تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وثلاثين ومائتين

فيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» رجفت دمشق رجفة شديدة من ارتفاع الضحى، أي إلى ثلاث ساعات كما قاله في «العبر» فانتقضت منها البيوت وزالت الحجارة العظيمة، وسقطت عدة طاقات من الأسواق على من فيها فقتلت خلقا كثيرا، وسقط بعض شرفات الجامع، وانقطع ربع منارته، وانكفأت قرية من عمل الغوطة على أهلها فلم ينج منهم إلّا رجل واحد، واشتدت الزلازل على أنطاكية، والموصل، ووقع أكثر من ألفي دار على أهلها فقتلتهم، ومات من أهلها عشرون ألفا، وفقد من بستان أكثر من مائتي نخلة من أصولها فلم يبق لها أثر. انتهى.

وفيها توفي إبراهيم بن الحجّاج الشّاميّ المحدّث بالبصرة. روى عن الحمّادين وجماعة، وخرّج له النسائيّ.

وفيها حبّان بن موسى المروزيّ. سمع أبا حمزة السّكري، وأكثر عن ابن المبارك، وكان ثقة مشهورا.

وسليمان بن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل، أبو أيوب التميميّ الشاميّ الحافظ، محدّث دمشق في صفر وله ثمانون سنة. سمع إسماعيل بن عيّاش ويحيى بن حمزة وطبقتهما، وعني بهذا الشأن، وكتب عمّن دبّ ودرج.

وسهل بن عثمان العسكريّ الحافظ أحد الأئمة، توفي فيها أو في حدودها. روى عن شريك وطبقته.

وفيها القاضي أبو عبد الله محمد بن سماعة الفقيه ببغداد وقد جاوز المائة وتفقه على أبي يوسف، ومحمد، وروى عن اللّيث بن سعد، وله مصنفات واختيارات في المذهب، وكان ورده في اليوم والليلة مائتي ركعة.

وفيها الحافظ أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقيّ الكاتب، صاحب المغازي والفتوح وغير ذلك من المصنفات المفيدة. روى عن إسماعيل بن عيّاش، والوليد بن مسلم، وخلق، وكان ناظر خراج الغوطة.

وفيها الوزير أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن الزّيّات وزر للمعتصم، والواثق، والمتوكل. ثم قبض عليه المتوكل وعذّبه وسجنه حتّى هلك.

كان أديبا بليغا وشاعرا محسنا كامل الأدوات، جهميا.

قال ابن الأهدل: كان أول أمره كاتبا، فاتفق أنّ المعتصم سأل وزيره أحمد بن عمّار البصري عن الكلأ ما هو؟ فقال: لا أدري. فقال المعتصم:

خليفة أميّ ووزير عاميّ. انظروا من بالباب من الكتّاب؟ فوجدوا ابن الزّيّات، فسأله عن الكلأ، فقال: العشب على الإطلاق. فإن كان رطبا فهو الخلى، وإن كان يابسا فهو الحشيش، وشرع في تقسيم النبات. فاستوزره وارتفع شأنه.

وظلم واتخذ تنورا من حديد يحبس فيه المصادرين، فإذا سئل الرّحمة، قال:

الرّحمة خور في الطبيعة. فأمسكه المتوكل في خلافته وأدخله التنور وقيّده بخمسة عشر رطلا من حديد، فافتقده بعد حين فوجده ميتا فيه.

وله ديوان شعر رائق. انتهى ملخصا.

وقال ابن الفرات: قال صالح بن سليمان العبديّ: كان ابن الزّيّات يتعشّق جارية فبيعت من رجل من أهل خراسان وأخرجها. قال: فذهل عقل محمد بن الزّيّات حتّى خشي عليه ثم أنشأ يقول:

يا طول ساعات ليل العاشق الدّنفوطول رعيته للنجم في السّدف
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
ماذا تواري ثيابي من أخي حرقكأنّما الجسم منه دقّة الألف
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
ما قال يا أسفي يعقوب من كمدإلا لطول الذي لاقى من الأسف
من سرّه أن يرى ميت الهوى دنفافليستدلّ على الزّيّات وليقف
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وفيها يحيى بن أيوب المقابريّ أبو زكريا البغداديّ العابد. أحد أئمة الحديث والسّنّة. روى عن إسماعيل بن جعفر وطبقته. توفي في ربيع الأول وله ست وسبعون سنة.

وفيها الإمام أبو زكريا يحيى بن معين البغداديّ الحافظ. أحد الأعلام وحجّة الإسلام في ذي القعدة بمدينة النّبيّ- ﷺ متوجها إلى الحجّ، وغسل على الأعواد التي غسل عليها النّبيّ- ﷺ وعاش خمسا وسبعين سنة. سمع هشيما، ويحيى بن أبي زائدة، وخلائق. وحدّث عنه الإمام أحمد، والشيخان.

وجاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث يعني بالمكرر.

وقال أحمد بن حنبل: كلّ حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث.

وقال ابن المديني: انتهى علم النّاس إلى يحيى بن معين.

قال في «العبر»: حديثه في الكتب الستة.

وقال ابن الأهدل: كان بينه وبين أحمد مودّة، واشتراك في طلب الحديث ورجاله، وقيل: لما خرج من المدينة إلى مكّة سمع هاتفا في النوم يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جواري؟ فرجع وأقام بالمدينة ثلاثا ومات ﵀، وكان ينشد:

المال يذهب حلّه وحرامهطوعا وتبقى في غد آثامه
ليس التّقيّ بمتّق لإلههحتّى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما تحوي وتكسب كفّهويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النّبيّ لنا به عن ربّهفعلى النّبيّ صلاته وسلامه

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.