من «الكامل في اللغة والأدب» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
وفود النابغة الجعدي على ابن الزبير
ومن جميل محاورات العرب ما روي لنا عن يحيى بن محمد بن عروة، عن أبيه عن جده، قال: أقحت السنة علينا، النابغة الجعدي، فلم يشعر به ابن الزبير حين صلى الفجر حتى مثل بين يديه يقول:
حكيت لنا الصديق حين وليتناوعثمان والفارق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في العدل فاستووافعاد صباحاً حالك الليل مظلم
أتاك أبو ليلى يشق به الدجىدجى الليل جواب الفلاة عثمثم
لترفع منه جانباً ذعذعت بهصروف الليالي والزمان المصمم
فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فأيسر وسائلك عندنا الشعر، أما صفوة أموالنا فلبني أسد، وأما عفوتها فلآل الصديق، ولك في بيت المال حقان: حق لصحبتك رسول الله ﷺ، وحق بحقك في المسلمين. ثم أمر له بسبع قلائص وراحلة رحيل. ثم أمر بأن توقر له حباً وتمراً. فجعل أبو ليلى يأخذ التمر فيستجمع به الحب فيأكله، فقال له ابن الزبير: لشد ما بلغ منك الجهد يا أبا ليلى! فقال النابغة: أما على ذاك لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما استرجمت قريش
فرحمت وسئلت فأعطت، وحدثت فصدقت، ووعدت فأنجزت، فأنا والنبي ون على الحوض فراط لقادمين".
قوله: أقحمت السنة يكون على وجهين: يقال: اقتحم إذا دخل قاصداً، وأكثر ما يقال من غير أن يدخل، ويكون من القحمة، وهي السنة الشديدة، وهو أشبه الوجهين، والآخر حسن.
والسنة: الجدب، يقال: أصابتهم سنة إذا أصابهم جذب، ومن ذا قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، أي بالجدب.
وقوله: صفوة، فهي في معنى الصفو، وأكثر ما يستعمل الكسر، والباب في المصادر للحال الدائمة الكسر كقولك: حسن الجلسة والركبة والمشية والنيمة، كأنها خلقة.
والعفوة إنما هو ما عفا، أي ما فضل، ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قالوا: الفضل، وكذلك قوله جل اسمه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
وقوله: عثمثم، يريد الموثق الخلق الشديد.
وذعذعت، أي أذهبت ماله وفرقت حاله.
وقوله: راحلة رحيل، أي قوية على الرحلة معودة لها. ويقال: فحل فحيل، أي مستحكم في الفحلة، وفي الحديث أن ابن عمر قال لرجل: اشتر لي كبشاً لأضحي به، أملح، واجعله أقرن فحيلاً.
وقوله: "فأنا والنبي ون على الحوض فراط لقادمين"، الفارط: الذي يتقدم القوم فيصلح لهم الدلاء والأرشية وما أشبه ذلك من أمرهم حتى يردوا، ومن ذلك قول المسلمين في الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً. وجاء في
الحديث عن النبي ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض". وكان يقال: يكفيك من قريش أنها أقرب الناس من رسول الله ﷺ نسباً، ومن بيت الله بيتاً. ويقال: إن دار أسد ابن عبد العزى كان يقال لها: رضع الكعبة، وذلك أنها تفيء عليها الكعبة صباحاً، وتفيء على الكعبة عشياً، وإن كان الرجل من ولد أسد ليطوف بالبيت فينقطع شسع نعله فيرمي بنعله في منزله فتصلح له، فإذا عاد في الطواف رمي بها إليه، وفي ذلك يقول القائل:
لهاشم وزهير فضل مكرمةبحيث حلت نجوم الكبش والأسد
مجاور البيت ذي الأركان بيتهماما دونهم في جوار البيت من أحد
وقال آخر:
سمين قريش مانع منك لحمهوغث قريش حيث كان سمين
وقال آخر:
وإذا ما أصبته من قريشهاشمياً أصبت قصد الطريق
وقال حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي يدعوه إلى حلفه ونزول مكة:
أبا مطر هلم إلى صلاحفتكنفك الندامى من قريش
وتأمن وسطهم وتعيش فيهمأبا مطر هديت لخير عيش
وتسكن بلدة عزت قديماًوتأمن أن يزورك رب جيش
صلاح: اسم من أسماء مكة وكانت بلداً لقاحاً، واللقاح: الذي ليس في سلطان ملك، وكانت لا تغزى تعظيماً لها، حتى كان أمر الفجار، وإنما سمي الفجار لفجورهم إذ قاتلوا في الحرم. وكانت قريش تعز الحليف وتكرم المولى وتكاد تلحقه بالصميم، وكانت العرب تفعل ذلك، ولقريش فيه تقدم.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع