من «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس» لابن عميرة الضبي (ت ٥٩٩هـ)
صاعد بن الحسن الربعي اللغوي أبو العلاء
ورد في المشرق إلى الأندلس في أيام هشام بن الحكم المؤيد وولاية المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر في حدود الثمانين وثلاثمائة، وأظن أصله من ديار الموصل، دخل بغداد وكان عالماً باللغة والآداب والأخبار، سريع الجواب، حسن الشعر، طيب المعاشرة، فكه المجالسة، ممتعاً، فأكرمه المنصور، وزاد في الإحسان إليه، والأفضال عليه وكان من ذلك محسناً للسؤال حاذقاً في استخراج الأموال، طباً بلطائف الشكر، ودخل على المنصور أبي عامر يوماً في مجلس أنس، وقد كان تقدم فاتخذ قميصاً من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ولبسه تحت ثيابه، فما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط فقال له ما هذا؟ فقال له: هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعاراً وبكى، وأتبع ذلك من الشكر منا استوفاه، فأعجب ذلك المنصور، وقال له: لك عندي مزيد، وكان قد حظي عنده بما ألف له من الكتب. ألف له كتاب الفصوص على نحو كتاب "النوادر" لأبي علي القالي وكتاباً آخر على مثال كتاب
الخزرجي أبي السري سهل بن أبي غالب سماه "كتاب الهجفجف بن عدقان بن يثربي مع الخنوت بنت محرمة بن أنف" وكتاباً آخر في معناه سماه "كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء" قال أبو محمد بن علي: وهو كتاب مليح جداً. وكان المنصور بن أبي عامر كثير الشغف بكتاب الجواس حتى رتب له من يخرجه أماه في كل ليلة، وقال: إن أبا العلاء لا يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي الأمر بعده من ولده، وادعى وجعاً لحقه في ساقه لم يزل يتوكأ به على عصى ويعتذر به في التخلف عن الحضور والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم، وفي ذلك يقول في قصيدته المشهورة في المظفر أبي مروان عبد الملك المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وهو الذي ولي بعد أبيه أولها:
إليك حدوت ناجية الركابمحملة أماني كالهضاب
وبعت ملوك أهل الشرق طرابواحدها وسيدها اللباب
وفيها:
إلى الله الشكية من شكاةرست ساقي وجل بها مصاب
وأقصتني عن الملك المرجىوكنت أروم حالي باقتراب
ومما استحسن له قوله فيها:
حسبت المنعمين على البرايافألفيت اسمه صدر الحساب
وما قدمته إلا كأنيأقدم تالياً أم الكتاب
أخبرني غير واحد عن شريح بن محمد، عن أبي محمد بن حزم، أنه سمع أبا العلاء صاعد بن الحسن ينشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في يوم عيد الفطر سنة ست وتسعين وثلاثمائة. قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر، ولما رآني أبو العلاء
استحسنها وأصغى إليها، كتبها إلي بخطه وأنفذها إلي. وكان أبو العلاء كثيراً ما تستغرب له الألفاظ ويسأل عنها فيجيب فيها بأسرع جواب على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد، ولو أن أبا العلاء كان كثير المزاح لما حمل إلا على التصديق وقد ظهر صدقه في بعض ما قال، ومما يحكى عنه أنه دخل على المنصور أبي عامر وفي يده كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه مبرمان بن يزيد يذكر فيه القلب والتربيل وهما عندهم من معاناة الأرض قبل زراعتها، فقال له: أبا العلاء. فقال له: لبيك يا مولانا. قال: هل رأيت فيما وقع إليك من الكتب كتاب القوالب والدوالب لمبرمان بن بريد؟ فقال: أي والله يا مولانا رأيت في بغداد في نسخة لأبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل في جوانبها علامات الوضاع هكذا. فقال له: أما تستحي أبا العلاء من هذا الكذب هذا كتاب عاملنا ببلد كذا وكذا واسمه كذا يذكر فيه كذا للذي تقدم ذكره وإنما صنعت هذا تجربة لك فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق. وقال له المنصور مرة أخرى وقد قدم طبق فيه تمر: ما التمر كل في كلام العرب؟ فقال: يقال تمر كل الرجل يتمر كل تمر كلا إذا التف في كسائه. وله من هذا كثير.
ولكنه كان عالماً حدثني غير واحد عن شريح عن أبي محمد علي بن أحمد قال أخبرنا الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة عن أبي عبد الله العاصمي النحوي قال: لما قدم صاعد بن الحسن اللغوي على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر جمعنا معه فسألناه عن مسائل من النحو غامضة فقصر بها فلما رآه ابن أبي عامر كذلك قال: دعوه فهو من طبقتي في النحو أنا أناظره. قال: ثم سألناه صاعد فقال: ما معنى قول امرئ القيس:
كأن دماء الهاديات بنحرهعصارة حناء لشيب مرجل
فقلنا: هذا واضح وإنما وصف فرساً أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها إلى
صدره فجاء هكذا فقال: صاعد سبحان الله أنسيتم قوله قبل هذا في وصفه:
كميت يزل اللبد عن حال متنهكما زلت الصفراء بالمتنزل
قال: فبهتنا والله كأننا لم نقرأ هذا البيت قط واضطررنا إلى سؤاله عنه. فقال: إنما عنى أحد وجهين إما أن تغشى صدره بالعرق، وعرق الخيل أبيض فجامع الدم كالشيب، وإما شيئاً كانت العرب تصنعه، وهو أنها كانت تسم باللبن الحار في صدور الخيل فيتمعط ذلك الشعر وينبت مكانه شعر أبيض فأيا ما عنى من أحد الوجهين فالوصف مستقيم قال أبو محمد: وحدثني أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مقلت الفقيه أن أبا العلاء صاعداً سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشماخ:
دار الفتات التي كنا نقول لهايا ظبية عطلا حسانة الجيد
تدنى الحمامة منها وهي لاهيةمن يانع المرد قنوات العناقيد
فقالوا: هي الحمامة تنزل على غصن الأراكة والكرم، فتنقله فتتمكن الظبية منه فترعاه، بأنكر ذلك عليهم صاعد وقال: إن الحمامة في البيت هي المرأة وهي اسم من أسمائها فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية، إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة منها في المنظر شعرها الذي هو كقنوان العناقيد، من يانع الكرم أو المرد فرأته، قال أبو محمد علي بن أحمد: ومن عجائب الدنيا التي لا تكاد يتفق مثلها أن صاعد بن الحسن اللغوي أهدى إلى المنصور أبي عامر أيلاً وكتب معه بهذه الأبيات:
يا حرز كل مخوف وأمان كلمشرد ومعز كل مذلل
جذواك إن تخصص به فلأهلهوتعم بالإحسان كل مؤمل
كالغيث طبق فاستوى في وبلهشعث البلاد مع المراد المبقل
الله عونك ما أبرك بالهدىوأشد وقعك في الضلال المشعل
ما إن رأيت عيني وعلمك شاهديشروى علائق في معم مخول
أندى بمقربة كسرحان الفضاركضاً وأوغل في مثار القسطل
مولاي مؤنس غربتي متخطفيمن ظفر أيام ممنع معقلي
عبد نشلت بضبعة وغرستهفي نعمة أهدى إليك بأيل
سميته غرسية وبعثتهفي حبله ليتاح فيه تفاؤلي
فلئن قبلت فتلك أسنى نعمةأسدي بها ذو منحة وتطول
صحبتك غادية السرور وجللتأرجاء ربعك بالسحاب المخضل
فقضى في سابق علم الله ﷿، وتقديره أن غرسية بن شانجه من ملوك الروم، هو أمنع من النجم أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل، وسماه غرسية تفاؤلاً بأسره وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب وكان أسر غرسية في ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. خرج أبو العلاء صاعد في أيام الفتنة، من الأندلس وقصد صقلية فتوفى سنة سبع عشرة وأربعمائة عن سن عالية.
النص من طبعة دار الكاتب العربي بالقاهرة (١٩٦٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع