من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة أربعين ومائتين
فيها كما قاله في «الشذور» أخذ أهل الذّمّة بتعليم أولادهم العبرانية، والسريانية، ومنعوا من العربية، ونادى المنادي بذلك، فأسلم منهم خلق كثير.
وفيها خرجت ريح من بلاد التّرك، فمرّت بمرو، فقتلت خلقا كثيرا بالزّكام، ثم صارت إلى نيسابور، وإلى الرّيّ، وإلى همذان، وحلوان، ثم إلى العراق، وأصاب أهل بغداد، وسرّ من رأى، حمّى، وسعال، وزكام.
وقال محمد بن حبيب: جاءت الكتب من المغرب أن ثلاثة عشر قرية من القيروان خسف بها، فلم ينج من أهلها إلّا اثنان وأربعون رجلا سود الوجوه، فأتوا القيروان، فأخرجهم أهلها، فقالوا أنتم مسخوط عليكم، فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها. انتهى ما ذكره في «الشذور».
وفيها توفي أحمد بن أبي دواد- على وزن فؤاد- قاضي القضاة أبو عبد الله الإياديّ، وله ثمانون سنة. وكان فصيحا، مفوّها، شاعرا، جوادا، ممدّحا، رأسا في التجهّم، وهو الذي شغب على الإمام أحمد بن حنبل وأفتى بقتله. قاله في «العبر».
وقال ابن الأهدل: كان عالما، جوادا، ممدّحا، معتزليا، وكان له القبول التام عند المأمون والمعتصم، وهو أول من بدأ الخلفاء بالكلام وكانوا لا يكلّمون حتّى يتكلموا، وبسببه وفتياه امتحن الإمام أحمد وأهل السّنّة بالضرب والهوان على القول بخلق القرآن، وابتلي ابن أبي دواد بعد ذلك بالفالج نحو أربع سنين، ثم غضب عليه المتوكل فصادره هو وأهله وأخذ منهم ستة عشر ألف ألف درهم، وأخذ من والده مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجوهرا بأربعين ألف دينار، وقيل: إنه صالحه على ضياعه وضياع أبيه بألف ألف دينار. ولأحمد بن أبي دواد عطايا جزيلة وشفاعة إلى الخلفاء مقبولة، وفيه يقول الشاعر:
لقد أنست مساوئ كلّ دهرمحاسن أحمد بن أبي دواد
وما سافرت في الأقطار إلّاومن جدواك راحلتي وزادي
وكان بينه وبين ابن الزّيّات شحناء ومهاجاة عظيمة. انتهى ما قاله ابن الأهدل.
وفيها أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ البغداديّ الفقيه أحد الأعلام.
تفقه [بالشّافعيّ]، وسمع من ابن عيينة وغيره، وبرع في العلم، ولم يقلّد أحدا.
قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالسّنّة منذ خمسين سنة. وهو عندي في صلاح سفيان الثوري. انتهى.
قال ابن الأهدل: صنف فجمع في تصنيفه بين الحديث والفقه،
واستعمل أولا مذهب أهل الرّأي حتّى قدم الشافعيّ العراق وصحبه فاتبعه، وهو غير مقلّد لأحد.
وقال له محمد بن الحسن: غلبنا عليك هذا الحجازيّ- يعني الشافعيّ- فقال: أجد الحق معه. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة مأمون مجتهد. انتهى.
والحسن بن عيسى بن ماسرجس أبو علي النيسابوريّ. توفي في أول السنة بطريق مكّة، وكان ورعا ديّنا ثقة، أسلم على يد ابن المبارك، وسمع الكثير منه، ومن أبي الأحوص، وطائفة، ولما مرّ ببغداد حدّث بها، وعدوا في مجلسه اثني عشر ألف محبرة.
وفيها أبو عمرو خليفة بن خيّاط [العصفريّ] البصريّ الحافظ شباب، صاحب «التاريخ» و «الطبقات» وغير ذلك. سمع من يزيد بن زريع وطبقته، وحدّث عنه البخاريّ وغيره، وكان ثبتا يقظا.
وسويد بن سعيد أبو محمد الهرويّ ثم الحدثانيّ، نسبة إلى الحديثة التي تحت عانة. سمع مالكا وشريكا وطبقتهما، وكان مكثرا حسن الحديث، بلغ مائة سنة.
قال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس.
قال في «المغني»: سويد بن سعيد الحدثانيّ شيخ مسلم. محدّث نبيل، له مناكير.
قال أبو حاتم: صدوق.
وقال أحمد: متروك.
وقال النسائيّ: ليس بثقة.
وقال البخاريّ: عمي وكان يقبل التلقين. انتهى.
وسويد بن نصر المروزيّ. رحل وكتب عن ابن المبارك، وابن عيينة، وعمّر تسعين سنة.
وسحنون مفتي القيروان وقاضيه، أبو سعيد عبد السّلام بن سعيد بن حبيب التنوخيّ الحمصيّ الأصل ثم المغربي المالكيّ صاحب «المدوّنة».
أخذ عن ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وله عدة أصحاب، وعاش ثمانين سنة.
وعبد الواحد بن غياث المربديّ البصريّ. سمع حمّاد بن سلمة وطبقته.
وفيها محدّث خراسان أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفيّ مولاهم البلخيّ ثم البغلانيّ الحافظ، واسمه يحيى، وقيل: علي، ولقبه قتيبة.
سمع مالكا، واللّيث، والكبار. ورحل العلماء إليه من الأقطار، وكان من الأغنياء.
قال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه أصحاب الكتب إلّا ابن ماجة، وروى عنه أحمد، وابن معين. إليه المنتهى في الثقة. انتهى.
وأبو بكر الأعين محمد بن أبي عتّاب الحسن بن طريف البغداديّ الحافظ في جمادى الأولى. سمع زيد بن الحباب وطبقته، ورحل إلى الشام، ومصر، وجمع وصنف.
واللّيث بن خالد أبو الحارث المقرئ الكبير، صاحب الكسائي، وكان من أعيان أهل الأداء ببغداد، وتوفي قبل الأربعين ومائتين تقريبا.
وسليمان بن أحمد الدمشقيّ ثم الواسطيّ الحافظ. روى عن الوليد ابن مسلم وجماعة، وهو مضعّف.
قال البخاريّ: فيه نظر.
وفيها عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ المكيّ. سمع من سفيان بن عيينة، وناظر بشرا المريسي في مجلس المأمون بمناظرة عجيبة غريبة، فانقطع بشر وظهر عبد العزيز، ومناظرتهما مشهورة مسطورة، وعبد العزيز هو صاحب كتاب «الحيدة» وهو معدود في أصحاب الشافعيّ.
وفيها نصير بن يوسف الرّازيّ النحويّ المقرئ، تلميذ الكسائي.
وعمر بن زرارة الحدثيّ. ثقة، له نسخة مشهورة. روى عن شريك وجماعة.
وفيها أبو يعقوب الأزرق صاحب ورش، وكان مقرئ ديار مصر في زمانه، واسمه يوسف بن عمرو بن يسار.
قال في «حسن المحاضرة»: أبو يعقوب الأزرق يوسف بن عمرو بن يسار المدنيّ ثم المصريّ. لزم ورشا مدة طويلة، وأتقن عنه الأداء وخلفه في الإقراء بالدّيار المصرية، وانفرد عنه بتغليظ اللّامات وترقيق الراءات.
قال أبو الفضل الخزاعي: أدركت أهل مصر والمغرب على أبي يعقوب عن ورش لا يعرفون غيرها. انتهى.
وفيها أحمد بن المعدّل بن غيلان العبديّ البصريّ الفقيه المالكيّ المتكلم، صاحب عبد الملك الماجشون. كان فصيحا مفوها. له عدة مصنفات. وعليه تفقه إسماعيل القاضي، والبصريون.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع