تجاوز إلى المحتوى

من «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)

لبابة بنت الحارث (٢)

بن حزن الهلالية، أخت التي قبلها، وهي لبابة الصغرى، وأنها تلقب العصماء، وأمها فاختة بنت عامر الثقفية، وهي والدة خالد بن الوليد الصحابي المشهور.

قال أبو عمر: في إسلامها وصحبتها نظر، وأقره ابن الأثير. وهو عجيب، وكأنه استبعده من جهة تقدّم وفاة زوجها الوليد أن تكون ماتت معه أو بعده بقليل، وليس ذلك بلازم، فقد ثبت أنها عاشت بعد وفاة ولدها خالد، ولها في ذلك قصة، فذكر أبو حذيفة في المبتدإ والفتوح عن محمد بن إسحاق قال: لما مات خالد بن الوليد خرج عمر في جنازته فإذا أمّه تندبه وتقول:

أنت خير من ألف ألف من القومإذا ما كنت في وجوه الرّجال
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما بكاء الكبير بالأطلال»

قال: فقال عمر: صدقت وإن كان لكذلك.

وقال سيف بن عمر في الرّدّة والفتوح بسند له ذكر فيه قصة عزل خالد وإقامته

بالمدينة، قال: فلما رأى عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به عزم على أن يوليه بعد أن يرجع من الحجّ، فخرج معه خالد بن الوليد، فاستسقى خارجا من المدينة، فقال: احدروني إلى مهاجري، فقدمت به أمه المدينة ومرضته حتى ثقل، فلقي عمر لاق وهو راجع من الحجّ، فقال له: ما الخبر؟ فقال: خالد لما به، فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى، فرّق عليه واسترجع، فلما جهز بكته البواكي. قيل له: ألا تنهاهن! فقال: وما على نساء قريش أن تبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. فلما أخرج بجنازته إذا امرأة محرمة تبكيه وتقول: أنت خير من ألف ألف ... البيت المتقدم، وبعده:

أشجاع فأنت أشجع من ليثصهر ابن جهم أبي أشبال
أجواد فأنت أجود من سيلأتى يستقلّ بين الجبال

فقال عمر: من هذه؟ فقيل: أمه. فقال: أمه، والإله- ثلاثا، وهل قامت النساء عن مثل خالد!.

وهذا وإن كان من رواية أبي حذيفة وهو ضعيف، وكذلك سيف، لكن قد ذكر ابن سعد وهو ثقة عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، قال: لما توفي خالد بن الوليد بكت عليه أمّه، فقال عمر: يا أم خالد، أخالدا أو أجره ترزئين! عزمت عليك إلا تثبت، حتى تسود يداك من الخضاب.

وهذا مسند صحيح، وعلق البخاري قول عمر في النّقع واللقلقة في البكاء على خالد، لكن لم يسمّ أمّه.

ومجموع ذلك يفيد أنها عاشت بعد النبي ﵌، أفيظن بها أنها استمرت على الكفر من بعد الفتح إلى أن مات النبي ﵌؟ هذا بعيد عادة، بل يبطله ما تقدم أنه لم يبق بالحرمين ولا الطائف أحد في حجة الوداع إلا أسلم وشهدها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول (٧٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.