تجاوز إلى المحتوى

من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)

قصة سلمان الفارسي (٢)

الصفحة ٢ من ٢

فَقَالَ لِي المُقْعَدُ: يَا غُلاَمُ! احْمِلْ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُبَشِّرَ أَهْلِي.

فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَانْطَلقَ لاَ يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ أَطْلُبُهُ، فَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ قَالُوا: أَمَامَكَ.

حَتَّى لَقِيَنِي رَكْبٌ مِنْ كَلْبٍ، فَسَأَلْتُهُم،

فَلَمَّا سَمِعُوا لُغَتِي، أَنَاخَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعِيْرَهُ، فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَوْا بِي بِلاَدَهُم فَبَاعُوْنِي، وَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا.

وَقَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَأُخْبِرْتُ بِهِ، فَأَخَذْتُ شَيْئاً مِنْ تَمْرِ حَائِطِي، وَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ نَاساً، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

فَقَالَ: (مَا هَذَا؟).

قُلْتُ: صَدَقَةٌ.

فَقَالَ: (كُلُوا)، وَلَمْ يَأْكُلْ.

ثُمَّ لَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ نَاساً، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

فَقَالَ: (مَا هَذَا؟).

قُلْتُ: هَدِيَّةٌ.

فَقَالَ: (بَاسْمِ اللهِ) وَأَكَلَ، وَأَكَلَ القَوْمُ.

فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ مِنْ آيَاتِهِ.

كَانَ صَاحِبِي رَجُلاً أَعْجَمِيّاً، لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَقُوْلَ تِهَامَةَ، فَقَالَ: تُهْمَةُ.

قَالَ: فَدُرْتُ مِنْ خَلْفِهِ، فَفَطِنَ لِي، فَأَرْخَى ثَوْبَهُ، فَإِذَا الخَاتَمُ فِي نَاحِيَةِ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ، فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتَّى جَلَستُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ:

أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، وَأَنَّكَ رَسُوْلُ اللهِ.

قَالَ: (مَنْ أَنْتَ؟).

قُلْتُ: مَمْلُوْكٌ، وَحَدَّثْتُهُ حَدِيْثِي، وَحَدِيْثَ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ.

قَالَ: (لِمَنْ أَنْتَ؟).

قُلْتُ: لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، جَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا.

قَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ!).

قَالَ: لَبَّيْكَ.

قَالَ: (اشْتَرِهِ).

فَاشْتَرَانِي أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! مَا تَقُوْلُ فِي دِيْنِ النَّصَارَى؟

قَالَ: (لاَ خَيْرَ فِيْهِم، وَلاَ فِي دِيْنِهِم).

فَدَخَلَنِي أَمْرٌ عَظِيْمٌ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: الَّذِي أَقَامَ المُقْعَدَ لاَ خَيْرَ فِي هَؤُلاَءِ، وَلاَ فِي دِيْنِهِم.

فَانْصَرَفْتُ وَفِي نَفْسِي مَا شَاءَ اللهُ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُم قِسِّيْسِيْنَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُم لاَ يَسْتَكْبِرُوْنَ﴾.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (عَلَيَّ بِسَلْمَانَ).

فَأَتَانِي الرَّسُوْلُ وَأَنَا خَائِفٌ،

فَجِئْتُهُ، فَقَرَأَ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُم قِسِّيْسِيْنَ﴾.

ثُمَّ قَالَ: (يَا سَلْمَانُ! إِنَّ الَّذِيْنَ كُنْتَ مَعَهُم وَصَاحِبَكَ لَمْ يَكُوْنُوا نَصَارَى، إِنَّمَا كَانُوا مُسْلِمِيْنَ).

فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَهُوَ الَّذِي أَمَرَنِي بِاتِّبَاعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِيْنِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّهُ الحَقُّ.

هَذَا حَدِيْثٌ جَيِّدُ الإِسْنَادِ، حَكَمَ الحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ.

سَعْدَوَيْه الوَاسِطِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ حَاتِمٍ الطَّوِيْلُ، وَجَمَاعَةٌ، قَالُوا:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ القُدُّوْسِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ المُكْتِبُ، حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بنُ وَاثِلَةَ، حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، قَالَ:

كُنْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ جَيٍّ، وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِي يَعْبُدُوْنَ الخَيْلَ البُلْقَ، وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُم لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، فَقِيْلَ لِي: إِنَّ الَّذِي تَرُوْمُهُ إِنَّمَا هُوَ بِالمَغْرِبِ.

فَأَتَيْتُ المَوْصِلَ، فَسَأَلْتُ عَنْ أَفْضَلِ رَجُلٍ فِيْهَا، فَدُلِلْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي صَوْمَعَةٍ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ:

إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ جَيٍّ، وَإِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ، فَضُمَّنِي إِلَيْكَ أَخْدِمْكَ وَأَصْحَبْكَ، وَتُعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ.

قَالَ: نَعَمْ.

فَأَجْرَى عَلَيَّ مِثْلَ مَا كَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ، وَكَانَ يُجْرَى عَلَيْهِ الخَلُّ وَالزَّيْتُ وَالحُبُوْبُ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ أَبْكِيْهِ.

فَقَالَ: مَا يُبْكِيْكَ؟

قُلْتُ: يُبْكِيْنِي أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بِلاَدِي أَطْلُبُ الخَيْرَ، فَرَزَقَنِي اللهُ، فَصَحِبْتُكَ، فَعَلَّمْتَنِي، وَأَحْسَنْتَ صُحْبَتِي، فَنَزَلَ بِكَ المَوْتُ، فَلاَ أَدْرِي أَيْنَ أَذْهَبُ؟

قَالَ: لِي أَخٌ بِالجَزِيْرَةِ مَكَانَ كَذَا

وَكَذَا، فَهُوَ عَلَى الحَقِّ، فَائْتِهِ، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي أَوْصَيْتُ إِلَيْهِ، وَأَوْصَيْتُكُ بِصُحْبَتِهِ.

فَلَمَّا قُبِضَ، أَتَيْتُ الرَّجُلَ الَّذِي وَصَفَ لِي، فَأَخْبَرْتُهُ، فَضَمَّنِي إِلَيْهِ، فَصَحِبْتُهُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، فَأَوْصَى بِي إِلَى رَجُلٍ بِقُرْبِ الرُّوْمِ.

فَلَمَّا قُبِضَ أَتَيْتُهُ، فَضَمَّنِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَيْتُ، فَقَالَ:

مَا بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى دِيْنِ عِيْسَى أَعْلَمُهُ، وَلَكِنْ هَذَا أَوَانٌ يَخْرُجُ نَبِيٌّ أَوْ قَدْ خَرَجَ بِتِهَامَةَ، وَأَنْتَ عَلَى الطَّرِيْقِ لاَ يَمُرُّ بِكَ أَحَدٌ إِلاَّ سَأَلْتَهُ عَنْهُ، وَإِذَا بَلَغَكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ، فَائْتِهِ، فَإِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيْسَى، وَآيَةُ ذَلِكَ: ...، فَذَكَرَ الخَاتَمَ، وَالهَدِيَّةَ، وَالصَّدَقَةَ.

قَالَ: فَمَاتَ، وَمَرَّ بِي نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْتُهُم.

فَقَالُوا: نَعَمْ، قَدْ ظَهَرَ فِيْنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ.

فَقُلْتُ لِبَعْضِهِم: هَلْ لَكُم أَنْ أَكُوْنَ لَكُم عَبْداً، عَلَى أَنْ تَحْمِلُوْنِي عُقْبَةً، وَتُطْعِمُوْنِي مِنَ الكِسَرِ؟

فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا.

فَصِرْتُ لَهُ عَبْداً، حَتَّى قَدِمَ بِي مَكَّةَ، فَجَعَلَنِي فِي بُسْتَانٍ لَهُ مَعَ حُبْشَانٍ كَانُوا فِيْهِ، فَخَرَجْتُ وَسَأَلْتُ، فَلَقِيْتُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ بِلاَدِي، فَسَأَلْتُهَا، فَإِذَا أَهْلُ بَيْتِهَا قَدْ أَسْلَمُوا.

فَقَالَتْ لِي: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجْلِسُ فِي الحِجْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، إِذَا صَاحَ عُصْفُوْرُ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا أَضَاءَ لَهُمُ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا.

فَانْطَلَقْتُ إِلَى البُسْتَانِ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ لَيْلَتِي.

فَقَالَ لِي الحُبْشَانُ: مَا لَكَ؟

قُلْتُ: أَشْتَكِي بَطْنِي، وَإِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَفْقِدُوْنِي، فَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي أَخْبَرَتْنِي خَرَجْتُ أَمْشِي، حَتَّى رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُحْتَبٍ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَأَرْسَلَ حَبْوَتَهُ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، هَذِهِ وَاحِدَةٌ.

ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ المُقْبِلَةُ لَقَطْتُ تَمْراً جَيِّداً، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟).

فَقُلْتُ: صَدَقَةٌ.

إِلَى أَنْ قَالَ: (فَاذْهَبْ، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ).

فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِي، فَقُلْتُ: بِعْنِي نَفْسِي.

قَالَ: نَعَمْ، عَلَى أَنْ تُنْبِتَ

لِي مَائَةَ نَخْلَةٍ، فَإِذَا أَنْبَتَتْ جِئْنِي بِوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.

فَأَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (اشْتَرِ نَفْسَكَ بِذَلِكَ، وَائْتِنِي بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ البِئْرِ الَّذِي كُنْتَ تَسْقِي مِنْهَا ذَلِكَ النَّخْلَ).

فَدَعَا لِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِيْهَا، ثُمَّ سَقَيْتُهَا، فَوَاللهِ لَقَدْ غَرَسْتُ مَائَةَ نَخْلَةٍ، فَمَا غَادَرْتُ مِنْهَا نَخْلَةً إِلاَّ نَبَتَتْ.

فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي قِطْعَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا، فَوَضَعْتُهَا فِي كَفَّةِ المِيْزَانِ، وَوَضَعَ فِي الجَانَبِ الآخَرِ نَوَاةً، فَوَاللهِ مَا اسْتَقَلَّتِ القِطْعَةُ الذَّهَبُ مِنَ الأَرْضِ، وَجِئْتُ رَسُوْلَ اللهِ وَأَخْبَرْتُهُ، فَأَعْتَقَنِي.

هَذَا حَدِيْثٌ مُنْكرٌ، غَيْرُ صَحِيْحٍ.

وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ القُدُّوْسِ: مَتْرُوْكٌ.

وَقَدْ تَابَعَهُ فِي بَعْضِ الحَدِيْثِ: الثَّوْرِيُّ، وَشَرِيْكٌ، وَأَمَّا هُوَ فَسَمَّنَ الحَدِيْثَ، فَأَفْسَدَهُ، وَذَكَرَ مَكَّةَ وَالحِجْرَ وَأَنَّ هُنَاكَ بَسَاتِيْنَ، وَخَبَطَ فِي مَوَاضِعَ.

وَرَوَى مِنْهُ: أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ العَلاَءِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ.

وَرَوَاهُ: المُبَارَكُ أَخُو الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عُبَيْدٍ المُكْتِبِ، فَقَالَ:

عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ.

وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا: كُنْتُ مِنْ أَهْلِ جَيٍّ.

وَقَالَ الفِرْيَابِيُّ، وَغَيْرُهُ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ:

كُنْتُ رَجُلاً مِنْ رَامَهُرْمُزَ، وَالفَارِسِيَّةُ سَمَّاهَا ابْنُ مَنْدَةَ: أَمَةَ اللهِ.

الطَّبَرَانِيُّ فِي (مُعْجَمِهِ الكَبِيْرِ): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ دَاوُدَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ

سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ سَلاَمَةَ العِجْلِيِّ، قَالَ:

جَاءَ ابْنُ أُخْتٍ لِي مِنَ البَادِيَةِ، يُقَالُ لَهُ: قُدَامَةُ، فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى سَلْمَانَ.

فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَجَدْنَاهُ بِالمَدَائِنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى عِشْرِيْنَ أَلْفاً، وَوَجَدْنَاهُ عَلَى سَرِيْرِ لِيْفٍ، يَسُفُّ خُوْصاً.

فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! هَذَا ابْنُ أُخْتٍ لِي قَدِمَ، فَأَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ.

قَالَ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

قُلْتُ: يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّكَ.

قَالَ: أَحَبَّهُ اللهُ.

فَتَحَدَّثْنَا، وَقُلْنَا: أَلاَ تُحِدِّثُنَا عَنْ أَصْلِكَ.

قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ، كُنَّا قَوْماً مَجُوْساً، فَأَتَانِي نَصْرَانِيٌّ مِنَ الجَزِيْرَةِ، كَانَتْ أُمُّهُ مِنَّا، فَنَزَلَ فِيْنَا، وَاتَّخَذَ دَيْراً، وَكُنْتُ فِي مَكْتَبِ الفَارِسِيَّةِ، فَكَانَ لاَ يَزَالُ غُلاَمٌ مَعِي فِي الكُتَّابِ، يَجِيْءُ مَضْرُوْباً يَبْكِي.

فَقُلْتُ لَهُ يَوْماً: مَا يُبْكِيْكَ؟

قَالَ: يَضْرِبُنِي أَبَوَايَ.

قُلْتُ: وَلِمَ؟

قَالَ: آتِي هَذَا الدَّيْرَ، فَإِذَا عَلِمَا ذَلِكَ ضَرَبَانِي، وَأَنْتَ لَوْ أَتَيْتَهُ سَمِعْتَ مِنْهُ حَدِيْثاً عَجَباً.

قُلْتُ: فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ.

فَأَتَيْنَاهُ، فَحَدَّثَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ، وَعَنِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مَعَهُ، فَفَطِنَ لَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الكُتَّابِ، فَجَعَلُوا يَجِيْئُوْنَ مَعَنَا.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ القَرْيَةِ، قَالُوا لَهُ: يَا هَنَاة! إِنَّكَ قَدْ جَاوَرْتَنَا فَلَمْ تَرَ مِنَّا إِلاَّ الحَسَنَ، وَإِنَّا نَرَى غِلْمَانَنَا يَخْتَلِفُوْنَ إِلَيْكَ، وَنَحْنُ نَخَافُ أَنْ تُفْسِدَهُم، اخْرُجْ عَنَّا.

قَالَ: نَعَمْ.

فَقَالَ لِذَلِكَ الغُلاَمِ: اخْرُجْ مَعِي.

قَالَ: لاَ أَسْتَطِيْعُ، قَدْ عَلِمْتَ شِدَّةَ أَبَوَيَّ عَلَيَّ.

قُلْتُ: أَنَا أَخْرُجُ مَعَكَ، وَكُنْتُ يَتِيْماً لاَ أَبَ لِي.

فَخَرَجْتُ، فَأَخَذْنَا جَبَلَ رَامَهُرْمُزَ نَمْشِي وَنَتَوَكَّلُ، وَنَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ، حَتَّى قَدِمْنَا الجَزِيْرَةَ، فَقَدِمْنَا نَصِيْبِيْنَ.

فَقَالَ: هُنَا قَوْمٌ عُبَّادُ أَهْلِ الأَرْضِ.

فَجِئْنَا إِلَيْهِم يَوْمَ الأَحَدِ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِم، فَحَيَّوْهُ، وَبَشُّوا بِهِ، وَقَالُوا: أَيْنَ كَانَتْ غَيْبَتُكَ؟

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سير أعلام النبلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.