من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ثمان وخمسين وأربعمائة
فيها كما قال ابن الأثير وابن الجوزي والذهبي والسيوطي ولدت بنت لها رأسان، ورقبتان، ووجهان، على بدن واحد ببغداد بباب الأزج وماتت.
وفيها كما قال في «الشذور» ظهر كوكب عظيم كبير، له ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع، وطوله أذرع كثيرة، ولبث ليال كثيرة، ثم غاب ثم ظهر، وقد اشتد نوره كالقمر، وبقي عشرة أيام، حتّى اضمحل، ووردت كتب التّجار بأنّه في الليلة الأخيرة من طلوع هذا الكوكب، غرقت ستة وعشرون مركبا، وهلك فيها نحو من ثمانية عشر ألف إنسان، وكان من جملة المتاع الذي فيها عشرة آلاف طبلة كافور، وكانت الزلزلة بخراسان، ولبثت أياما، فتصدعت منها الجبال، وخسف بعدة قرى. انتهى.
وفيها توفي البيهقي الإمام العلم، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الخسروجردي- بضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة، وفتح الراء
الأولى، وكسر الجيم، آخره مهملة، نسبة إلى خسروجرد، قرية ببيهق- الشافعي الحافظ، صاحب التصانيف.
قال ابن ناصر الدّين: كان واحد زمانه، وفرد أقرانه، حفظا وإتقانا وثقة، وعمدة، وهو شيخ خراسان، وله «السنن الكبرى» و «الصغرى» و «المعارف» وكتاب «الأسماء والصفات» و «دلائل النبوّة» و «الآداب والدعوات» و «الترغيب والترهيب» و «الزهد» وغير ذلك. انتهى.
وقال في «العبر»: توفي في عاشر جمادى الأولى بنيسابور، ونقل تابوته إلى بيهق، وعاش أربعا وسبعين سنة. لزم الحاكم مدة، وأكثر عن أبي الحسن العلوي، وهو أكبر شيوخه، وسمع ببغداد من هلال الحفّار، وبمكّة والكوفة، وبلغت تصانيفه ألف جزء، ونفع الله بها المسلمين شرقا وغربا لأمانة الرجل، ودينه، وفضله، وإتقانه، فالله يرحمه. انتهى.
وقال ابن قاضي شهبة: قال عبد الغافر في «الذّيل»: كان على سيرة العلماء، قانعا من الدنيا باليسير، متجملا في زهد وورعه. وذكر غيره أنّه سرد الصوم ثلاثين سنة.
وقال إمام الحرمين: ما من شافعي إلّا وللشافعي عليه منّة إلّا البيهقي، فإن له على الشافعي منّة لتصانيفه في نصرة مذهبه.
ومن تصانيفه «المبسوط في جمع نصوص الشافعي» وكتاب «الخلاف» وكتاب «دلائل النبوة» وكتاب «البعث والنشور» و «مناقب الشافعي» و «مناقب أحمد» وكتاب «الاعتقاد» مجلد، وغير ذلك من المصنفات الجامعة المفيدة.
انتهى ملخصا.
وقال ابن خلّكان: وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات، وكان [من] أكثر الناس نصرا لمذهب الشافعي، وطلب إلى نيسابور لنشر العلم، فأجاب، وانتقل إليها. انتهى ملخصا أيضا.
وفيها عبد الرزاق بن عمر بن شمة أبو الطيب الأصفهاني التاجر.
روى عن ابن المقرئ.
وفيها أبو الحسن بن سيده، علي بن إسماعيل المرسي، العلّامة، صاحب «المحكم في اللغة» وكان أعمى ابن أعمى، رأسا في العربية، حجّة في نقلها.
قال أبو عمر الطّلمنكي: أتوني بمرسية ليسمعوا مني «غريب المصنف» فقلت: انظروا من يقرأ لكم، فأتوني برجل أعمى هو ابن سيده، فقرأ من حفظه فعجبت.
قال ابن خلّكان: كان إماما في اللغة والعربية، حافظا لهما، وقد جمع في ذلك جموعا، من ذلك كتاب «المحكم» في اللغة، وهو كتاب كبير
جامع مشتمل على أنواع اللغة، وله كتاب «المخصص» في اللغة أيضا، وهو كبير، وكتاب «الأنيق في شرح الحماسة» في ست مجلدات، وغير ذلك من المصنفات.
وكان ضريرا، وأبوه ضريرا، وكان أبوه أيضا قيّما بعلم اللغة، وعليه أشغل ولده في أول أمره، ثم على أبي العلاء صاعد البغدادي، وقرأ على أبي عمر الطّلمنكي.
وتوفي بحضرة دانية عشية يوم الأحد سادس عشري جمادى الآخرة،:
وعمره ستون سنة أو نحوها. رأيت على ظهر مجلد [من «المحكم»] بخطّ بعض فضلاء الأندلس، أن ابن سيده المذكور، كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحا سويّا إلى وقت صلاة المغرب، فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه، فبقي على تلك الحال إلى العصر من يوم الأحد، ثم توفي ﵀.
وسيده: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة.
والمرسي: بضم الميم وسكون الراء، وبعدها سين مهملة، نسبة إلى مرسية [وهي] مدينة في شرق الأندلس. انتهى ملخصا.
وفيها العبّادي القاضي، أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عبّاد الهروي، شيخ الشافعية، وصاحب التصانيف.
تفقه على القاضي أبي منصور الأزدي، وبنيسابور على أبي عمر البسطامي، وكان دقيق النظر، إماما واسع العلم له «المبسوط» و «أدب القاضي»
و «الهادي» وكتاب «المياه» وكتاب «الأطعمة» وكتاب «الزيادات» و «زيادات الزيادات» وكتاب «طبقات الفقهاء» وأخذ عنه أبو سعيد الهروي، وولده أبو الحسن العبّادي، وغيرهما.
قال أبو سعد السمعاني: كان إماما ثبتا مناظرا، دقيق النظر، سمع الكثير، وتفقه، وصنّف كتبا في الفقه، مات في شوال.
وفيها أبو يعلى بن الفرّاء، شيخ الحنابلة، القاضي، الحبر، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، صاحب التصانيف، وفقيه العصر.
كان إماما لا يدرك قراره، ولا يشقّ غباره، عاش ثماني وسبعين سنة، وحدّث عن أبي [الحسن علي بن عمر] الحربي، والمخلّص، وطبقتهما، وأملى عدّة مجالس، وولي قضاء الحريم، وتوفي في تاسع عشر رمضان، وتفقه على أبي عبد الله بن حامد وغيره، وجميع الطائفة معترفون بفضله ومغترفون من بحره. قاله في «العبر».
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع