من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ست وأربعين ومائتين
فيها كما قاله في «الشذور» مطرت سكّة ببلخ دما عبيطا.
وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن كثير أبو عبد الله العبديّ البغداديّ الدّورقيّ الحافظ الثقة. سمع جرير بن عبد الحميد وطبقته، وصنف التصانيف الحسنة المفيدة.
وفيها أحمد بن أبي الحواري الزّاهد الكبير، أبو الحسن الدّمشقيّ. سمع أبا معاوية وطبقته، وكان من كبار المحدّثين والصوفية، وأجلّ أصحاب أبي سليمان الدّاراني، وله كلام في الحقائق، منه: ما ابتلى الله عبدا بشيء أشد من القسوة والغفلة.
وقالت له زوجته رابعة الشامية: أحبك حب الإخوان لا حب الأزواج.
وكانت زوجته أيضا من كبار الصالحات الذاكرات، وكانت تطعمه الطيّب وتطيّبه وتقول: اذهب بنشاطك إلى أهلك، وتقول عند تقريبها الطعام إليه: كل فما نضج إلّا بالتسبيح. وتقول إذا قامت من الليل:
قام المحبّ إلى المؤمّل قومةكاد الفؤاد من السّرور يطير
وقال السخاويّ في «طبقات الأولياء»: أحمد بن أبي الحواري، كنيته أبو الحسن، وأبو الحواري، اسمه ميمون من أهل دمشق، صحب أبا سليمان الدّاراني، وسفيان بن عيينة، وأبا عبد الله النياحي، وغيرهم، وله أخ يقال له:
محمد، يجري مجراه في الزّهد والوّرع، وابنه عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري من الزّهاد، وأبو أيضا كان من العارفين والورعين، فبيتهم بيت الوّرع والزّهد، ومن كلامه: من عمل بلا اتّباع سنة فعمله باطل.
وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية، فيحار عقلي وأعجب من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بتدبير الدّنيا وهم يتلون كلام الرّحمن، أما لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما رزقوا ووفّقوا.
وقال الحافظ الذّهبيّ في «التهذيب»: قال محمد بن عوف الحمصي:
رأيت أحمد بن أبي الحواري صلى العتمة ثم قام يصلي، فاستفتح ب الْحَمْدُ إلى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فطفت الحائط كله ثم رجعت، فإذا هو لا يجاوز إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثم نمت ومررت به سحرا، وهو يقرأ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فلم يزل يردّدها إلى الصبح. انتهى ملخصا.
وفيها أبو عبد الله الحسين بن الحسن المروزيّ الحافظ، صاحب ابن المبارك بمكة، وقد سمع من هشيم والكبار.
وفيها أبو عمر الدّوري القارئ شيخ المقرئين في عصره، وله
ستّ وتسعون سنة.
وهو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان المقرئ قرأ على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، ويحيى اليزيدي، وحدّث عن طائفة، وصنف في القراءات، وكان صدوقا. قرأ عليه خلق كثير.
قال: أدركت حياة نافع، ولو كان عندي شيء لرحلت إليه.
وفيها دعبل بن علي الخزاعيّ الشاعر المشهور الرافضيّ، مدح الخلفاء والملوك، وكان يحب الهجاء. وقد أجازه عبد الله بن طاهر على أبيات ستين ألف درهم.
قال ابن خلّكان: قيل: إن دعبلا لقب، واسمه الحسن. وقيل:
عبد الرحمن، وقيل: محمد، وكنيته أبو جعفر، وقيل: إنه كان أطروشا وفي قفاه سلعة.
كان شاعرا مجيدا، إلا أنه بذيء اللسان مولعا بالهجاء والحطّ من أقدار النّاس، وهجاء الخلفاء ومن دونهم، وطال عمره، فكان يقول: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك.
وكان بين دعبل، ومسلم بن الوليد الأنصاري اتحاد كثير، وعليه تخرج
دعبل في الشعر، فاتفق أن ولي مسلم جهة في بعض بلاد خراسان، وهي جرجان، فقصده دعبل لما يعلمه من الصحبة التي بينهما، فلم يلتفت مسلم إليه، ففارقه وقال:
غششت الهوى حتّى تداعت أصولهبنا وابتدلت الوصل حتّى تقطّعا
وأنزلت من بين الجوانح والحشاذخيرة ودّ طالما قد تمنّعا
فلا تعذلنّي ليس لي فيك مطمعتخرّقت حتّى لم أجد لك مرقعا
وهبك يميني استأكلت فقطعتهاوصبّرت قلبي بعدها فتشجّعا
ومن شعره في الغزل:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف نومكمايا صاحبيّ إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداقلبي وطرفي في دمي اشتركا
ولما مات دعبل- وكان صديقا للبحتريّ، وكان أبو تمام قد مات قبله- رثاهما البحتريّ فقال:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتيمثوى حبيب يوم مات ودعبل
في أبيات. انتهى ملخصا.
وفيها العبّاس بن عبد العظيم، أبو الفضل العنبريّ البصريّ الحافظ، أحد علماء السّنّة. سمع يحيى القطّان وطبقته، وتوفي في رمضان، وكان من الثقات الأخيار.
ولوين، واسمه محمد بن سليمان، أبو جعفر الأسديّ البغداديّ ثم المصّيصيّ. سمع مالكا، وحمّاد بن زيد، والكبار، وعمّر دهرا طويلا وجاوز المائة، وكان كثير الحديث ثقة. قاله في «العبر».
وفيها محمد بن يحيى بن فيّاض الزّمّانيّ البصريّ. روى عن عبد الوهّاب الثقفي وطبقته فأكثر، وحدّث في آخر عمره بدمشق، وبأصبهان.
والمسيّب بن واضح الحمصيّ. روى عن إسماعيل بن عيّاش والكبار، وتوفي في آخر السنة.
قال أبو حاتم: صدوق يخطئ.
وفيها المفضّل بن غسّان الغلابي ببغداد. روى عن عبد الرّحمن ابن مهدي وطبقته، وله «تاريخ» مفيد.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع