من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
لقطري في يوم دولاب
قال أبو العباس: ومما قيل من الشعر في يوم دولاب قول قطري:
لعمرك إني في الحياة لزاهدوفي العيش ما لم ألق أم حكيم
من الخفرات البيض لم ير مثلهاشفاء لذي بث ولا لسقيم
لعمرك إني يوم ألطم وجههاعلى نائبات الدهر جد لئيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرتطعان فتى في الحرب غير ذميم
غداة طفت علماء بكر بن وائلوعجنا صدور الخيل نحو تميم
وكان لعبد القيس أول جدهاوأحلافها من يحصب وسليم
وظلت شيوخ الأزد في حومة الوغىتعوم وظلنا في الجلاد نعوم
فلم أر يوماً كان أكثر مقعصاًيمج دماً من فائظ وكليم
وضاربة خدا كريماً على فتىأغر نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطناًله أرض دولاب ودير حميم
فلو شهدتنا يوم ذاك وخلناتبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهمبجنات عدن عنده ونعيم
قوله: "ولو شهدتنا يوم دولاب" فلم ينصرف "دولاب" فإنما ذاك لأنه أراد البلدة، ودولاب: أعجمي، معرب، وكل ما كان من الأسماء الأعجمية نكرة بغير
الألف واللام، فإذا دخلته الألف واللام فقد صار معرباً، وصار على قياس الأسماء العربية، لا يمنعه من الصرف إلا ما يمنع العربي، فدولاب،" فوعال" مثل طومار وسولاف. وكل شيء لا يخص واحداً من الجنس م غيره فهو نكرة، نحو: رجل، لأن هذا الاسم يلحق كل ما كان على بنيته، وكذلك حمل وجبل وما أشبه ذلك، فإن وقع الاسم في كلام العجم معرفة فلا سبيل إلى إدخال الألف واللام عليه، لأنه معرفة، فلا معنى لتعريف آخر فيه، فذلك غير منصرف، نحو فرعون وقارون، وكذلك إسحاق وإبراهيم، ويعقوب.
وقوله:
غداة طفت علماء بكر بن وائل
وهو يريد على الماء، فإن العرب إذا التقت في مثل هذا الموضع لامان استجازوا حذف إحداهما استثقالاً للتضعيف، لأن ما بقي دليل على ما حذف، يقولون، لأن ما بقي دليل على ما حذف، يقولون "علماء بنو فلان" كما قال الفرزدق:
وما سبق القيسي من ضعف حيلةولكن طفت علماء قلفة خالد
وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر فيه لام المعرفة فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك بنو لقرب مخرج النون من اللام، وذلك قولك: فلان من بلحارث وبلعنبر، وبلهجيم.
وقال آخر نم الخوارج:
يرى من جاء ينظر من دجيلشيوخ الأزد طافية لحاها
وقال رجل منهم:
شمت ابن بدر والحوادث جمةوالحائرون بنافع بن الأزرق
والموت حتم لا محالة واقعمن لا يصبحه نهاراً يطرق
فلئن أمير المؤمنين أصابهريب المنون فمن يصبه يغلق
نصب بعد "إن" لأن حرف الجزاء للفعل، فإنما أراد: فلئن أصاب أمير المؤمنين، فلما حذف هذا الفعل وأضمر ذكر أصابه ليدل عليه، ومثله قول النمر بن تولب:
لا تجزعي إن منفساً أهلكتهوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وقال ذو الرمة:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر
لأن إذا لا يليها إلا الفعل، وهي به أولى.
هذا
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع