من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)
أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أبو عمر
من أهل العلم والأدب والشعر. وله الكتاب الكبير المسمى كتاب "العقد" في الأخيار وهو مقسم على معان وقد سمي كل قسم منها باسم من أسماء نظام العقد كالواسطة ونحوها، وشعره كثير مجموع.
قال الحميدي رأيت منه نيفاً وعشرين جزءاً من جملة ما جمع للحكم بن عبد الرحمن الناصر.
وفي بعضها بخطه توفى أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى ومولده سنة ست وأربعين ومائتين لعشر خلون من شهر رمضان، وتوفى [عن] إحدى وسبعين سنة، وثمانية أشهر، وثمانية أيام، مدح الأمير محمداً، والمنذر، وعبد الله الناصر.
قال الحميدي: هذا آخر ما رأيت بخط الحكم المستنصر، وخطه حجة عند أهل العلم وعندنا لأنه كان عالماً ثبتاً، وكان لأبي عمر بالعلم جلالة وبالأدب رياسة وأثرى بعد فقر، وأشير إليه بالتفصيل إلا أنه غلب الشعر عليه.
أنشد له أبو محمد بن حزم، وأخبر أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها فأتت السماء في تلك الغداة
بمطر حال بينه وبين الرحيل فكتب إليه أبو عمر:
هلا ابتكرت لبين أنت مبتكرهيهات يأبى عليك الله والقدر
[ما زلت أبكي حذار البين ملتهفاًحتى رثى لي فيك الريح والمطر]
يا برده من حيا مزن على كبدنيرانها بعليل الشوق تستعر
آليت أن لا [أرى] شمساً ولا قمراًحتى أراك فأنت الشمس والقمر
ومن شعره السائر:
الجسم في بلد والروح في بلدإن تبك عيناك لي يا من كلفت به
يا وحشة الروح بل يا غربة الجسدمن رحمة فهماً سهماك في كبدي
وأخبر أبو محمد أيضاً أخبرني بعض الشيوخ: أن أبا عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه وقف تحت روشن لبعض [الوزارة] وقد سمع [غناء حسنا. فرش بماء، ولم يعرف من هو، فمال إلى مسجد قريب من] المكان، فاستدعى بعض ألواح الصبيان وكتب:
يا من يضن بصوت الطائر الغردما كنت أحسب هذا البخل في أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبةأصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
فلا تضن على سمعي تقلدهصوتاً يجول مجال الروح في الجسد
لو كان زرياب حياً مي أسمعهلذاب من حسد أو مات من كمد
أما النبيذ فإني لست أشربهولست آتيك إلا كسرتي بيدي
وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء وله طريق أخذت عنه، وأصوات استفيدت منه، وألفت الكتب بها وعلا عند الملوك هنالك بصناعته وإحسانه فيها علواً مفرطاً، وشهر شهرة ضرب بها المثل في ذلك.
ولأحمد بن محمد بن عبد ربه أشعار كثيرة جداً سماها الممحصات، وذلك أنه نقض كل قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد محصها بها التوبة منها والندم عليها، فمن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة أولاً وهي:
يا عاجزاً ليس يعفو حين يقتدرولا يقضي له من منه عيشه وطر
عاين بقلبك إن العين غافلةعن الحقيقة واعلم أنها سقر
سوداء تسفر عن غيظ إذا سفرتللظالمين فلا تبقى ولا تذر
لو لم تكن لك غير الموت موعظةلكان فيه عن اللذات مزدجر
أنت القول له ما قلت مبتدئاًهلا ابتكرت لبين أنت مبتكر
ومن شعره في طريقة الزهد:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائععليها ولا اللذات إلا مصائب
وكم سخنت بالأمس عين قريروقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرةعلى ذاهب منها فإنك ذاهب
وحدث أبو محمد بن حزم قال: أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي عمر بن عفيف أن سعيد بن القزاز أخبره أن ابن عبد ربه قال هذه الأبيات قبل موته بأحد عشر يوماً وهو آخر شعر قاله وفيه بيان مبلغ سنه:
بليت وأبلتني الليالي وكرها[كلانا لما بي عاذلي كفاني]
كويت زماني برهة وطواني]وصرفان للأيام معتمران
وما لي لا أبالي لسبعين حجةوعشر أتت من بعدها سنتان
فلا تسألاني عن تباريح علتيودونكما منى الذي تريان
وإني بحمد الله راج لفضلهولي من ضمان الله خير ضمان
ولست أبالي من تباريح علتيإذا كان عقلي باقياً ولساني
هما ما هما في كل حال تلم بيفذا صارمي فيها وذاك سناني
النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع