فبرز وسبق وزالت التهمة عنه فوصله بمائة دينار، وأجرى عليه الرزق وأثبته في جملة الشعراء.

ثم لم يزل يشهر ويجود شعره فيما بعد وفى ذلك المجلس بين يدي المنصور أبي عامر قال القصيدة المشهورة التي أولها:

حسبي رضاك من الدهر الذي عتباوعطف نعماك للحظ الذي انقلبا

وهي طويلة حسنة كرر فيها المعنى الذي استحضر من أجله وتكذيب الدعوى التي قرب بها، ومنها:

ولست أول من أعيت بدايتهفاستدعيت القول ممن ظن أو حسبا
إن امرأ القيس في بعض لمتهموفي يديه لواء الشعر إن ركبا
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا»
والشعر قد أسر الأعشى وقيدهدهراً وقد قيل والأعشى إذا سرنا
وكيف أظما وبحري زاخر وظماإلى خيال من الضحضاح قد نضبا
فإن نأي الشك عني أو فها أنذامهيأ لجلي الخبر مرتقبا
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا»
عبد لنعماك في فكيه نجم هدىسار بمدحك يجلو الشك والريبا
إن شئت أملي بديع الشعر أو كتباأو شئت خاطب بالمنثور أو خطبا
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا»
كروضة الحزن أهدى الوشى منظرهاوالماء والزهر والأنوار والعشبا
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «حسبي رضاك من الدهر الذي عتبا»
أو سباق الخيل أعطى الحضر متئداًوالشد والكر والتقريب والخبا

وأكثر ما حكينا في هذا، فعن جماعة من أشياخي عن شريح بن محمد عن أبي محمد بن حزم وأخبر أبو محمد أن المنصور أبا عامر لما فتح شنت ياق أو غيرها من القلاع الحصينة التي يقال إن أحداً لم يصل إليها قبله استدعى أبو عمر أحمد بن محمد ابن دراج وأبو مروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الحريزي [وأمر بإنشاء] كتب الفتح إلى الحضرة وإلى [سائر] الأعمال فأما ابن الحريزي فقال سمعاً وطاعة، وأما عمر بن دراج فقال: لا [يتم لي في أقل من يومين أو ثلاثة وكان معروفاً] بالتنقيح والتجويد والتؤدة فخرج الأمر إلى ابن الحريزي بالشروع في ذلك فجلس في ظل السرادق، ولم يبرح حتى أكمل الكتب في ذلك.

وقيل لابن دراج: افعل ذلك على اختيارك فقد فسح لك فيه، ثم جاء بعد ذلك بنسخة الفتح وقد وصف الغزاة من أولها إلى آخرها ومشاهدة القتال وكيفية الحال بأحسن وصف وأبدع رصف، واستحسنت ووقع الإعجاب بها، ولم تزل منقولة متداولة إلى الآن وما بقي من نسخ ابن الحريزي في ذلك الفتح على كثرتها عين ولا أثر.

ومن مذهبات شعره في ذي الرياستين منذر بن يحيى صاحب سرقسطة قصيدة طويلة أولها:

قل للربيع اسحب ملاء سحائبيواجرر ذيولك في مجر ذوائبي
لا تكذبن ومن ورائك أدمعيمدداً إليك بفيض دمع ساكب
وامزج بطيب تنحيني غدق الحياواجعله سقى أحبتي وحبائبي
واجنح لقرطبة فعانق تربهاعني بمثل جوانحي وترائبي
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «قل للربيع اسحب ملاء سحائب»
وانشر على تلك الأباطح والربىزهراً يخير عنك أنك كاتبي

ووجه إليه بعض الأدباء بأبيات لغز سأله أن يفسرها فلم يتعب خاطره فيها وكتب على ظهر الرقعة بديها:

إذا شذت عن العرب المعانيفليس إلى تعرفها سبيل
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «إذا شذت عن العرب المعاني»
وما يحويه هذا الدهر ناءوأبعد من شبا فكر يجول
وربتما بطول الفكر بدريولكن عاجل الفكر الرسول

وله في منذر بن يحيى المذكور:

يا عاكفين على المدام تنبهواوسلوا لساني عن مكارم منذر
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «يا عاكفين على المدام تنبهوا»
ملك لو استوهبت حبة قلبهكرماً لجاد بها ولم يتعذر
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «يا عاكفين على المدام تنبهوا»

قال أبو محمد بن حزم وكان عالماً بنقد الشعر لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد، وقال مرة أخرى: لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن شأو حبيب والمتنبي. مات ابن دراج قريباً من العشرين وأربعمائة.

النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسمه أحمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.