من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وثلاثين ومائتين
فيها ورد كتاب الواثق على أمير البصرة يأمره بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في امتحان الناس.
وفيها قتل أحمد بن نصر الخزاعيّ الشهيد، كان من أولاد الأمراء فنشأ في علم وصلاح، وكتب عن مالك وجماعة، وحمل عن هشيم مصنفاته وما كان يحدّث. و [كان] يزري على نفسه، قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن، ولكونه أغلظ للواثق في الخطاب، وقال له: يا صبي.
وكان رأسا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام معه خلق من المطوّعة واستفحل أمرهم، فخافت الدولة من فتق يتمّ بذلك.
قال ابن الأهدل: روي أنه صلب فاسودّ وجهه، فتغيرت قلوب الناس، ثم ابيض سريعا فرؤي في النوم فقال: لما صلبت رأيت رسول الله- ﷺ فأعرض عني بوجهه فاسود وجهي غضبا، فسألته- ﷺ عن سبب إعراضه، فقال: «حياء منك، إذ قتلك واحد من أهل بيتي» فابيضّ وجهي. انتهى.
وفيها إبراهيم بن محمد بن عرعرة الشاميّ البصريّ، أبو إسحاق الحافظ، ببغداد، في رمضان. سمع جعفر بن سليمان الضّبعي.
وعبد الوهّاب الثقفي، وطائفة.
قال عثمان بن خرّزاذ: ما رأيت أحفص من أربعة، فذكر منهم إبراهيم هذا.
وفيها أميّة بن بسطام أبو بكر العيشيّ البصريّ، أحد الأثبات. روى عن ابن عمه يزيد بن زريع وطبقته.
وفيها عبد الله بن محمد بن أسماء الضّبعيّ البصريّ أحد الأئمة.
روى عن عمه جويرية بن أسماء وجماعة.
قال أحمد الدّورقي: لم أر بالبصرة أحفظ منه.
وذكر لعلي بن المديني فعظّمه.
وقال ابن ناصر الدّين: كنيته أبو عبد الرّحمن، وهو حجة ثقة.
وفيها كامل بن طلحة [الجحدريّ، البصريّ] وله ست وثمانون سنة. روى عن مبارك بن فضالة وجماعة.
قال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال في «المغني»: قال أبو داود: رميت بكتبه.
وقال أحمد: ما أعلم أحدا يدفعه بحجة.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم، وغيره: لا بأس به.
وقال الدّارقطنيّ: ثقة. انتهى.
وفيها ابن الأعرابي صاحب اللغة، وهو أبو عبد الله محمد بن زياد، توفي بسامرّاء وله ثمانون سنة، وكان إليه المنتهى في معرفة لسان العرب.
قال ابن الأهدل: هو مولى بني العبّاس. أخذ عن أبي معاوية الضرير، والكسائي، وأخذ عنه الحربيّ، وثعلب، وابن السّكّيت. واستدرك على من قبله. وله بضعة عشرة مصنفا، منها: «كتاب النوادر» و «كتاب الخيل» و «كتاب تفسير الأمثال» و «كتاب معاني الشعر» وكان يحضر مجلسه مائة مستفيد. انتهى.
وفيها محمد بن سلّام الجمحيّ البصريّ الأخباريّ الحافظ أبو عبد الله. روى عن حمّاد بن سلمة. وجماعة، وصنف كتبا منها «كتاب الشعراء» وكان صدوقا.
وفيها أبو جعفر محمد بن المنهال البصريّ الضرير الحافظ. روى عن أبي عوانة، ويزيد بن زريع، وجماعة. وكان أبو يعلى الموصلي يفخّم أمره ويقول: كان أحفظ من بالبصرة وأثبتهم في وقته.
وهو من الثقات.
قال في «العبر»: قلت: ومات قبله بيسير أو بعده، محمد بن المنهال [البصريّ] العطّار، أخو حجّاج بن منهال. روى عن يزيد بن زريع وجماعة، وكان صدوقا. روى عن [الرجلين] أبو يعلى الموصلي. انتهى.
وفيها منجاب بن الحارث الكوفيّ. روى عن شريك وأقرانه.
وفيها أبو علي هارون بن معروف الضرير ببغداد. روى عن
عبد العزيز الدّراوردي وطبقته، وكان من حفاظ الوقت، صاحب سنة.
وفيها الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزوميّ مولاهم المصريّ في صفر. سمع مالكا، واللّيث، وخلقا كثيرا، وصنف التصانيف.
وسمع «الموطأ» من مالك سبع عشرة مرّة.
قال ابن ناصر الدّين: هو صاحب مالك والليث، ثقة، وإن كان أبو حاتم والنسائي تكلما فيه، فقد احتج البخاريّ ومسلم في «صحيحهما» بما يرويه. انتهى.
وفيها العلّامة أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ الفقيه صاحب الشافعي، ببغداد في السجن والقيد ممتحنا بخلق القرآن، وكان عابدا مجتهدا دائم الذّكر كبير القدر.
قال الشافعيّ: ليس في أصحابي أعلم من البويطي.
وقال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنة. وسمع أيضا من ابن وهب.
وقال الإسنويّ في «طبقاته»: كان ابن أبي اللّيث الحنفي يحسده، فسعى به إلى الواثق بالله أيام المحنة بالقول بخلق القرآن، فأمر بحمله إلى بغداد مع جماعة من العلماء، فحمل إليها على بغل مغلولا مقيّدا مسلسلا في أربعين رطلا من حديد، وأريد منه القول بذلك فامتنع، فحبس ببغداد على تلك الحالة إلى أن مات يوم الجمعة قبل الصلاة. وكان في كل جمعة يغسل ثيابه، ويتنظف، ويغتسل، ويتطيب، ثم يمشي إذا سمع النداء إلى باب السجن، فيقول له السجّان: ارجع رحمك الله، فيقول البويطي: اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني. انتهى ملخصا.
وفيها أبو تمام الطائيّ حبيب بن أوس الحورانيّ، مقدّم شعراء العصر، توفي في آخر السنة [بالموصل] كهلا.
سئل الشريف الرضي عن أبي تمام، والبختري، والمتنبي، فقال: أما
أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما المتنبي فقائد عسكر.
وقال أبو الفتح بن الأثير في كتاب «المثل السائر» يصف الثلاثة:
[وهؤلاء الثلاثة] هم لات الشعر، وعزّاه، ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين، وفصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء.
أما أبو تمّام فربّ معان وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي يبرز فيه على الأضراب، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلّا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرّجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام: فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلّم ففوق كل ذي علم عليم.
وأما البحتريّ، فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنّى، ولقد حاز طرفي الرّقّة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف، نجد، حتّى يتشبّب بريف العراق.
وسئل أبو الطيب عنه، وعن أبي تمّام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري.
قال: ولعمري لقد أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه من
الأفهام، وما أقول إلّا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فأراد أن يسلك مسلك أبي تمّام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر [من قياده] ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختصّ بالإبداع في وصف مواقف القتال.
قال: وأنا أقول قولا لست فيه متأثّما، ولا منه متلثّما، وذلك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتّى تظن الفريقين فيه تقابلا، والسلاحين فيه تواصلا، وطريقه في ذلك يضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان، فيصف لسانه، وما أدّى إليه عيانه. ومع هذا فإني رأيت النّاس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط فيه وإما مفرّط، وهو وإن انفرد في طريق وصار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه كان خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيتهإنّ الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعرهقد أفسد القول حتّى أحمد الصّم
انتهى ما قاله ابن الأثير.
وقال ابن الأهدل: ألّف أبو تمّام كتاب «الحماسة» وكتاب «فحول الشعراء» جمع فيه بين الجاهليين، والمخضرمين، والإسلاميين، وكتاب
«الاختيارات من شعر الشعراء» وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة غير القصائد والمقاطيع. وجاب البلاد، ومدح الخلفاء وغيرهم، وكان قصد البصرة في جماعة من أتباعه وبها شاعرها عبد الصّمد بن المعذّل فخاف عبد الصمد أن يميل النّاس إليه فكتب إليه قبل قدومه:
أنت بين اثنتين تبرز للنّاس وكلتاهما بوجه مذال
أيّ ماء يبقى بوجهك هذابين ذلّ الهوى وذلّ السؤال
فلما وقف عليه رجع، وكتب على ظهر ورقته:
أفيّ تنظم قول الزّور والفندوأنت أنقض من لا شيء في العدد
أسرجت قلبك من غيظ على حنقكأنّها حركات الرّوح في الجسد
أقدمت ويحك من هجوي على خطركالعير يقدم من خوف على الأسد
قيل: إن العير إذا شمّ رائحة الأسد وثب عليه فزعا.
ومدح أبو تمّام الخليفة بحضرة أبي يوسف الفيلسوف الكنديّ فقال:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له الفيلسوف: أتشبّه الخليفة بأجلاف العرب؟ فقال: نور الله سبحانه شبّه بمصباح في مشكاة للتقريب فقال للخليفة: أعطاه ما سأل فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوما، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر.
وقيل: قال: إنه يموت قريبا أو شابا. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال:
رأيت فيه من الذكاء والفطنة ما علمت أن النفس الروحاني تأكل جسمه كما يأكل السيف المهنّد غمده. فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ قال: الموصل فأعطاه إياها، فمات سريعا وقد نيّف على الثلاثين، وبين عليه أبو نهشل بن حميد قبّة، ورثاه جماعة منهم: أبو نهشل بن حميد، الذي ولاه الموصل فقال:
فجع القريض بخاتم الشعراءوغدير روضتها حبيب الطّائي
ماتا معا فتجاورا في حفرةوكذاك كانا قبل في الأحياء
ورثاه محمد بن عبد الملك الزّيّات وزير المعتصم فقال:
نبأ أتى من أعظم الأنباءلمّا ألمّ مقلقل الأحشاء
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهمناشدتكم لا تجعلوه الطائي
انتهى ما قاله ابن الأهدل.
قلت: ومن شعر أبي تمّام هذه الأبيات الثلاثة وتطلب المناسبة بينها وهي:
لولا العيون وتفّاح الخدود إذاما كان يحسد أعمى من له بصر
قالوا أتبكي على رسم فقلت لهممن فاته العين يذكي شوقه الأثر
إنّ الكرام كثير في البلاد وإنقلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع