من «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس» لابن بشكوال (ت ٥٧٨هـ)
محمد بن أحمد بن سعيد المعافري المقرئ؛ يعرف: بابن الفراء: من أهل جيان
؛ يكنى: أبا عبد الله.
أخذ القراءات عن أبي محمد مكي بن طالب المقرئ؛ وأقرأ الناس بالحمل عنه، وكان فاضلا، زاهدا ورحل في آخر عمره إلى المشرق. وتوفي بمكة سنة تسع وستين وأربع مائة. قرأت وفاته بخط القاضي يحيى بن حبيب، وكان ممن أخذ عنه.
محمد بن أحمد بن عيسى بن محمد بن منظور بن عبد الله بن منظور القيسي من أهل إشبيلية؛ يكنى: أبا عبد الله.
قرأت بخط أبي محمد بن خزرج: أخبرني أبو عبد الله بن منظور أنه خرج من إشبيلية إلى المشرق في شعبان سنة ثمان وعشرين وأربع مائة. وأنه وقف وقفتين سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين، وأنه دخل إشبيلية منصرفا سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. قرأت وفاته بخط القاضي يحيى بن حبيب وكان ممن أخذ عنه.
قال أبو علي: كان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيد التقييد للحديث، كريم النفس خيارا. رحل إلى المشرق ولقي بمكة: أبا ذر عبد بن أحمد وصحبه وجاور معه مدة وكتب عنه الجامع الصحيح للبخاري، وغير ما شيء. ولقي أيضا أبا النجيب الأرموي، وابن أبي سختوية، وأبا عمرو السفاقسي لقيه بمكة وغيرهم.
أخبرنا أبو الحسن يونس بن محمد المفتي سماعا من لفظه؛ قال: أخبرنا أبو عبد الله بن منظور، قال: لما سرنا إلى الزيارة وانتهينا إلى باب الخشبة، وهو الباب الذي يفضي إلى القبر نزل رجلٌ عن راحلته وأنشد:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةلمن بان عنه أن تلم به ركبا
فلما سمعه الناس نزلوا عن رواحلهم ومشوا إلى القبر. قال لنا أبو الحسن: وتمثل هذا الرجل بهذا البيت أحسن من مدح أبي الطيب المتنبي من مدح به وقال فيه. وقال لنا أيضا: كان ذكي الخاطر، حسن المجالسة، من بيت علم وذكر وفضل ﵀.
قرأت بخط بعض الشيوخ: أخبرني من أثق به أن أهل إشبيلية أصابهم قحطٌ في بعض الأعوام وبلغ قفيزهم أحد عشر مثقالا، وزيتهم ثمانية مثاقيل القسط، فانصرف بعض أهلها مهتما بذلك في بعض الأيام، ولم يتعش أحدٌ في دار ذلك الرجل لهمهم بذلك فرأت بنته في السحر شيخا حسن الهيئة لا يشبه رجال أهل الدنيا فكأنها
شكت إليه تلك الحال فقال لها: سيحط السعر. قد سقيتم بدعوة أبي عبد الله بن منظور البارحة، فنهضت إليه أمها يوما لآخر، وكان بينهما متات. فتحدثت معه ثم سألته هل سألت ربك البارحة حاجة؟ فاستحى وقال لها: ما الخبر؟ فأخبرته برؤيا ابنتها فخر ساجدا لله، ثم أمر بخمسين قفيزا ففرقت في المساكين، وكان له ابن عم يؤم بجامع إشبيلية فشكاه إلى الناس ونهض إليه وقال: تترك عيالك وتعطي في مثل هذه السنة خمسين قفيزا؟ فقال له: إنما أعطيتها لله تعالى: فما انقضى النهار حتى سقاهم الله تعالى. قال أبو علي: وتوفي بإشبيلية يوم الأربعاء لأربع عشرة خلت من شوال من سنة تسع وستين وأربع مائة. ودفن ضحوة يوم الخميس بعده وانتهى عمره سبعون عاما ﵀.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع