من «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ)
السلفي أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد (٢)
وَرَوَى لِي عَنْهُ أَكْثَر مِنْ مائَة شَيْخ.
قَرَأْت بِخَطِّ عُمَر بن الحَاجِبِ أَن (مُعْجَم السَّفَر) لِلسِّلَفِيِّ يَشتَمِلُ عَلَى أَلْفَي شَيْخٍ، كَذَا قَالَ، وَمَا أَحْسِبُهُ يَبلغ ذَلِكَ.
قَالَ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ الأَوقِيُّ: كَانُوا يَأْتُوْنَ السِّلَفِيّ، وَيطلبُوْنَ مِنْهُ دُعَاءً لِعُسْرِ الوِلاَدَةِ، فَيكتبُ لِمَنْ يَقصِدهُ، قَالَ: فَلَمَّا كثر ذَلِكَ، نَظرت فِيمَا يَكتب، فَوَجَدته يَكتُبُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُم قَدْ أَحْسَنُوا ظنّهُم بِي، فَلاَ تُخيِّب ظَنَّهُم فِيَّ.
قَالَ: وَحضر عِنْدَهُ السُّلْطَان صَلاَح الدِّيْنِ وَأَخُوْهُ الْملك العَادل لسَمَاع الحَدِيْث، فَتحدثَا، فَأَظهر لَهُمَا الكرَاهَة، وَقَالَ:
أَنْتُمَا تَتحدثَان، وَحَدِيْث النَّبِيّ ﷺ يُقرَأُ؟!
فَأَصغَيَا عِنْد ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَقَدْ حَدَّثَ السُّلْطَان عَنْهُ.
قَالَ الحَافِظُ زَكِيّ الدِّيْنِ عَبْد العَظِيْمِ: كَانَ السِّلَفِيّ مُغْرَىً بِجمع الكُتُب وَالاستكثَار مِنْهَا، وَمَا كَانَ يَصل إِلَيْهِ مِنَ المَال كَانَ يُخْرِجه فِي شرَائِهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ خَزَائِن كتب، وَلاَ يَتفرغ لِلنظر فِيْهَا، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا مُعْظَم الكُتُب فِي الخَزَائِن قَدْ عَفنَتْ، وَالتصق بَعْضهَا بِبَعْض لندَاوَة الإِسْكَنْدَرِيَّة، فَكَانُوا يَسْتَخلصونهَا بِالفَأْس، فَتَلِفَ أَكْثَرهَا.
قَالَ السَّيْف أَحْمَد ابْن المَجْدِ الحَافِظ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ سَلاَمَةَ النَّجَّارَ يَقُوْلُ:
أَرَادَ عَبْد الغَنِيِّ وَعَبْد القَادِرِ الحَافِظَان سَمَاع كِتَاب اللاَّلْكَائِيّ، يَعْنِي (شرح السّنَة)، عَلَى السِّلَفِيّ، فَأَخَذَ يَتعلل عَلَيْهِمَا مرَّة، وَيدَافعهُم عَنْهُ أُخْرَى بِأَصل السَّمَاع، حَتَّى كَلَّمتْه امْرَأَته فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: مَا أَظنّه حَدَّثَ بِالكِتَابِ.
بَلَى حَدَّثَ مِنْهُ بكَرَامَات الأَوْلِيَاء.
قَرَأْت بِخَطِّ عُمَر بن الحَاجِب: أَن (مُعْجَم السَّفَر) لِلسِّلَفِيِّ يَشتمل عَلَى
أَلْفَي شَيْخ.
أَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرٍ الدَّشْتِيّ، وَإِسْحَاق الأَسَدِيّ، قَالاَ:
أَنشدنَا ابْن رَوَاحَةَ: أَنْشَدَنِي أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ لِنَفْسِهِ:
كَمْ جُلْتُ طُوْلاً وَعَرْضاًوَجُبْتُ أَرْضاً فَأَرْضَا
وَمَا ظَفرْتُ بِخِلٍّمِنْ غَيْرِ غِلٍّ فَأَرْضَى
أَنْبَأَنِي أَحْمَد بن سَلاَمَةَ، عَنِ الحَافِظ عَبْد الغَنِيِّ بن سُرُوْر، أَنشدنَا أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ لِنَفْسِهِ فِي رَجَبٍ، سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ:
دعُوْنِي عَنْ أَسَانِيْدِ الضَّلاَلِوَهَاتُوا مِنْ أَسَانِيْدٍ عَوَالِي
رخَاصٍ عِنْد أَهْل الجَهْل طُرّاًوَعِنْد العَارِفِيْن بِهَا غوَالِي
عَنْ أَشيَاخِ الحَدِيْث وَمَا رَوَاهُإِمَامٌ فِي العلُوْم عَلَى الكَمَالِ
كَمَالِكٍ اوْ كَمَعْمَرٍ المزكَّىوَشُعْبَة، أَوْ كسُفْيَان الهِلاَلِي
وَسُفْيَان العِرَاق وَلَيْث مِصْرٍفَقِدماً كَانَ مَعْدُومَ المِثَالِ
وَالأَوْزَاعِيِّ فَهْوَ لَهُ بِشرع الــنَّبِيّ المُصْطَفَى أَوْفَى اتِّصَالِ
وَمِسْعَرٍ الَّذِي فِي كُلِّ عِلْمٍيُشَارُ كَذَا إِلَيْهِ كَالهِلاَلِ
وَزَائِدَةٍ وَزِدْ أَيْضاً جَرِيْراًفُكُلُّ مِنْهُمَا رَجُل النِّضَالِ
وَكَابْن مُبَارَكٍ أَوْ كَابْن وَهْبٍوَكَالقَطَّان ذِي شَرَفٍ وَحَالِ
وَحَمَّادٍ، وَحَمَّادٍ جَمِيْعاًوَكَابْنِ الدَّسْتُوَائِيّ الْجمال
وَبَعْدَهُم وَكِيْعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّالمَهْدِيُّ فِي كُلِّ الخِلاَّلِ
وَمكِّيٍّ وَوَهْبٍ وَالحُمَيْدِيّعَبْدِ اللهِ لَيْثٍ ذِي صِيَالِ
وَضَحَّاكٍ عقيب يَزِيْدَ أَعنِيابْنَ هَارُوْنَ المحقّقَ فِي الخِصَالِ
كَذَاكَ طيَالِسِيَّا البَصْرَةِ اذكُرْفَمَا رَوَيَاهُ مِنْ أَثرٍ لآلِي
وَعَفَّانُ نَعَمْ وَأَبُو نُعَيْمٍحَمِيدَا الحَالِ مَرْضِيَّا الفِعَالِ
وَيَحْيَى شَيْخُ نَيْسَابُوْر ثُمَّ الـإِمَامُ الشَّافِعِيُّ المُقْتَدَى لِي
كَذَاكُم ابْنُ خَالِدٍ المُكَنَّىأَبَا ثَوْرٍ وَكَانَ حَوَى المَعَالِي
وَأَيْضاً فَالصَّدُوْقُ أَبوْ عُبَيْدٍفَأَعْلاَمٌ مِنْ أرْبَابِ المَقَالِ
كيَحْيَى، وَابْن حَنْبَل المُعَلَّىبِمَعْرِفَة المتُوْنِ وَبِالرِّجَالِ
وَإِسْحَاق التَّقِي وَفتَى نُجَيْحٍوَعَبْدِ اللهِ ذِي مدحٍ طُوَالِ
إِسْحَاقُ: هُوَ ابْن رَاهُويه، وَفتَى نُجَيْحٍ: ابْنُ المَدِيْنِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ: ابْن أَبِي شَيْبَةَ.
وَعُثْمَانَ الرَّضِيِّ أَخِيْهِ أَيْضاًوَكَالطُّوْسِيِّ رُكنِ الابتهَالِ
وَكَالنَّسَوِيّ أَعْنِيْه زُهَيْراًوَيُعْرَفُ بِابْنِ حَرْبٍ فِي المَجَالِ
وَكَالذُّهْلِيِّ شَمْسِ الشَّرْقِ عَدْليُعدِّلُه المُعَادِي وَالمُوَالِي
وَأَصْحَابِ الصِّحَاح الخَمْسَةِ اعْلَمرِجَالٍ فِي الشّرِيعَةِ كَالجِبَالِ
وَكَابْنِ شُجَاعٍ البَلْخِيِّ ثُمَّ الـسَمَرْقَنْدِيِّ مَنْ هُوَ رَأْس مَالِي
وَبُو شَنْجِيِّهِم ثُمَّ ابْنِ نَصْرٍبِمَرْوَ مُقَدَّمٍ فِيهِم ثمَال
وَبِالرَّيِّ ابْنُ وَارَةَ ذُو افْتِنَانٍوَتِرْبَاهُ كَذَاكَ عَلَى التَّوَالِي
تِرْبَاهُ هُمَا: أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ.
كَذَاكَ ابْنُ الفُرَاتِ وَكَانَ سَيْفاًعَلَى البِدْعِيِّ يَطعُنُ كَالأَلاَلِ
كَذَا الحَرْبِيُّ أَحربهِ وَحربُابْنُ إِسْمَاعِيْلَ خَيَرٌ ذُو منَالِ
وَيَعْقُوْبٌ وَيَعْقُوْبَانِ أَيْضاًسِوَاهُ وَابْنُ سَنْجَرٍ الثِّمَالِ
يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ، وَيَعْقُوْبُ بن إِبْرَاهِيْمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَيَعْقُوْب الفَسَوِيُّ.
وَصَالِحٌ الرِّضَى وَأَخُوْهُ مِنْهُمكَذَاكَ الدَّارِمِيُّ أَخُو المَعَالِي
وَصَالِحٌ المُلَقَّبُ وَابْن عَمْرٍودِمَشْقِيٌّ حَلِيْمٌ ذُو احتِمَالِ
وَنجلُ جَرِيْرٍ إِذْ تُوُفِّيَ وَتُرْبِيمَنَاقِبُه عَلَى عددِ الرِّمَالِ
كَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ السُّلَمِيُّ ثُمَّ ابْــن مَنْدَةَ مُقْتَدَى مُدُنِ الجِبَالِ
وَخَلْقٌ تَقْصُرُ الأَوْصَافُ عَنْهُموَعَنْ أَحْوَالِهِم حَال السُّؤَالِ
سَمَوا بِالعِلْمِ حِيْنَ سَمَا سِوَاهُملَدَى الجُهَّالِ بِالرِّمَمِ البَوَالِي
وَمَعْ هَذَا المَحَلِّ وَمَا حَوَوْهُفَآلُهُمُ كَذَلِكَ خَيْرُ آلِ
مَضَوْا وَالذِّكْرُ مِنْ كُلِّ جَمِيْلٍعَلَى المعهودِ فِي الحُقُبِ الخوَالِي
أَطَاب الله مَثْوَاهُم فَقِدْماًتَعَنَّوا فِي طِلاَبِهِمُ العَوَالِي
وَبعدَ حُصُولهَا لَهُمُ تَصَدَّواكَذَلِكَ لِلرِّوَايَةِ وَالأَمَالِي
وَتُلْفِي الكُلَّ مِنْهُم حِيْنَ يُلْقَىمِنْ آثَارِ العِبَادَةِ كَالخِلاَلِ
وَهَا أَنَا شَارعٌ فِي شَرحِ دينِيوَوصف عقيدتِي وَخفِيِّ حَالِي
وَأَجهدُ فِي البيَانِ بقَدْرِ وُسعِيوَتَخليصِ العُقُوْلِ مِنَ العِقَالِ
بشعرٍ لاَ كشعرٍ بَلْ كسحرٍوَلفظٍ كَالشَّمُوْلِ بَلِ الشِّمَالِ
فَلَسْت الدَّهْر إِمَّعَةً وَمَا إِنْأَزِلُّ وَلاَ أَزولُ لذِي النِّزَالِ
فَلاَ تَصْحَبْ سِوَى السُّنِّيّ دِيْناًلِتَحْمَدَ مَا نَصَحْتُكَ فِي المآلِ
وَجَانِبْ كُلَّ مُبْتَدِعٍ تَرَاهُفَمَا إِنْ عِنْدَهُم غَيْرُ المُحَالِ
وَدعْ آرَاءَ أَهْلِ الزَّيغِ رَأْساًوَلاَ تغرركَ حذلقَةُ الرُّذَالِ
فَلَيْسَ يَدومُ لِلبدعِيّ رَأْيٌوَمِنْ أَيْنَ المقرُّ لذِي ارْتحَالِ
يُوَافَى حَائِراً فِي كُلِّ حَالٍوَقَدْ خَلَّى طَرِيْقَ الإِعتدَالِ
وَيَتْرُك دَائِباً رَأْياً لِرَأْيٍوَمِنْهُ كَذَا سرِيعُ الإِنتقَالِ
وَعمدَةُ مَا يَدين بِهِ سفَاهاًفَأَحدَاثٌ مِنْ أَبْوَابِ الجِدَالِ
وَقول أَئِمَّةِ الزَّيغ الَّذِي لاَيُشَابههُ سِوَى الدَّاءِ العُضَالِ
كَمعْبدٍ المضلَّلِ فِي هَوَاهُوَوَاصِلٍ أَوْ كغَيْلاَن المِحَالِ
وَجعدٍ ثُمَّ جَهْمٍ وَابْن حَرْبٍحَمِيْرٌ يَسْتَحِقُّوْنَ المخَالِي
وَثَوْرٍ كَاسمه أَوْ شِئْتَ فَاقَلِبْوَحَفْصِ الفردِ قِردٍ ذِي افْتعَالِ
وَبشرٍ لاَ أَرَى بُشرَى فَمِنْهُتَولَّدَ كُلّ شَرٍّ وَاختلاَلِ
وَأَتْبَاعُ ابْن كُلاَّبٍ كِلاَبٌعَلَى التّحقيقِ هُم مِنْ شَرِّ آلِ
كَذَاكَ أَبُو الهُذَيْلِ وَكَانَ مَوْلَىًلِعَبْدِ القَيْسِ قَدْ شَانَ المَوَالِي
وَلاَ تَنْسَ ابْنَ أَشْرَسٍ المُكنَّىأَبَا مَعْنٍ ثُمَامَةَ فَهُوَ غَالِي
وَلاَ ابْنَ الحَارِثِ البَصْرِيَّ ذَاكَ الـمُضِلَّ عَلَى اجْتِهَادٍ وَاحتِفَالِ
وَلاَ الكُوْفِيَّ أَعْنِيه ضِرَارَ بــن عَمْرٍو فَهْوَ لِلبَصْرِيِّ تَالِي
كَذَاكَ ابْنُ الأَصَمِّ، وَمِنْ قَفَاهُمِنَ اوْبَاشِ البَهَاشِمَةِ النِّغَالِ
وَعَمْرٌو هَكَذَا أَعنِي ابْنَ بَحْرٍوَغَيْرهُم مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ
فَرَأْيُ أُولاَءِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئاًسِوَى الهَذَيَانِ مِنْ قِيْلٍ وَقَالِ
وَكُلُّ هَوَىً وَمُحْدَثَةٍ ضَلاَلٌضَعِيْفٌ فِي الحقيقَةِ كَالخيَالِ
فَهَذَا مَا أَدِينُ بِهِ إِلهِيتَعَالَى عَنْ شَبِيْهٍ أَوْ مِثَالِ
وَمَا نَافَاهُ مِنْ خُدَعٍ وَزُوْرٍوَمِنْ بِدَعٍ فَلَمْ يَخَطُرْ بِبَالِي
صدق النَّاظمُ ﵀ وَأَجَاد، فَلأَن يَعِيْش المُسْلِم أَخرس أَبكَم خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَمتلِئَ بَاطِنه كَلاَماً وَفَلْسَفَةً!
أَنشدنَا أَبُو الغَنَائِمِ بنُ عَلاَّنَ فِي كِتَابِهِ، عَنِ القَاسِمِ بن عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ الحَافِظ، أَخْبَرَنَا أبي، أَنْشَدَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْد الكَرِيْمِ بن مُحَمَّد بِدِمَشْقَ، أَنْشَدَنَا أَبُو العِزِّ مُحَمَّد بن عَلِيٍّ البُسْتِيّ بِمُلْقَابَاذَ (ح).
وَأَنْشَدَنَا أَبُو الحُسَيْنِ اليُوْنِيْنِيّ، أَنْشَدَنَا جَعْفَرُ بنُ عَلِيٍّ المُقْرِئ، قَالاَ:
أَنْشَدَنَا الحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ لِنَفْسِهِ:
إِنَّ عِلْمَ الحَدِيْثِ عِلْمُ رِجَالٍتَرَكُوا الابتدَاعَ لِلاتِّبَاعِ
فَإِذَا جَنَّ لَيْلُهُم كَتَبُوهُوَإِذَا أَصْبَحُوا غَدَوا لِلسَّمَاعِ
أَنْشَدَنَا أَبُو الفَتْحِ القُرَشِيّ، أَنْشَدَنَا يُوْسُفُ السَّاوِيُّ، أَنْشَدَنَا السِّلَفِيُّ لِنَفْسِهِ:
لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ فِي زَمَانِيمَنْ شَانهُ فِي الحَدِيْثِ شَانِي
نَظماً وَضبطاً يَلِي عُلُوّاًفِيْهِ عَلَى رغْمِ كُلِّ شَانِي
أَنْشَدَنَا أَبُو الحُسَينِ ابْن الفَقِيْه، وَأَبُو عَلِيٍّ القَلاَنسِيّ، قَالاَ:
أَنْشَدَنَا أَبُو الفَضْلِ الهَمْدَانِيّ، أَنْشَدَنَا أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ لِنَفْسِهِ:
لَيْسَ حُسْنُ الحَدِيْثِ قربَ رِجَالٍعِنْدَ أَربَابِ علمِهِ النَّقَّادِ
بَلْ عُلُوُّ الحَدِيْثِ عِنْد أُولِي الإِتْــقَانِ وَالحِفْظِ صِحَّةُ الإِسْنَادِ
فَإِذَا مَا تَجَمَّعَا فِي حَدِيْثٍفَاغتَنِمْهُ فَذاكَ أَقْصَى المُرَادِ
قَدْ مَرَّ ذِكْرُ مَوْلِدِهِ وَأَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيْرِ، وَقَدْ قَالَ المُحَدِّثُ مُحَمَّد بن عَبْدِ الرَّحْمَانِ بن عَلِيٍّ التُّجِيْبِيّ الأَنْدَلُسِيُّ:
سَمِعْتُ عَلَى السِّلَفِيِّ، وَوجدت بِخَطِّهِ مُقيداً:
مَوْلِدِي بِأَصْبَهَانَ، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ تخمِيناً لاَ يَقيناً.
وَيُقوِيّ هَذَا مَا تَقدم عَنِ السَّخَاوِيّ، وَالأَظهر خِلاَفه مِنْ قَوْله لما كَتَبُوا عَنْهُ وَهُوَ أَمرد، وَمِنْ قَوْله وَقت قَتْلَةِ نِظَامِ المُلْكِ.
وَقَالَ القَاضِي شَمْس الدِّيْنِ أَحْمَد بن خَلِّكَانَ: كَانَتْ وِلاَدَتُه بِأَصْبَهَانَ، سَنَة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ تَقَرِيْباً.
قَالَ: وَوجدت العُلَمَاء بِمِصْرَ وَالمُحَدِّثِيْنَ مِنْ جملتهِم الحَافِظ المُنْذِرِيّ يَقُوْلُوْنَ فِي مَوْلِد السِّلَفِيّ هَذِهِ المَقَالَة، ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَاب (زهر الرِّيَاض) لأَبِي القَاسِمِ ابْنِ الصَّفْرَاوِيِّ: أَنَّ السِّلَفِيّ كَانَ يَقُوْلُ:
مَوْلِدِي -بِالتخمِين لاَ بِاليقين- سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ.
فَيَكُوْن مَبْلَغ عُمُره عَلَى مقتضَى ذَلِكَ ثَمَانِياً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَرَأَيْت فِي (تَارِيخ ابْن النَّجَّار) مَا يَدلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا
قَالَهُ الصَّفْرَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ:
قَالَ عَبْدُ الغَنِيّ المَقْدِسِيّ: سَأَلت السِّلَفِيَّ عَنْ مَوْلِده، فَقَالَ: أَنَا أَذْكُر قتلَ نِظَامِ المُلْكِ سَنَة خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ وَلِي نَحْو عشر سِنِيْنَ، وَلَوْ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ عَلَى مَا يَقوله أَهْل مِصْرَ مَا كَانَ يَقُوْلُ: أَذْكُر قتلَ نِظَامِ المُلْكِ، فَيَكُوْن عَلَى مَا قَالُوْهُ عُمره ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَلَمْ تَجرِ العَادَة أَنَّ مَنْ سِنُّه هَكَذَا أَنْ يَقُوْلَ: أَذْكُر القِصَّةَ الفُلاَنِيَّةَ.
قَالَ: فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَن قَوْل الصَّفْرَاوِيّ تِلْمِيْذه أَقْرَب إِلَى الصّحَّة.
قُلْتُ: أَرَى أَنَّ الْقَوْلَيْنِ بعيدَان، وَهُمَا سَنَة اثْنَتَيْنِ، وَسَنَة ثَمَانٍ، فَإِنَّهُ قَدْ حَدَّثَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ فِي أَوَّلهَا، وَقَدْ مرّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ ابْن سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَكْثَر أَوْ أَقلّ بِقَلِيْلٍ.
فَلَو كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَة اثْنَتَيْنِ، لَكَانَ ابْنَ عِشْرِيْنَ سَنَةً تَامَّة، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ الصَّفْرَاوِيّ، لَكَانَ قَدْ كَتَبُوا عَنْهُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهَذَا بعيد جِدّاً، فَتعيّن أَنّ مَوْلِده عَلَى هَذَا يَكُوْن فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْس وَسَبْعِيْنَ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ جَاوَزَ المائَةَ بِلاَ تَرَدُّدٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: مَعَ أَنَّا مَا علمنَا أَحَداً مُنْذُ ثَلاَث مائَة سَنَةٍ إِلَى الآنَ بلغَ المائَة -فَضْلاً عَنْ أَنَّهُ زَادَ عَلَيْهَا- سِوَى القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ: فَإِنَّهُ عَاشَ مائَة وَسَنَتَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا الكَلاَم لاَ يَدلُّ عَلَى نَفِي تَعمِيْر المائَة، بَلْ فِيْهِ اعترَاف فِي الطَّبَرِيّ ﵀ وَمَا قَالَهُ الصَّفْرَاوِيّ فَقَاله بِاجتهَاده، وَمَا تُوبع عَلَيْهِ، بَلَى خُولف.
وَقَدْ كُنْت أَلّفْت جُزْءاً كَبِيْراً فِيْمَنْ جَاوَزَ المائَةَ مِنَ المَشَايِخ، وَمِنْهُم:
أَنَس بنُ مَالِكٍ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ، وَغَيْرهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَسُوَيْد بن غَفَلَة، وَأَبُو رَجَاءٍ العُطَارِدِيّ، وَعِدَّة مِنَ التَّابِعِيْنَ، وَالحَسَن بن عَرَفَةَ العَبْدِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، وَبَدْر بن الهَيْثَمِ، وَسُلَيْمَان بن أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيّ، وَالفَقِيْه عَبْد الوَاحِدِ الزُّبَيْرِيّ بِمَا وَرَاء النَّهْر، وَشَيْخُنَا رُكْن الدِّيْنِ الطَّاوُوْسِيّ، وَبِالأَمس مُسْنِد الدُّنْيَا شِهَاب الدِّيْنِ أَحْمَدَ ابْن الشِّحْنَةِ.
قَالَ المُحَدِّثُ وَجِيْه الدِّيْنِ عَبْد العَزِيْزِ بن عِيْسَى اللَّخْمِيّ قَارِئُ الحَافِظِ السِّلَفِيّ:
تُوُفِّيَ الحَافِظ فِي صَبِيْحَة يَوْمَ الجُمُعَةِ، خَامِسَ شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَلَهُ مائَةُ سَنَةٍ وَسِتُّ سِنِيْنَ.
كَذَا قَالَ فِي سِنِّه، فَوَهِمَ الوَجِيْه.
ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ يُقرَأُ عَلَيْهِ الحَدِيْث يَوْمَ الخَمِيْسِ إِلَى أَنْ غربتِ الشَّمْس مِنْ لَيْلَة وَفَاته، وَهُوَ يَردّ عَلَى القَارِئ اللَّحْنَ الخفِيَّ، وَصَلَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ الصُّبْح عِنْد انفجَار الفَجْر، وَتُوُفِّيَ بَعْدهَا فُجَاءةً.
قُلْتُ: وَكَذَا أَرَّخَ مَوْتَهُ غَيْرُ وَاحِد ﵀ وَغفر لَهُ- وَقَبْره مَعْرُوف بِظَاهِرِ الإِسْكَنْدَرِيَّة، وَكَانَ يَطَأُ أَهْلَه وَيَتمتَّع وَإِلَى قَرِيْب وَفَاتِه، وَإِنَّمَا تَزَوَّجَ وَقَدْ أَسنَّ بَعْدَ سَنَةِ خَمْسِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: لَقَبُهُ صَدْر الدِّيْنِ.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ / ١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع