تجاوز إلى المحتوى

من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

ما قاله عمرو بن العاص حين احتضر

وحدثني العباس بن الفرج الرياشي في إسنادٍ ذكره، آخره "ابن عباس" قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فدخل عليه عبد الله بن عمرو فقال له: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوق، فقال: لا حاجة لي فيه، قال إنه مملوء مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ليته مملوء بعراً قال: فقلت:

يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف تجدك قال: أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرت إبرةٍ، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. ثم رفع يديه فقالت: اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم فاظ.

وقد روينا هذا الخبر من غير ناحية الرياشي بأتم من هذا، ولكن اقتصرنا على هذا لثقة إسناده.

قوله: "من خرت إبرة"، يعني من ثقب إبرةٍ، يقال للدليل: خريت. وزعم الأصمعي أنه أريد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة.

وقوله: "فاظ" أي مات، يقال: فاظ، وفاد، وفطس، وفاز، وفوز، كل ذلك في معنى الموت، ولا يقال: بالضاد إلا للإناء، قال رؤبة:

لا يدفنون منهم من فاظا

وقال ابن جريج: "أما رأيت الميت حين فوظه".

ومن قال ذلك للنفس قال: فاضت نفسه، يشببها بالأناء.

وحدثني أبو عثمان المازني أحسبه عن أبي زيد قال: كل العرب يقولون: فاضت نفسه إلا بني ضبة فإنهم يقولون: فاظت نفسه، وإنما الكلام الصحيح فاظ بالظاء إذا مات.

وفي الحديث أن امرأة سلام بن أبي الحقيق قالت: فاظ، وإله يهود.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكامل في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.