من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمس وثلاثين ومائتين
فيها كما قاله في «الشذور»: أمر المتوكل بأخذ أهل الذّمّة بلبس الطيالس العسلية والزنانير، وترك ركوب السروج، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين، وأن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلّمهم مسلم.
وفي ذي الحجّة تغير ماء دجلة إلى الصفرة فبقي ثلاثة أيام، ففزع النّاس لذلك ثم صار في لون الورد. انتهى.
وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم الموصليّ النديم، أبو محمد. كان رأسا في صناعة الطرب والموسيقا أديبا، عالما، أخباريا، شاعرا، محسنا، كثير الفضائل. سمع من مالك وهشيم وجماعة، وعاش خمسا وثمانين سنة، وكان نافق السوق عند الخلفاء إلى الغاية، يعدّ من الأجواد. وثقه إبراهيم الحربي. قاله في «العبر».
وقال ابن الأهدل: كان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق من الشهرة بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى، وأعفّ، وأصدق، وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة، لكن طعن فيه الخطابيّ كما نقله النواوي عنه وقال: إنه معروف بالسخف، والخلاعة، وإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمعن في تلك الأباطيل، لم يرض بما تزود من إثمها حتّى صدّر كتابه بذم أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون. انتهى.
وقال ابن الفرات: كان إسحاق- ﵀ من العلماء باللغة، والفقه، والكلام، والأشعار، وأخبار الشعراء، وأيام النّاس، وكان كثير الكتب، حتّى قال ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب كلها سماعه، وما رأيت اللغة في منزل أحد أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي، وهو صاحب كتاب «الأغاني» الذي يرويه عنه ابنه حمّاد، وقد روى عنه أيضا الزّبير بن بكّار، ومصعب بن عبيد الزّبيري، وأبو العيناء، وميمون بن هارون، وغيرهم.
وقال عون بن محمد الكلبي: حدثنا محمد بن عطية العطويّ الشاعر، أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع النّاس فيه، فرآني إسحاق بن إبراهيم، فأخذ يناظر أهل الكلام حتّى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن، وقاس، واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، فأقبل على يحيى وقال: أعزّ الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا.
وكان إسحاق قد عمي قبل وفاته بسنتين.
حدّث أبو عبد الله النديم قال: لقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعد ما كفّ بصره، فسألني عن أخبار النّاس والسلطان، فأخبرته.
ومن أخباره ما روي عنه أنه قال: أخبرني رجل من بني تميم أنه خرج في طلب ناقة له، قال: فوردت على ماء من مياه طيء فإذا خباءان أحدهما قريب من الآخر، وإذا في أحد الخباءين شاب كأنه الشّنّ البالي، فدنوت منه فرأيت من حاله ما رثيت له، فسألته عن خبره؟ فأعلمني أنه عاشق لابنة عمّ له. وقد كان يأتيها فيتحدث معها، وقد منع من لقائها فنحل لذلك جسمه وطال همّه، وأنشأ يقول:
ألا ما للخليلة لا تعودأبخل بالخليلة أم صدود
مرضت فعادني أهلي جميعافما لك لم أر فيمن يعود
وما استبطأت غيرك فاعلميهوحولي من بني عمّي عديد
فلو كنت السقيمة جئت أسعىإليك ولم ينهنهني الوعيد
قال: فسمعت كلامه الذي عناها به، فخرجت من ذلك الخباء كالبدر ليلة تمّه وهي تقول:
وعاق لأن أزورك يا خليليمعاشر كلّهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدّواهيوعابونا وما فيهم رشيد
فلا يا حبّ ما طابت حياتيوأنت ممرّض فرد وحيد
فتبادر النساء إليها وتعلقن بها، وأحس بها فوثب إليها، فتبادر الرجال نحوه فتعلقوا به، فجعلت تجذب نفسها والشاب يجذب نفسه حتّى تخلصا، فالتقيا واعتنقا، ثم شهقا شهقة واحدة وخرّا من قامتيهما متعانقين ميتين، فخرج شيخ من تلك الأخبية فوقف عليهما وقال: رحمكما الله، أما والله لئن لم أجمع بينكما في حياتكما لأجمعن بينكما بعد وفاتكما، ثم أمر بهما فغسلا وكفنا في كفن واحد، وحفر لهما قبرا واحدا ودفنهما فيه، فسألته عنهما؟
فقال: ابنتي وابن أخي، بلغ بهما الحب إلى ما رأيت، ففارقته وانصرفت.
ومن شعر إسحاق النديم- ﵀ ما كتبه إلى هارون الرشيد ﵀ من أبيات:
أرى النّاس خلّان الجواد ولا أرىبخيلا له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهلهفأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمتهإذا نال شيئا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرّماومالي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
انتهى ما أورده ابن الفرات ملخصا.
وفيها الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعيّ، ابن عم طاهر ابن الحسين. ولي بغداد أكثر من عشرين سنة، وكان يسمى صاحب الجسر، وكان صارما سايسا حازما، وهو الذي كان يطلب العلماء ويمتحنهم بأمر المأمون، مات في آخر السنة.
وفيها سريج بن يونس البغداديّ أبو الحارث، الجمّال العابد، أحد أئمة أصحاب الحديث.
سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته، وهو الذي رأى ربّ العزّة في المنام. وهو جدّ أبي العبّاس بن سريج.
وفيها شيبان بن فروخ الأبلّي وهو من كبار الشيوخ وثقاتهم. روى عن جرير بن حازم وطبقته.
قال عبدان: كان عنده خمسون ألف حديث.
وفيها أبو بكر بن أبي شيبة، وهو الإمام أحد الأعلام، عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، صاحب التصانيف الكبار، توفي في المحرم وله بضع وسبعون سنة. سمع من شريك فمن بعده.
قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه.
وقال أبو عبيد: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أبي بكر بن أبي شيبة، أسردهم له، وابن معين، وهو أجمعهم له، وابن المديني، وهو أعلمهم به، وأحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه.
وقال صالح جزرة: أحفظ من رأيت عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال نفطويه: لما قدم أبو بكر بن أبي شيبة بغداد في أيام المتوكل حزروا مجلسه بثلاثين ألفا.
قال ابن ناصر الدّين: كان ثقة عديم النظير.
وخرّج له الشيخان.
وفيها عبد الله بن عمر القواريريّ البصريّ الحافظ أبو سعيد ببغداد في ذي الحجة. روى عن حمّاد بن زيد وطبقته فأكثر.
وقال صالح جزرة: هو أعلم من رأيت بحديث أهل البصرة.
وقال ابن ناصر الدّين: هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ثقة.
وفيها، وقيل سنة ست وعشرين، أبو الهذيل العلّاف، محمّد بن هذيل بن عبيد الله البصريّ، شيخ المعتزلة، ورأس البدعة، وله نحو من مائة سنة. قاله في «العبر».
وكان يقول بفناء أهل النّار.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع