من «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد (ت ٢٣٠هـ)
ذكر استخلاف عمر، ﵀ (٢)
الصفحة ٢ من ٢
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسحاق بن يحيى قال: حدثني موسى بن طلحة قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن ابعث إلينا بالطعام على الإبل وابعث في البحر، فبعث عمرو على الإبل فلقيت الإبل بأفواه الشام فعدل بها رسله يمينا وشمالا ينحرون الجزر ويطعمون الدقيق ويكسون العباء. وبعث رجلا إلى الجار إلى الطعام الذي بعث به عمرو من مصر في البحر فحمل إلى أهل تهامة يطعمونه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت رسل عمر ما بين مكة والمدينة يطعمون الطعام من الجار، وبعث إليه يزيد بن أبي سفيان من الشام بطعام، قال بن سعد: هذا غلط، يزيد بن أبي سفيان كان قد مات يومئذ وإنما كتب إلى معاوية، فبعث إليه من يتلقاه بأفواه الشام يصنع به كالذي صنع رسل عمر ويطعمون الناس الدقيق وينحرون لهم الجزر ويكسونهم العباء. وبعث إليه سعد بن أبي وقاص من العراق بمثل ذلك، فأرسل إليه من لقيه بأفواه العراق فجعلوا ينحرون الجزر ويطعمون الدقيق ويكسونهم العباء حتى رفع الله ذلك عن المسلمين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عون المالكي عن أبيه عن جده قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره أن يبعث إليه من الطعام، فبعث عمرو في البر والبحر وكتب إلى معاوية: إذا جاءك كتابي هذا فابعث إلينا من الطعام بما يصلح من قبلنا فإنهم قد هلكوا إلا أن يرحمهم الله، قال ثم بعث إلى سعد يبعث إليه فبعث إليه قال فكان عمر يطعم الناس الثريد، الخبز يأدمه بالزيت قد أفير من الفور
في القدور وينحر بين الأيام الجزور فيجعلها على الثريد، وكان عمر يأكل مع القوم كما يأكلون.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: كان عمر يصوم الدهر. قال فكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها فأتي به فإذا فدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم، قال: بخ بخ بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام. قال فأتي بخبز وزيت قال: فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال: ويحك يا يرفا! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، وأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن بن عمر قال: كان عمر بن الخطاب أحدث في زمان الرمادة أمرا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس بالعشاء ثم يخرج متى يدخل بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليه وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ركب عمر بن الخطاب عام الرمادة دابة فراثت شعيرا فرآها عمر فقال: المسلمون يموتون هزلا وهذه الدابة تأكل الشعير؟ لا والله لا أركبها حتى يحيا الناس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر وإسماعيل بن أبي أويس قالا: أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال:
وأخبرنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان قال: أتي عمر بن الخطاب بخبز مفتوت بسمن عام الرمادة فدعا رجلا بدويا فجعل يأكل معه، فجعل البدوي يتبع باللقمة الودك في جانب الصحفة، فقال له عمر: كأنك مقفر من الودك، فقال: أجل ما أكلت سمنا ولا زيتا ولا رأيت آكلا له منذ كذا وكذا إلى اليوم، فحلف عمر لا يذوق لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس أول ما أحيوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن بن طاؤوس عن أبيه قال: لم يأكل عمر بن الخطاب سمنا ولا سمينا حتى أحيا الناس.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: تقرقر بطن عمر بن الخطاب وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرم عليه السمن، فنقر بطنه بإصبعه، قال: تقرقر تقرقرك إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس.
قال: أخبرنا سعد بن منصور قال: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لتمرنن أيها البطن على الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أصاب الناس عام سنة فغلا فيها السمن وكان عمر يأكله، فلما قل قال: لا آكله حتى يأكله الناس. فكان يأكل الزيت، فقال: يا أسلم اكسر عني حرة بالنار، فكنت أطبخه له فيأكله فيتقرقر بطنه عنه فيقول: تقرقر لا والله لا تأكله حتى يأكله الناس.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن عمر بن الخطاب عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرم على نفسه اللحم عام الرمادة حتى يأكله الناس، فكان لعبيد الله بن عمر بهمة فجعلت في التنور فخرج على عمر ريحها
فقال: ما أظن أحدا من أهلي اجترأ علي، وهو في نفر من أصحابه، فقال: اذهب فانظر، فوجدتها في التنور فقال عبيد الله: استرني سترك الله! فقال: قد عرف حين أرسلني أن لن أكذبه؛ فاستخرجها ثم جاء بها فوضعها بين يديه واعتذر إليه أن تكون كانت بعلمه، وقال عبيد الله: إنما كانت لابني اشتريتها فقرمت إلى اللحم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد قال: حدثني نافع مولى الزبير قال: سمعت أبا هريرة يقول: يرحم الله بن حنتمة، لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، قال فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، قال: فأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام مسحوقة كانوا يسفونها فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم. وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب عام الرمادة مر على امرأة وهي تعصد عصيدة لها فقال: ليس هكذا تعصدين. ثم أخذ المسوط فقال: هكذا، فأراها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن هشام بن خالد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا تذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذره قليلا قليلا وتسوطه بمسوطها فإنه أريع له وأحرى أن لا يتقرد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد عن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون، ولقد كان أبيض
فنقول: مم ذا؟ فيقول: كان رجلا عربيا وكان يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرمها حتى يحيوا فأكل بالزيت فغير لونه وجاع فأكثر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هما بأمر المسلمين.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد قالت: حدثني بعض نساء عمر قالت: ما قرب عمر امرأة زمن الرمادة حتى أحيا الناس هما.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يزيد بن فراس الديلي عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب ينحر كل يوم على مائدته عشرين جزورا من جزر بعث بها عمرو بن العاص من مصر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الجحاف بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار عن أبيه عن جده قال: لما كتب عمر إلى عمرو بن العاص يبعث بالطعام في البر والبحر بعث إليه في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والودك، وبعث إليه في البر بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه معاوية بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وبعث إليه عمرو بن العاص بخمسة آلاف كساء، وبعث إليه والي الكوفة بألفي بعير تحمل الدقيق.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الجحاف بن عبد الرحمن عن عيسى بن معمر قال: نظر عمر بن الخطاب عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده فقال: بخ بخ يا بن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى؟ فخرج الصبي هاربا وبكى فأسكت عمر بعدما سأل عن ذلك فقالوا اشتراها بكف من نوى.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن الحجازي عن
عجوز من جهينة أدركت عمر بن الخطاب وهي جارية، قالت: سمعت أبي وهو يقول: سمعت عمر بن الخطاب وهو يطعم الناس زمن الرمادة يقول: نطعم ما وجدنا أن نطعم فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد عدتهم ممن لا يجد إلى أن يأتي الله بالحيا.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن عمر قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا عن أنصاف بطونهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول بعدما رفع الله المحل في الرمادة: لو لم يرفعه الله لجعلت مع كل أهل بيت مثلهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما كان عام الرمادة تجلبت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة فكان عمر بن الخطاب قد أمر رجالا يقومون عليهم ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القارئ، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولا فيما بين رأس الثنية إلى راتج إلى بني حارثة إلى بني عبد الأشهل إلى البقيع إلى بني قريظة، ومنهم طائفة بناحية بني سلمة هم محدقون بالمدينة، فسمعت عمر يقول ليلة وقد تعشى الناس عنده: أحصوا من تعشى عندنا، فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضى والصبيان، فأحصوهم فوجدوهم أربعين ألفا. ثم مكثنا ليالي فزاد الناس
فأمر بهم فأحصوا فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف والآخرين خمسين ألفا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل كل قوم من هؤلاء النفر بناحيتهم يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتا وحملانا إلى باديتهم، ولقد رأيت عمر يخرجهم هو بنفسه. قال أسلم: وقد كان وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلث، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمال في السحر يعملون الكركور حتى يصبحوا ثم يطعمون المرضى منهم ويعملون العصائد، وكان عمر يأمر بالزيت فيفار في القدور الكبار على النار حتى يذهب حمته وحره ثم يثرد الخبز ثم يؤدم بذلك الزيت، فكانت العرب يحمون من الزيت، وما أكل عمر في بيت أحد من ولده ولا بيت أحد من نسائه ذواقا زمان الرمادة إلا ما يتعشى مع الناس حتى أحيا الله الناس أول ما أحيوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن زياد عن عمران بن بشير عن مالك بن أوس بن الحدثان من بني نصر قال: لما كان عام الرمادة قدم على عمر قومي مائة بيت فنزلوا بالجبانة، فكان عمر يطعم الناس من جاءه، ومن لم يأت أرسل إليه بالدقيق والتمر والأدم إلى منزله، فكان يرسل إلى قومي بما يصلحهم شهرا بشهر، وكان يتعاهد مرضاهم وأكفان من مات منهم. لقد رأيت الموت وقع فيهم حين أكلوا الثفل، وكان عمر يأتي بنفسه فيصلي عليهم، لقد رأيته صلى على عشرة جميعا، فلما أحيوا قال: أخرجوا من القرية إلى ما كنتم اعتدتم من البرية. فجعل عمر يحمل الضعيف منهم حتى لحقوا ببلادهم.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق والفضل بن دكين قالا: أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن عبد الله بن عمر قال: رأيت عمر بن الخطاب يتحلب فوه فقلت له: ما شأنك؟ فقال: أشتهي جرادا مقليا.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال: ذكر لعمر جراد بالربذة فقال: لوددت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين فنأكل منه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي الشعثاء عن بن عمر قال: سمعت عمر يقول على المنبر: وددت أن عندنا خصفة أو خصفتين من جراد فأصبنا منه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٦٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع